عمران وليلى سيلا وليد الثالث

باليوم التالي
كانت تهمهم بنومها، دلفت والدتها
_ليلى قومي يابنتي دا كله نوم، يعني اليوم اللي تيجيه هتنامي فيه
لكنها لم ترد، اقتربت منها والدتها، استمعت الى همسها، وضعت كفيها على جبينها حين لمحت ارتعاش جسدها
_ليلى… يالهوي انتي مولعة نار
ركضت للخارج، ومنه الى غرفة فريد
_الحق اختك يافريد، جسمها مولع نار
اعتدل من فوق الفراش
_كنت عارف، مش قولت لك امبارح لما جينا ياماما، انها لعبت تحت المطر
جاء المساء، وهي مازالت بين النوم واليقظة، دلفت اليها والدتها تحمل مشروبًا دافي، ثم جلست بجوارها
_عملت لك ليمون بجنزبيل حلو، اشربيها
وحطيت رشة قرفة وقرنقل علشان صدرك
طرق فريد الباب ودلف
_جبت لك من الصيدلية مجموعة للبرد، خديها علشان ماطوليش في الرقدة
بدأ سعالها يرتفع، نهضت امها وهي تقول
_هشوف الرز ليتحرق، خليك جنبها يافريد
جلس بجوارها، وضعت رأسها على كتفها
_راسي هتنفجر
_ألف سلامة عليكي حبيبتي
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف فريد، رفعه. اجاب
_فريد عامل ايه
_مستر مدحت
_اه.. ابعتلي صورة الملف من على جهازك قبل ماتصلحه
_بس جهازي في القاهرة مش معايا.
ارتفع سعال ليلى حتى وصل الى مدحت
_انت تعبان
_لا لا… دي ليلى اخدت برد
_ألف سلامة… المهم اول ماتنزل القاهرة تبعته، حتى لو الفجر
حمحم فريد معتذرا
_بس انا مش جاي بكرة  ولا بعده، بلغت بكدا، ليلى تعبانة
_فريد عايز النسخة الاصلية، اتصرف، ايه شغل العيال دا
تمتم بها مدحت واغلق الهاتف
رفع عيناه لعمران الجالس بصمت
_هو في البلد، ومش هيجي غير بعد يومين اخته تعبانة
_نعم يااخويا، احنا هنهزر ولا ايه، يتصرف بكرة الصبح يكون في الشركة
_انا قولت لك دا مش بتاع شغل، انت مش شايفه جايب اخته الشغل
_بالعكس ياعمران بيه، فريد، شخص كفء، وعمره ماقصر في شغله، وامين، هو بقاله سنة والشاب كويس

