الفصل الثالث نوفيلا قدرا لايشبه بقلم سيلا وليد ابتعدت ليلى عنه خطوة، لكنه تقدم نحوها حتى حاصرها بينه وبين الحائط. ارتجفت شفتاها، وخرج صوتها ضعيفًا مرتعشًا: _ لو سمحت... ابعد. قالتها وهي تغالب دموعها، لكنّه لم يتحرك. _ لو سمحت ابعد عني. رفعت يدها الصغيرة، ودفعته بها في صدره، إلا أنه قبض على معصمها وجذبها نحوه، فاصطدمت بصدره رغماً عنها. في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب ودلف مدحت. _ عمران بيه... لم يلتفت إليه، وظلت عيناه معلقتين بليلى. _ بتعملي إيه هنا؟ انسابت دموعها بصمت، ولم تجد ما تقوله. كرر مدحت، بنبرة أكثر إلحاحًا: _ عمران بيه... استدار إليه أخيرًا، فاستغلت ليلى اللحظة، وأفلتت نفسها منه، ثم اندفعت خارج المكتب دون أن تلتفت خلفها. تابع عمران خروجها بعينيه حتى اختفت، قبل أن يقترب منه مدحت قائلًا: _ أنا آسف لحضرتك، البنت صغيرة ومكنتش تقصد أي حاجة. جلس عمران على مقعده، وأسند ظهره إليه، ثم قال ببرود: _ هاتلي ملف أخوها... ويجي هو وهي يعتذروا تردد مدحت لحظة. — عمران بيه... رفع عمران عينيه إليه بحدة: — قولت إيه يا مدحت؟ نفّذ. أومأ مدحت سريعًا. — تحت أمرك يا بيه. خرج، بينما بقي عمران مكانه. مرر يده بعنف على وجهه، ثم توقف فجأة، ورفع كفه إلى أنفه. كانت رائحتها لا تزال عالقة بيده... رائحة غريبة لم يعتدها. تذكر حين اصطدمت بصدره، فعبس دون أن يفهم سبب اهتمامه بتفصيل كهذا. وقبل أن يسترسل في أفكاره، طرق أحدهم الباب، ثم فُتح ودخلت ملك، شقيقته، برفقة نيفين. — ملك؟ إيه اللي جابك؟ اقتربت منه بابتسامة عفوية: — كنت بعمل شوبينج مع نيفين، وقولنا نعدي عليك، بما إن ماما راحت لخالتو... نتغدى بره سوا. بقلم سيلا وليد وقبل أن يجيب، انفتح الباب من جديد. دلف فريد، وبجواره ليلى. توقفت ليلى للحظة ما إن وقعت عيناها على عمران، وكأن رؤيته أربكتها، ثم أشاحت بوجهها سريعًا، بينما تقدم فريد منه قائلًا: — حضرتك طلبتني يا عمران بيه؟ رفع عمران عينيه إليه، ثم انتقلت نظرته، دون إرادة منه، إلى ليلى الواقفة خلف شقيقها، قبل أن يعيد بصره إلى فريد، وقد عادت ملامحه إلى جمودها المعتاد. — أيوه. ثم التفت إلى ملك ونيفين، وقال بلهجة مقتضبة: — استنوني في الاستراحة. أومأت ملك، واستدارت لتغادر، لكن عينيها وقعتا على ليلى التي كانت تقف بجوار فريد، متشبثة بكفه في توتر. توقفت ملك، ثم اقتربت منها قليلًا، وسألتها بفضول: — إنتِ شغالة هنا؟ رفعت ليلى عينيها إليها، وظلت صامتة للحظة، قبل أن تومئ بخجل. لكن ملك لم تكتفِ، فأعادت سؤالها بدهشة: — إنتِ شغالة هنا؟ وقبل أن تجيب ليلى، جاء صوت عمران من خلفها، حادًا ومقتضبًا: — ملك... قلت إيه؟ التفتت ملك إلى شقيقها، ثم أشارت إلى ليلى قائلة بعفوية: — هي شغالة هنا يا أبيه؟ — آه. قالها عمران وهو ينظر إلى ليلى للحظة، قبل أن يشيح بعينيه عنها. اتسعت عينا ملك بدهشة: — معقول؟! شكلها صغير أوي! قبض عمران على فكه، وتمتم من بين أسنانه محذرًا: — ملك... فهمت الأخيرة نبرة شقيقها، فتراجعت على الفور، بينما أمسكت نيفين بذراعها وسحبتها معها إلى الخارج. وقبل أن تغادر، التفتت ملك مرة أخرى إلى ليلى، وكأن فضولها لم ينتهِ بعد، ثم خرجت بصحبة نيفين أشار عمران إلى فريد، فتقدم الأخير نحوه، بينما ابتعدت ليلى قليلًا وجلست بالقرب من الأريكة، تتابع حديثهما بصمت. قال عمران بلهجة جادة، وهو يحدق في فريد: — أنا عايز أعرف... إنت شغال في شركة ولا في مدرسة؟ ابتلع فريد ريقه، وقال معتذرًا: — آسف يا عمران بيه، ليلى في أولى جامعة، ومبقالهاش كتير هنا. إحنا كنا راجعين البلد، بس الملف أخّرني، علشان كده هي جت على الشركة. رفع عمران نظره إليها، فتلاقت عيناه بعينيها للحظات، قبل أن تخفض ليلى بصرها سريعًا إلى الأرض. عاد عمران بنظره إلى فريد: — ليه الملف من امبارح مخلصش؟ حمحم فريد بحرج قبل أن يجيب: — حضرتك، الملف كل نتائجه مختلفة عن اللي حضرتك حاطه في الميزانية، ومستر مدحت مكنش موجود. وأنا حاولت أوصل لحضرتك، بس السكرتيرة قالت إن حضرتك مشغول. ضيق عمران عينيه قليلًا، ثم سأل: — إنت اللي جيت قبل كده؟ أومأ فريد: — أيوه. ثم تابع موضحًا: — أنا مش بقالى كتير في الشركة، ومش خبير زي خبراء حضرتك، بس فيه أرقام في الملفات مش متسجلة، ومستر مدحت لسه راجع النهارده. أخذ عمران ينقر بأصابعه على سطح المكتب، يستمع إليه باهتمام، بينما تحركت ليلى وجلست على الأريكة الموضوعة بجوار المكتب. رفع عمران عينيه إليها دون قصد. وجدها تنظر إليه، فقالت بعفوية شديدة: — بتبص لي ليه؟ رجلي وجعتني، وشكلكم مطولين في الكلام. ساد الصمت لثوانٍ. رمقها فريد بنظرة عتاب، ثم قال سريعًا: — آسف يا عمران بيه... هي ليلى كده. أوعدك مش هتيجي الشركة تاني. ظل عمران يحدق بها، ثم ضيق عينيه قليلًا وسأل: — إنتِ في كلية إيه؟ رفعت ليلى حاجبًا بدهشة، ثم قالت : — إيه؟ هتشغلني عندك؟ لم يشعر عمران بنفسه إلا وهو يطلق ضحكة عالية، صافية، على غير عادته، حتى أغمض عينيه للحظة من شدة الضحك. توقفت ضحكته تدريجيًا، بينما ظلت ليلى تحدق به بدهشة. ولسبب لم تفهمه، شعرت بشيء دافئ ولذيذ يتسلل إلى قلبها، فسرعان ما أشاحت بوجهها، تخفي ابتسامتها الصغيرة. _ايه الراجل غريب الاطوار دا، هو طيب ولا بيستهبل هز عمران رأسه، وقال وهو يستعيد هدوءه، ينظر لشفتيها التي تحركها بالحديث، ورغم ذلك وقال — لا مش هنزعق لك، آه... إيه رأيك في شركتنا المتواضعة؟ ابتسمت ليلى وقالت بعفوية: — مش بطالة... بس مديرها يكون حنين على موظفينه.. علشان يدخل الجنة، وكمان العصبية بتكبر الراجل، يعني اللي يشوفك يقول عندك خمسين سنة _أنا عندي خمسين سنة _ايه مستصغرهم كور فريد قبضته من كلمات اخته المستاءة، بينما رفع عمران عينه لليلى تعلقت عيناه بعينيها، وبقيت نظراتهما متشابكة لثوانٍ، حتى همس لنفس _ماذا بها هذه الفتاة شيء غريب حدث بينهما في تلك اللحظة... انجذاب أول، خاطف، لم يفهم أيٌّ منهما سببه، لكنه كان حاضرًا بقوة. قطع عمران الصمت، وكأنه يحاول إخفاء ارتباكه فحمحم: — إنتِ في قسم إيه؟ أجابت بحماس: — برمجة. — برمجة؟ أومأت برأسها، ثم تابعت وقد لمعت عيناها بحماس: — آه... رغم إني مكنتش حابة القسم في الأول، بس الشغل على الأجهزة متعة بجد. كل ما أفهم حاجة جديدة بحس إني عايزة أعرف أكتر. ظل عمران يراقب حركاتها وتلقائيتها، يستمع إلى حديثها دون أن يقاطعها، حتى تناسى للحظات وجود فريد داخل المكتب. إلى أن حمحم فريد، فأفاق عمران من شروده: — آسف لحضرتك. ثم أشار إلى شقيقته، وقال بنبرة حازمة: — معتذرتيش. نظرت ليلى إليه باستغراب: — على إيه؟ — ليلى... قالها فريد بعتاب واضح. نظرت ليلى إلى شقيقها، ثم عادت بعينيها إلى عمران، وقالت بخجل: — آسفة يا عمران بيه. تردد حديثها لاذنه عدة مرات، دلفت نيفين _عمران اتأخرت؟! رمقتها ليلى بنظرة سريعة، نظرت الى ثيابها بامتعاض، جيب اسود من الجلد فوق الركبة، وكنزة صوفية باللون الابيض، فوقها سكارف، وتترك لخصلاتها العنان أشار عمران الى ليلى بيده نحو الباب، وقال بلهجة حاسمة عكس مايشعر به: — استني أخوكي برّه. مطّت ليلى شفتيها بضيق، ثم التفتت إلى فريد وهمست: — بنطرد. هز فريد رأسه محاولًا إخفاء غضبه منها، فتحركت ليلى إلى الخارج دون أن تضيف كلمة، مرت بجوار نيفين، ومازالت نظراتها تخترقها، بينما ظل عمران يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب. سحب نفسًا عميقًا، ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي: _ ابعتلي مدحت. _نيفين شوية وجاي. تأففت بضجر، ثم تحركت للخارج لم تمضِ سوى دقائق حتى دلف مدحت إلى المكتب. — مدحت... شوف فريد هيقولك إيه، وعايز تقرير كامل بكل اللي بيحصل في قسم الحسابات، من أول المشروع لحد النهارده. تقدم فريد، ووضع الملف أمامه، ثم أخرج النسخة الأصلية من بين الأوراق، وقال بجدية: — فيه فرق سبعة مليون بين المتسجل في الحسابات والأرقام الموجودة في الورق الأصلي. أنا راجعت الملف أربع مرات يا عمران بيه، لدرجة إني نقلته بنفسي ورجعت راجعته من الأول. ولما لاحظت الاختلاف، جيت لحضرتك، بس للأسف مقدرتش أقابلك. أمسك مدحت بالملف، وراح يقلب صفحاته بسرعة، ثم قال: — أيوه يا عمران بيه... بس شهاب هو اللي كان بيراجع المشروع الفترة اللي فاتت. توقف عمران عن تقليب الأوراق. نقر بأصابعه على سطح المكتب، وعيناه معلقتان في نقطة بعيدة، بينما بدأت الاحتمالات تتزاحم في رأسه. سبعة ملايين. رقم لا يمكن أن يكون مجرد خطأ في الحساب. رفع عينيه إلى مدحت، وقال بهدوء بارد: — مدحت... غيّر المحاسبين المسؤولين عن المشروع ده، وانقل شهاب فرع ستة أكتوبر. اتسعت عينا مدحت: — معقول يا عمران بيه؟ رفع عمران الملف، ثم همَّ بالخروج، لكنه توقف فجأة. — ولا أقولك... استنى. التفت إليه، وقال: — أنا هراجع الملف بنفسي. ثم أضاف بنبرة ساخرة خفيفة: — أنا أصلًا اعتذرت النهارده عن اجتماع المناقصة بسبب سي فريد وأخته. خفض فريد رأسه بحرج: — آسف لحضرتك يا عمران بيه. أشار عمران بيده إشارة مقتضبة، ثم خرج. في الخارج، بينما اتجه فريد نحو أخته، عند ليلى ظلت تتجول في أرجاء الشركة بفضول طفولي، تتأمل المكان باعجاب واضح وصلت إلى المدخل، توقفت فجأة. رائحة المطر. رفعت رأسها، فرأت السماء وقد بدأت تنثر قطراتها فوق الأرض. لم تفكر لحظة. خرجت إلى أمام الشركة، تنظر الى حبات المطر، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، صافية، تشبه ابتسامة الأطفال. وبدون تردد، رفعت طرف فستانها قليلًا، ودارت حول نفسها تحت المطر، بينما تناثرت قطراته فوقها، ووقعت على وجهها. ضحكت. ضحكة صافية خرجت من قلبها، وكأنها نسيت العالم كله في تلك اللحظة. في الطابق العلوي، دلف عمران إلى غرفة الاستراحة. كانت ملك تقف أمام الشرفة الزجاجية، تراقب المطر، بينما كانت نيفين تجلس على أحد المقاعد وتتحدث مع شخص عبر هاتفها. اقترب عمران من شقيقته، وأحاط كتفيها بذراعه. رفعت ملك عينيها إليه، وابتسمت: — المطر حلو أوي... ماما بتقول المطر خير. أومأ عمران، لكن عينيه لم تبقيا على شقيقته طويلًا. فقد جذبه شيء في الأسفل. شيء لم يكن معتادًا على رؤيته. توقفت عيناه عند الفتاة التي كانت تدور تحت المطر. ليلى. ظلت تدور وتضحك، غير عابئة بملابسها التي ابتلت، ولا بنظرات الموظفين المتعجبة، ولا حتى بالبرد. كانت مختلفة.. بريئة... لكن جريئة. عفوية... بلا حساب. وفي عالم عمران الذي اعتاد الوجوه المصطنعة والكلمات المحسوبة، بدت ليلى كشيء غريب اقتحم حياته دون استئذان. في تلك اللحظة، خرج فريد. اقترب منها، خلع سترته، ووضعها فوق كتفيها وهو يهز رأسه بيأس: — مش هتبطلي جنان بقى؟ ضحكت ليلى، ثم تشبثت بذراع شقيقها، وسارا معًا باتجاه الخارج. ظلت عينا عمران معلقتين بها حتى ابتعدت. لاحظت ملك شروده، فتتبعت نظرته، ثم قالت: — هي فعلًا شغالة هنا يا أبيه؟ لم يجبها. بقلم سيلا وليد كان ما يزال ينظر إلى أثرها، وكأن شيئًا داخله يرفض أن يشيح عنها. رفع عمران عينيه أخيرًا، وقال بهدوء: — أيوه.. لا يعلم لماذا قال ذلك هل قالها لسبب لم يعرف له وانجذابًا لم يعترف به بعد. أما ليلى، فلم تكن تعرف أن ضحكتها تحت المطر تركت في قلب رجل اعتاد القسوة أثرًا لم تستطع السنوات أن تترك مثله. باليوم التالي كانت تهمهم بنومها، دلفت والدتها _ليلى قومي يابنتي دا كله نوم، يعني اليوم اللي تيجيه هتنامي فيه لكنها لم ترد، اقتربت منها والدتها، استمعت الى همسها، وضعت كفيها على جبينها حين لمحت ارتعاش جسدها _ليلى... يالهوي انتي مولعة نار ركضت للخارج، ومنه الى غرفة فريد _الحق اختك يافريد، جسمها مولع نار اعتدل من فوق الفراش _كنت عارف، مش قولت لك امبارح لما جينا ياماما، انها لعبت تحت المطر جاء المساء، وهي مازالت بين النوم واليقظة، دلفت اليها والدتها تحمل مشروبًا دافي، ثم جلست بجوارها _عملت لك ليمون بجنزبيل حلو، اشربيها وحطيت رشة قرفة وقرنقل علشان صدرك طرق فريد الباب ودلف _جبت لك من الصيدلية مجموعة للبرد، خديها علشان ماطوليش في الرقدة بدأ سعالها يرتفع، نهضت امها وهي تقول _هشوف الرز ليتحرق، خليك جنبها يافريد جلس بجوارها، وضعت رأسها على كتفها _راسي هتنفجر _ألف سلامة عليكي حبيبتي في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف فريد، رفعه. اجاب _فريد عامل ايه _مستر مدحت _اه.. ابعتلي صورة الملف من على جهازك قبل ماتصلحه _بس جهازي في القاهرة مش معايا. ارتفع سعال ليلى حتى وصل الى مدحت _انت تعبان _لا لا... دي ليلى اخدت برد _ألف سلامة... المهم اول ماتنزل القاهرة تبعته، حتى لو الفجر حمحم فريد معتذرا _بس انا مش جاي بكرة ولا بعده، بلغت بكدا، ليلى تعبانة _فريد عايز النسخة الاصلية، اتصرف، ايه شغل العيال دا تمتم بها مدحت واغلق الهاتف رفع عيناه لعمران الجالس بصمت _هو في البلد، ومش هيجي غير بعد يومين اخته تعبانة _نعم يااخويا، احنا هنهزر ولا ايه، يتصرف بكرة الصبح يكون في الشركة _انا قولت لك دا مش بتاع شغل، انت مش شايفه جايب اخته الشغل _بالعكس ياعمران بيه، فريد، شخص كفء، وعمره ماقصر في شغله، وامين، هو بقاله سنة والشاب كويس أشار إليه بالخروج، فتحرك الرجل نحو الباب، لكنه ما إن بلغ عتبته حتى أوقفه عمران بصوته: — ابعت لي رقمه. التفت إليه الرجل سريعًا، ثم أومأ باحترام. — مالك بتبص كده ليه؟ تردد قليلًا قبل أن يجيب: — أصل... أول مرة حضرتك تطلب رقم موظف. رفع عمران عينيه إليه ببرود، ثم قال: — مش إنت لسه بتشكر فيه؟ أنا هكلمه وأخليه يتصرف. — تحت أمرك يا بيه. خرج مدحت، وعاد عمران إلى مقعده، لكن عقله لم يعد مع ملفات الشركة. مرت دقائق وهو يحدق في شاشة هاتفه، يتأمل الرقم الذي أمامه وكأنه يحاول إقناع نفسه بسبب واحد منطقي لطلبه. هل فعلًا يريد التواصل معه بسبب ملف الحسابات؟ أم أن الأمر لم يكن سوى حجة ليعرف شيئًا عن تلك الشقية التي نجحت، منذ الأمس فقط، في احتلال جزء من تفكيره؟ زفر ببطء، ثم ابتسم بسخرية من نفسه. حتى ملابسه أثارت دهشته... فقد أمضى يومين كاملين بالبدلة ذاتها، وهو الذي اعتاد أن يبدل ملابسه أكثر من مرة في اليوم. رفع الهاتف دون وعي، وضغط على الرقم. اتصل بفريد. في منزل ليلى، كانت وفاء تجلس بجوار ابنتها، تطعمها ملعقة تلو الأخرى من شوربة دافئة. — دي هتشيل البلغم، وتبطلي الكحة شوية. ارتفع رنين الهاتف. نظرت وفاء إلى الشاشة، ثم نادت: — يا فريد، تليفونك بيرن. لكن فريد لم يكن موجودًا. مدت ليلى يدها بتعب، وسحبت الهاتف من جوار والدتها، وما إن أضاءت الشاشة حتى اتسعت عيناها حين ظهر اسم المتصل: عمران. دون أن تفكر، ضغطت زر الإجابة. خرج صوتها مبحوحًا، ضعيفًا، مثقلًا بالبرد والإرهاق: — ألو... على الجانب الآخر، تجمد عمران في مكانه. رجفة خفية سرت في جسده لحظة سماع صوتها. لم تكن نبرتها كما سمعها بالأمس؛ كانت مبحوحة، مرهقة، تحمل أثر المرض... ومع ذلك، تسللت إلى أعماقه بطريقة أربكته هو نفسه. أغمض عينيه، وهمس دون وعي: — ليلى... صمتت لحظة، وكأنها تأكدت من هوية المتصل. — أيوة؟ نهضت وفاء من مكانها، وقالت بقلق: — مين يا ليلى؟ هشوف فريد، ليكون عند عمك. نظرت إليها ليلى، ثم قالت بهدوء: — فريد مش هنا. سألها عمران بصوت خافت: — إنتِ عارفة مين بيتكلم؟ أجابته دون تردد: — عمران بيه. أغمض عينيه أكثر. مجرد سماعها تنطق اسمه بهذا الصوت الضعيف، جعل شيئًا غريبًا ينقبض داخله. تابعت ليلى: — عمران بيه، فريد مش هنا... لما ييجي هخليه يكلمك. ساد الصمت بينهما لثوانٍ. كان يستطيع أن يغلق الهاتف وينتهي الأمر، لكنه لم يفعل. كان يستمع فقط إلى أنفاسها الهادئة وأخيرًا قال: — ألف سلامة عليكي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم تعبها. — الله يسلمك. انتهت المكالمة. ظل عمران ممسكًا بالهاتف للحظات، ثم ألقاه أمامه، حدق في الشاشة غير مصدق. كيف حدث هذا؟ كيف استطاعت فتاة لم يعرفها سوى منذ يوم واحد أن تربك عقله إلى هذه الدرجة؟ مرر يده على وجهه بعنف، ثم تمتم بضيق: — إيه اللي بيحصلي ده؟ لم يعد الأمر متعلقًا بفريد، ولا بملف الحسابات، ولا حتى بسبب المكالمة التي اختلقها لنفسه. كان يريد أن يسمع صوت ليلى فقط. وكانت تلك الحقيقة هي أول ما أخافه. عند ليلى وضعت الهاتف تنظر لشاشته، وابتسامة تجلت بملامحها، حين تذكرت ماحدث بالامس، دخل فريد _فين تليفوني مدته اليه وقالت: _عمران بيه اتصل، قولت له هتكلمه _عمران بيه... تمتم بها مستغربًا، رفع الهاتف مرة واثنان وثلاثة، ولكن لايوجد رد. نظر الى ليلى _متأكدة انه هو اومأت وقالت: _ظهر اسمه على الشاشة في تروكولر هز رأسه وخرج، بينما عند عمران ظل بمكانه ينظر للهاتف بشرود، يشعر بالأختناق مما يحدث نهض من مكانه وتحرك لخارج المكتب، وغادر المكان كاملًا مضى اسبوعًا والوضع كما هو عادت ليلى بمفردها الى القاهرة، فلقد سافر فريد وتركها بالمنزل لرفض والدتها بسبب مرضها ألتقى بها عمران كثير بفريد، بعدما علم بامانته، عمل سويًا مع رؤساء قسم المحاسبة الامنيين سرًا على مناقصة، حين علم بخيانة ابن عمه له واختلاس بعض اموال الشركة اتى يوم المناقصة، وهو اليوم الذي حصلت فيه شركة الزيني عليه، اقام عمران حفل بتلك المناسبة، ودعا جميع من بالشركة طرق فريد الباب ودلف اليه _حضرتك طلبتني عمران بيه _اه.. مد يده ببعض الملفات، وقال _راجعي لي دول، معاك الوقت اللي انت عايزه... ومش عايز يعرف بحاجة _تحت امرك ياافندم استدار للمغادرة، اوقفه عمران _هتيجي الحفلة النهاردة. _أنا ماليش في الحفلات.. اسف حضرتك _كل اللي في الشركة معزومين، مش حلو انك متجيش، وممكن تجيب اختك معاك _قصدك مين ليلى اومأ وتصنع انشغاله بالأوراق _معرفش.. شكرا لحضرتك اشار له عمران بالخروج، خرج فريد بينما القى عمران قلمه _فيه ايه بقى، اتجننت ولا ايه في تلك اللحظة دلفت نيفين _فاضي ياعمران رفع عيناه اليها بصمت، ثم عاد لاوراقه، دلفت بخطواتها الانثوية، اتجهت تقف بجوار مقعده _بابا اتصل كتير بيسأل عليك وعلى طنط ثريا، ليه مابتردش عليه هو زعلان _مشغول _دا مجرد خمس دقايق، قطع حديثها ارتفاع رنين هاتفها، نظرت اليه وقالت بتصنع: _اهو، شوفت جبنا سيرته _ايوة يابابا _انا كويسة، تخيل مين معايا، عمران، هو عايز يكلمك نظر اليها بغضب، فوضعت الهاتف على اذنه استمع الى صوت والدها _ازيك يابن الغالي، كدا متسألش على عمك _ازي حضرتك ياعمي، اسف مشغول، حتى نيفين دخلت المكتب من غير اذن علشان ارد على حضرتك، حقيقي مش فاضي، بنتك معاك استاءت نيفين من رده وضع الهاتف في كفيها واشار اليها بالخروج _اطلعي برة مشغول بعد عدة ساعات بمنزل فريد _حفلة... معقول ترفض تروح حفلة قالتها وهي تضع امامه الطعام تناول الملعقة وقال _الحفلات دي بيكون فيها ناس مش عالمنا، غير مبحبش دوشة الناس المزيفة _علشان خاطري يافريد، نفسي احضر الحفلات دي نظر اليها للحظات وقال _هو انت هتروحي _الله مش قالك اروح عادي _ياليلى بلاش _لا بقى... عايزة اروح واشوف الناس دي عايشة ازاي ارتدت فستانًا أبيض بسيطًا، يزيّنه رباط أحمر رقيق يلتف حول خصرها، ليمنح إطلالتها لمسة ناعمة زادتها جمالًا. وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها للحظات، ثم رفعت يديها تعدّل وضعية حجابها بعناية، قبل أن تستمع إلى طرقات متتالية على باب الغرفة. — ليلى، اتأخرتي! لو مش هتيجي، أمشي. أجابته على عجل وهي تتجه نحو الباب: — خلاص... خلصت أهو. فتحت الباب وخرجت، وما إن وقعت عيناه عليها حتى أطلق صفيرًا إعجابًا، وقال وهو يبتسم: — إيه يا بت، الحلاوة دي كلها؟! ابتسمت بخجل، ثم نظرت إلى فستانها قبل أن ترفع عينيها إليه: — بجد يا فريد؟ شكلي حلو؟ ضحك بحنان، وقال وهو يطالعها بفخر: — إنتِ جميلة أصلًا يا لولة، يلا بقى علشان هنتأخر. تحركت بجواره، ثم سألته بفضول طفولي: — هو الحفلات دي زي اللي بنشوفها في التلفزيون؟ ابتسم فريد على سؤالها، ثم احتضن كفّيها بين يديه وتحرك بها نحو الخارج، قائلًا: — هتشوفي بنفسك... ويلا قبل ما نلاقي الحفلة خلصت قبل ما نوصل! بعد فترة، توقف سيارة الاجرة أمام الفيلا، ترجلت ليلى تنظر للفيلا بانبهار _دا قصر كبير اوي سحب كفيها ودخل بها _ليلى ماتتحركيش من جنبي، هنقعد عشر دقايق ونمشي، واياكي تتشغابي، كفاية اخر مرة، كل مااقابل الراجل اتكسف منه _بس بقى، بتفكرني ليه، انا كمان، موت من الكسوف، بس على فكرة هو برضو مغرور، ماينزل الأرض يااخويا، هيقصر شوية هز رأسه باابتسامة _انت مشكلة عانقت ذراع اخيها وهي تتجول بنظراتها على هيئة الموجودين _ايه الناس دي، كل الناس دي هتروح النار توقف فريد على كلماتها _وبعدين معاكي اشارت بعينها على النساء التي ترتدي ثيابًا قصيرة، وتكشف أكثر ماتستر _طب بذمتك دول هيروح الجنة ازاي، على كدا المفروض ندخل الجنة من غير حساب سحبها فريد بقوة حتى كادت أن تسقط على وجهها، وهمس اليها _عارفة لو مااسكتيش، مش هاخدك معايا أي مكان تاني هنا وقعت عيناها على عمران وهو يقف مع أحد رجال الأعمال _خلاص بقى، شوف الطويل أبو عضلات وراك التفت فريد ينظر للذي تتحدث عنه، ثم اعاد النظر إليها _ابو عضلات، والله أنا هترفض من الشغل دا بسببك _ليه إن شاء الله، على فكرة انت اذكى منه، هو بس اللي معاه شوية فلوس وصل اليهم احد العاملين بالشركة _فريد... عامل ايه أومأ له، وقال _الحمدلله.... نظر الرجل الى ليلى _دي خطيبتك _لا... ليلى اختي دار حوار بين الرجل وفريد، بينما تحركت ليلى تتجول بالحفل وقعت أعين عمران على تلك الصغيرة وهي تتحرك بين المدعوين، تحمل بيدها كوبًا من العصير، ظل يراقب تحركها الى أن اختفت جهة المسبح، وهو يتحدث مع رجال الأعمال وصلت ليلى للمسبح، ثم فجأة توقفت بجسد متجمد وهي ترى رجل يحمل ملك ويتحرك في الظلام من الباب الخلفي، شهقت وفجأة صرخت باسم عمران _عمران بيه... عمران بيه بالجهة الاخرى كانت الموسيقى هادئة، ولكن توقفت على كلمة عمران بالشكر لكل من ساهموا في نجاح شركته، تقف على الجانب والدته والجانب الاخر نيفين ابنة عمه، ولكن فجأة شق سكون الليل صراخ ليلى باسمه _عمران بيه التفت فريد، يبحث عن اخته بعدما استمع الى صوت اخته وفجأة استمعوا الى طلق ناري ركض فريد كالمجنون يبحث عنها جهة مصدر الصوت، بينما تجمد جسد الاخر، وعيناه تتنقل بين الموجودين يبحث عنها ولكن استمع الى صراخ فريد باسمها، مع تنادل طلق ناري بين الامن والذين حاولوا خطف ملك اتجه عمران سريعا الى ضرب النار وجد ليلى بين ذراع فريد، وهي تأن بأحضانه، واخته ملقية على الارض غائبة عن الوعي _ايه اللي بيحصل هنا بعد ساعات كانت تغفو فوق فراش المشفى، تأن بخفوت، وفريد يجلس بجوارها يحتضن كفيها بينما في فيلا الزيني كانت تجلس ملك بأحضان والدتها تبكي وهي تقص ماصار _انا دخلت الفيلا، جت بنت لابسة لبس الواتير اللي في الحفل _قالت لي فيه حد بيسأل عليكي عند البيسين، رحت اشوف مين، فجأة طلع اتنين رجالة لابس اليونيفورم الواتيرز برضو، حاولت اهرب او اصرخ حطوا حاجة على وشي وبعدها ماحستش بحاجة، هم عايزين مني ايه ياماما اقترب منها عمران وقبل رأسها _متخفيش حبيبتي، انا هتصرف نظر لوالدته وقال _الشرطة بتفرغ الكاميرات، واكيد هيقبضوا عليهم... هعدي عليهم واشوفهم وصلوا لإيه قالها وخرج، لحقته والدته _عمران رايح فين؟! _عايزة ايه ياماما _مين اللي عمل كدا، مين اللي حاول يخطف اختك، دا له علاقة بالشغل _اكيد ياماما، محدش كان يتوقع اننا هناخد المناقصة دي، بعد اللعب في ميزانيات الشركة قالها وتحرك، تحركت خلفه _انت رايح فين _رايح اشوف البنت اللي كانت هتموت بسببنا _تروح فين... ماتبعت حد من الشركة، انت ازاي تروح تحرك دون أن يرد عليها وقفت نيفين تراقب خروجه، ثم رفعت الهاتف _شهاب عمران هيتجنن، والشرطة بتفرغ كاميرات الفيلا كلها _اسكتي يانيفين، علشان هتجنن، كنا خلاص، لكن البت الغبية دي طلعت منين _معرفش... كل اللي عرفته، إنها اخت واحد شغال محاسب _حيوانة، افضى لها بس، المهم أي حاجة بلغيني بيها، واعرفي مين اللي عرف عمران باللي حصل _تمام... سمعته بيقول لطنط ثريا، رايح يشوف البنت دي _هي في مستشفى إيه.... بالمشفى عند ليلى فتحت عيناها بتأوه، نهض فريد واقترب منها _حاسة بايه حبيبتي لفت عيناها بالغرفة _أنا فين، ايه اللي حصل رفع كفيها وقبله _انت في المستشفى، حد ضربك بالنار بكت تضع كفيها على بطنها _ااااه.... هموت، انا مش عايزة اموت يافريد، انا لسة صغيرة ضحك فريد رغم خوفه عليها _ليلى خلاص، انت كويسة، مش هتموتي، الحمدلله الحمد لله الرصاصة جت بعيد الوظائف الحيوية _يعني ايه بقى، انا شوفت دم على ايدي جلس على طرف الفراش واحاط رأسها _لولة حبيبتي، الدكتور خرج الرصاصة _يعني مش هموت قبل جبينها _بعد الشر عليكي حبيبتي، مش هتموتي ياقلب اخوكي طرقات على باب الغرفة، دلفت الممرضة _نشوف مريضتنا _هشوف الدكتور حبيبتي وراجع لك اومأت له، فحصتها الممرضة، ثم قامت بتعليق محلول _هو ايه دا وليه _دا محلول، عادي متخفيش فيه ادوية ومغذيات... سلامتك ياجميل قالتها وخرجت بينما اغمضت ليلى عيناها بعد قليل، طرقات خفيفة على باب الغرفة، ثم دلف عمران بهدوء. اقترب من فراشها، فوجدها مغمضة العينين، غارقة في نومٍ متقطع.. توقف وعينيه تسبح على ملامحها، خصلاتها المتناثرة فوق الوسادة، وعيناها المغلقة، حتى شفتيها اللتين لا تكفّان عن الحديث، سكنتا أخيرًا. تعلقت عيناه بها للحظات، وشعر بشيء غريب يتحرك داخله... شعور لم يعتده، ولم يعرف له اسمًا. وقعت عيناه على كفها الموصل بالمحلول، وأصابعها التي تتحرك بين الحين والآخر بسبب الألم، فاقترب منها، وسحب وسادة صغيرة ووضعها أسفل ذراعها بحذر رفرفت أهدابها، وما إن شعرت بوجود أحد بجوارها حتى همست بنعاس: — فريد... بطني بتوجعني. تراجع عمران إلى المقعد، وجلس يراقبها بابتسامة صغيرة. انتظرت ردًا، وحين لم تسمعه، فتحت عينيها ببطء. حدقت فيه للحظات، ثم اتسعت عيناها بدهشة، وكأنها غير مصدقة أنه أمامها بالفعل. — عمران بيه؟! همست بها بخفوت ابتسم بهدوء وقال: — حمد الله على السلامة. ظلت تنظر إليه للحظات، ثم أخذت عيناها تدوران في أرجاء الغرفة تبحث عن أخيها. — فين فريد؟ — معرفش... جيت، محدش كان هنا. عادت تنظر إليه، ثم سألها ببساطة: — عاملة إيه؟ — كويسة الحمد لله. تأملها للحظات، قبل أن تقول هي فجأة: — لو جاي تسألني شوفتي اللي عمل كدا، هقولك لأ... الدنيا كانت ضلمة. هز رأسه مبتسمًا: — لا، مش جاي أسألك عن كدا. عقدت حاجبيها، ثم قالت بعفوية: — يبقى جاي تشكرني وتديني مكافأة؟ رفع حاجبه مستفهمًا: — مكافأة؟ ردت قائلة: — آه، بس أنا ماباخدش العِوَض... أنا بجمع حسنات علشان أدخل الجنة. ضحك عمران، ضحكة خرجت منه دون أن يشعر. فابتسمت هي الأخرى، وكأن ضحكته أسعدتها. ثم قالت وهي تحاول التخمين: — يبقى جاي تدخلني السجن؟ ضحك مرة أخرى، حتى لمعت الدموع في عينيه، وكأن تلك الفتاة الصغيرة استطاعت، للحظات، أن تنتشله من ثقل ما حدث. — تؤ... جاي أطمن عليكي. سكت قليلًا، ثم ثبت عينيه عليها وقال بصوت أكثر هدوءًا: — خفت عليكي أوي... حمد الله على سلامتك. رمشت بعينيها، وكأن كلماته فاجأتها. — بجد خفت عليا؟ قالتها دون أن تنتبه لما حملته كلماتها من براءة. ابتسم عمران: — بجد. ابتسمت هي الأخرى، ابتسامة خجولة لم تستطع إخفاءها، ثم حاولت الاعتدال في فراشها. لكن الألم باغتها، فخرج منها تأوه خافت. — آه... استني... قالها عمران وهو ينحني نحوها، ثم أسند جسدها برفق، يساعدها على الاعتدال دون أن يؤلمها. رفعت ليلى رأسها نحوه، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى شعرت بارتباك غريب. كان قريبًا منها إلى حد جعل دقات قلبها تتسارع دون أن تفهم السبب، ورائحته الهادئة أحاطت بها، بينما شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها.. هيبته الطاغية جعلت قلبها ينتفض داخل صدرها ابتلعت ريقها بخجل، وأخفضت عينيها سريعًا، ثم عادت تنظر إليه للحظات، وكأنها تحاول أن تفهم ما يحدث بداخلها. أما عمران، فلم يكن أكثر هدوءًا منها. وجودها بهذه المسافة القريبة أربكه على نحو لم يتوقعه. نظر إلى ملامحها البريئة، ثم إلى خصلاتها المتناثرة حول وجهها، أبعدها برفق عن جبينها. اغمضت عيناها، وتجمد جسدها، حتى فقدت النطق ولم تقو على ابتعاده، نظرت لعينيه مباشرة _من هذا الرجل الطاغي الذي طغى على المكان... ارتفعت انفاسها، ويده تلملم شعرها ثم قال — فيه حاجة بتوجعك؟ هزت رأسها نافية، ثم تمتمت بخجل وعيناها بأعينه: — لا... دلوقتي أحسن. ظل ينظر إليها لحظة، بينما راحت هي تعبث بأطراف الغطاء من شدة خجلها. لم تفهم ليلى لماذا صار وجوده قريبًا يربكها _ليلى...!! رفعت رأسها تنظر إليه.. فجأة.. انفتح باب الغرفة.