أشار إليه بالخروج، فتحرك الرجل نحو الباب، لكنه ما إن بلغ عتبته حتى أوقفه عمران بصوته:
— ابعت لي رقمه.
التفت إليه الرجل سريعًا، ثم أومأ باحترام.
— مالك بتبص كده ليه؟
تردد قليلًا قبل أن يجيب:
— أصل… أول مرة حضرتك تطلب رقم موظف.
رفع عمران عينيه إليه ببرود، ثم قال:
— مش إنت لسه بتشكر فيه؟ أنا هكلمه وأخليه يتصرف.
— تحت أمرك يا بيه.
خرج مدحت، وعاد عمران إلى مقعده، لكن عقله لم يعد مع ملفات الشركة.
مرت دقائق وهو يحدق في شاشة هاتفه، يتأمل الرقم الذي أمامه وكأنه يحاول إقناع نفسه بسبب واحد منطقي لطلبه.
هل فعلًا يريد التواصل معه بسبب ملف الحسابات؟
أم أن الأمر لم يكن سوى حجة ليعرف شيئًا عن تلك الشقية التي نجحت، منذ الأمس فقط، في احتلال جزء من تفكيره؟
زفر ببطء، ثم ابتسم بسخرية من نفسه.
حتى ملابسه أثارت دهشته… فقد أمضى يومين كاملين بالبدلة ذاتها، وهو الذي اعتاد أن يبدل ملابسه أكثر من مرة في اليوم.
رفع الهاتف دون وعي، وضغط على الرقم.
اتصل بفريد.
في منزل ليلى، كانت وفاء تجلس بجوار ابنتها، تطعمها ملعقة تلو الأخرى من شوربة دافئة.
— دي هتشيل البلغم، وتبطلي الكحة شوية.
ارتفع رنين الهاتف.
نظرت وفاء إلى الشاشة، ثم نادت:
— يا فريد، تليفونك بيرن.
لكن فريد لم يكن موجودًا.
مدت ليلى يدها بتعب، وسحبت الهاتف من جوار والدتها، وما إن أضاءت الشاشة حتى اتسعت عيناها حين ظهر اسم المتصل:
عمران.
دون أن تفكر، ضغطت زر الإجابة.
خرج صوتها مبحوحًا، ضعيفًا، مثقلًا بالبرد والإرهاق:
— ألو…
على الجانب الآخر، تجمد عمران في مكانه.
رجفة خفية سرت في جسده لحظة سماع صوتها.
لم تكن نبرتها كما سمعها بالأمس؛ كانت مبحوحة، مرهقة، تحمل أثر المرض… ومع ذلك، تسللت إلى أعماقه بطريقة أربكته هو نفسه.
أغمض عينيه، وهمس دون وعي:
— ليلى…
صمتت لحظة، وكأنها تأكدت من هوية المتصل.
— أيوة؟
نهضت وفاء من مكانها، وقالت بقلق:
— مين يا ليلى؟ هشوف فريد، ليكون عند عمك.
نظرت إليها ليلى، ثم قالت بهدوء:
— فريد مش هنا.
سألها عمران بصوت خافت:
— إنتِ عارفة مين بيتكلم؟
أجابته دون تردد:
— عمران بيه.
أغمض عينيه أكثر.
مجرد سماعها تنطق اسمه بهذا الصوت الضعيف، جعل شيئًا غريبًا ينقبض داخله.
تابعت ليلى:
— عمران بيه، فريد مش هنا… لما ييجي هخليه يكلمك.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
كان يستطيع أن يغلق الهاتف وينتهي الأمر، لكنه لم يفعل.
كان يستمع فقط إلى أنفاسها الهادئة
وأخيرًا قال:
— ألف سلامة عليكي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم تعبها.
— الله يسلمك.
انتهت المكالمة.
ظل عمران ممسكًا بالهاتف للحظات، ثم ألقاه أمامه، حدق في الشاشة غير مصدق.
كيف حدث هذا؟
كيف استطاعت فتاة لم يعرفها سوى منذ يوم واحد أن تربك عقله إلى هذه الدرجة؟
مرر يده على وجهه بعنف، ثم تمتم بضيق:
— إيه اللي بيحصلي ده؟
لم يعد الأمر متعلقًا بفريد، ولا بملف الحسابات، ولا حتى بسبب المكالمة التي اختلقها لنفسه.
كان يريد أن يسمع صوت ليلى فقط.
وكانت تلك الحقيقة هي أول ما أخافه.
عند ليلى
وضعت الهاتف تنظر لشاشته، وابتسامة تجلت بملامحها، حين تذكرت ماحدث بالامس، دخل فريد
_فين تليفوني
مدته اليه وقالت:
_عمران بيه اتصل، قولت له هتكلمه
_عمران بيه… تمتم بها مستغربًا، رفع الهاتف مرة واثنان وثلاثة، ولكن لايوجد رد.
نظر الى ليلى
_متأكدة انه هو
اومأت وقالت:
_ظهر اسمه على الشاشة في تروكولر
هز رأسه وخرج، بينما عند عمران ظل بمكانه ينظر للهاتف بشرود، يشعر بالأختناق
مما يحدث
نهض من مكانه وتحرك لخارج المكتب، وغادر المكان كاملًا
مضى اسبوعًا والوضع كما هو
عادت ليلى بمفردها الى القاهرة، فلقد سافر فريد وتركها بالمنزل لرفض والدتها بسبب مرضها
ألتقى بها عمران كثير بفريد، بعدما علم بامانته، عمل سويًا مع رؤساء قسم المحاسبة الامنيين سرًا على مناقصة، حين علم بخيانة ابن عمه له واختلاس بعض اموال الشركة
اتى يوم المناقصة، وهو اليوم الذي حصلت فيه شركة الزيني عليه، اقام عمران حفل بتلك المناسبة، ودعا جميع من بالشركة
طرق فريد الباب ودلف اليه
_حضرتك طلبتني عمران بيه
_اه.. مد يده ببعض الملفات، وقال
_راجعي لي دول، معاك الوقت اللي انت عايزه… ومش عايز يعرف بحاجة
_تحت امرك ياافندم
استدار للمغادرة، اوقفه عمران
_هتيجي الحفلة النهاردة.
_أنا ماليش في الحفلات.. اسف حضرتك
_كل اللي في الشركة معزومين، مش حلو انك متجيش، وممكن تجيب اختك معاك
_قصدك مين ليلى
اومأ وتصنع انشغاله بالأوراق
_معرفش.. شكرا لحضرتك
اشار له عمران بالخروج، خرج فريد بينما القى عمران قلمه
_فيه ايه بقى، اتجننت ولا ايه
في تلك اللحظة دلفت نيفين
_فاضي ياعمران
رفع عيناه اليها بصمت، ثم عاد لاوراقه، دلفت بخطواتها الانثوية، اتجهت تقف بجوار مقعده
_بابا اتصل كتير بيسأل عليك وعلى طنط ثريا، ليه مابتردش عليه هو زعلان
_مشغول
_دا مجرد خمس دقايق، قطع حديثها ارتفاع رنين هاتفها، نظرت اليه وقالت بتصنع:
_اهو، شوفت جبنا سيرته
_ايوة يابابا
_انا كويسة، تخيل مين معايا، عمران، هو عايز يكلمك
نظر اليها بغضب، فوضعت الهاتف على اذنه
استمع الى صوت والدها
_ازيك يابن الغالي، كدا متسألش على عمك
_ازي حضرتك ياعمي، اسف مشغول، حتى نيفين دخلت المكتب من غير اذن علشان ارد على حضرتك، حقيقي مش فاضي، بنتك معاك
استاءت نيفين من رده
وضع الهاتف في كفيها واشار اليها بالخروج
_اطلعي برة مشغول

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *