استيقظت في اليوم التالي على صوت تساقط أشعة الشمس الذهبية على أرضية التراس. لم يكن هناك من يوقظني ليعاتبني على تأخير الفطور، ولا من يطالبني بتنظيف البيت أو بمراجعة ميزانية الشح والحرص. لأول مرة منذ سنوات، شربت قهوتي وهي ساخنة تماماً، وأنا أنظر إلى الأفق الممتد للأنعكاس الأزرق. قبل أن أنزل إلى الشاطئ، اتصلت بالمحامي الخاص بي، الأستاذ سامح. حكيت له تفاصيل الليلة الماضية، بداية من المحضر الكاذب الذي حررته ثريا، وصولاً إلى تحريات المباحث والتقرير الطبي الخاص بحسام. “يا أستاذة شهد، ده بلاغ كاذب مكتمل الأركان، وتهمة تضليل للعدالة، ناهيكِ عن التشهير بكِ،” قال الأستاذ سامح بنبرة حازمة عبر الهاتف. “التقرير الطبي وتفريغ الكاميرات يثبتان نيتها المبيتة للإضرار بكِ. أنا هتحرك فوراً لنيابة قصر العيني وهقدم طلب رد شرف ومطالبة بتعويض مدني مؤقت.” رددت ببرود: “اعمل كل الإجراءات القانونية يا أستاذ سامح، مش هتنازل عن حرف واحد. اللي افتكروا إن الطلاق هيخليني مكسورة وجاهزة للافتراس، لازم يفهموا إن الصفحة اتطوت بالكامل.” أغلقت الهاتف ونزلت إلى الشاطئ. قضيت اليوم بأكمله بين السباحة والاسترخاء، مفصولة تماماً عن أي طاقة سلبية. لكن الدراما التي ظننت أنها انتهت بحظر أرقامهم، كانت تتهيأ لجولة جديدة أكثر بؤساً. في حدود الساعة الخامسة مساءً، وأنا أستمتع بمشروبي أمام البحر، جاءني موظف الاستقبال باحتراس شديد وهو يحمل هاتف الفندق الداخلي. “أستاذة شهد، آسف جداً للإزعاج، بس في واحدة موجودة في الـ Lobby تحت ومصممة تقابلك، وبتقول إنها أخت الأستاذ حسام، وحالتها منهارة تماماً.” رفعت نظارتي الشمسية ونظرت إليه بتعجب. “مروة؟” “هي ما قالتش اسمها، بس بتقول إن الموضوع يخص حالة طارئة جداً ومستعدة تنتظر حضرتك في اللوبي لحد ما تخلصي.” تنهدت بعمق. مروة هي الشقيقة الصغرى لحسام، وكانت الوحيدة في تلك العائلة التي تحاول أحياناً إظهار العطف، لكنها كانت دائماً أضعف من أن تقف في وجه أمها ثريا أو تحمي أحداً من جبروتها. “خليها تنتظر في اللوبي، أنا نازلة.” بدلت ملابسي ونزلت إلى البهو الرئيسي. كانت مروة تجلس في زاوية بعيدة، تنظر حولها بتوتر، وعيناها محمرتان من الكتمان والبكاء. بمجرد أن رأتني، قفزت من مكانها وجاءت ركضاً وهي تمسك بيدي: “شهد! أرجوكِ اسمعيني.. أنا جيت بالستاف من القاهرة أول ما عرفت إن ماما عملت البلاغ ده!” سحبت يدي بهدوء وجلست على المقعد المترد، وأشرت لها بالجلوس: “اتفضلي يا مروة، خير؟ جاية تكملي اللي بدأتها أمك؟” “والله العظيم ما كنت أعرف حاجة!” بدأت مروة تتحدث بسرعة وهي تبكي. “ماما اتجننت يا شهد! لما حسام وقع بالليل ونقلناه المستشفى والدكاترة قالوا إنه أخد جرعة زائدة من منشطات ومواد مغشوشة، هي ما استحملتش الفضيحة.. كانت مرعوبة أسرته وأقرباؤه يعرفوا إنه كان بيكذب بشأن موضوع الجواز والفرح، وإنه أذى نفسه بالسرعة دي بعد طلاقكم! فكرت إنها لما تتهِمك إنتي، هتكسب حاجتين: تداري على فضيحة ابنها، وتضغط عليكِ ترجعي عشان تخدميه وتتنازلي عن مؤخر الصداق والشرط الجزائي اللي في قبالة !” ابتسمت بسخرية: “تخطيط عبقري.. بس للأسف غبي. والنتيجة إيه دلوقتي؟” مروة غطت وجهها بيديها: “النيابة استدعت ماما النهاردة الصبح بناءً على التقرير الطبي وتفريغ الكاميرات! المحامي بتاعك قدم البلاغ الكاذب، والنيابة وجهت لها التزوير والتضليل وإزعاج السلطات! هي دلوقتي محجوزة في القسم وبيحققوا معاها، وأنا مش عارفة أعمل إيه! حسام في العناية بين الحياة ، وماما محجوزة في النيابة!” نظرت إليها بثبات دون أن تتزحزح شعرة واحدة في قلبي. “والمطلوب مني إيه يا مروة؟ أروح أتنازل عن البلاغ وأقول معلش سامحوها عشان هي كانت خايفة على سمعة ابنها؟” مروة بكت بنحيب: “أنا عارفة إنهم ظلموكِ، وعارفة إن حسام جرحك وقالك كلام يوجع وهو طالع من عند المأذون.. بس عشان خاطري يا شهد، ماما ست كبيرة ومش هتحمل الحبس! حسام هو اللي عمل في نفسه كده، وماما اتصرفت بطيش وزعر.. أرجوكِ اتنازلي عن القضية وضمانات التعويض، وإحنا موعدينك مش هتشوفي وش حد فينا تاني أبداً!” قمت من مقعدي، وعدلت ساعتي، ونظرت إليها مباشرة في عينيها. “يا مروة.. لما كنت بعيش في حرمان وبوفر القرش الأبيض لليوم الأسود، كنت فاكرة إن اليوم الأسود ده هو الفقر أو المرض. بس اكتشفت إن اليوم الأسود الحقيقي كان كل يوم قضيته في بيتكم وأنا بتنازل عن كرامتي وبجامل على حساب نفسي.” اقتربت منها خطوة وأضفت بصوت قاطع كالحديد: “أمك لما فكرت تلبسني ، ما فكرتش إن دي كانت ممكن توديني السجن المؤبد وتدمر مستقبلي وحياتي للأبد. هي ما رحمتنيش، ولا فكرت في عشرة ولا في دين. ودلوقتي جاية تطلبي مني أنا الرحمة؟” “شهد.. أرجوكِ!” “البلاغ مش هيتنازل عنه يا مروة، والقانون ياخد مجراه. حسام ربنا يشفيه أو يتحمل نتيجة طيشه وكذبه، وأمك تتحمل نتيجة افتراؤها وبجاحتها. وأنا.. هكمل إجازتي.” تركتها واقفة في صدمتها، ودرت ظهري ومشيت بخطوات واثقة ونحو المصعد. لم ألتفت خلفي ولو لمرة واحدة. صعدت إلى جناحي، أغلقت الباب، ووقفت أمام المرآة. رأيت امرأة جديدة تماماً.. امرأة لا تبكي، لا تتنازل، ولا تسمح لأحد بأن يستغل طيبتها مجدداً. فتحت كتاباً كنت قد اشتريته منذ أسبوع ولم أجد وقتاً لقراءته، وجلست في التراس أقرأ في هدوء وصوت البحر يغطي على كل آلام الماضي، منتظرة ما سيسفر عنه غدٌ أملكه أنا وحدي. مرت ثلاثة أيام وأنا في الغردقة، كانت بمثابة النقاهة الحقيقية لعقلي وروحي. كتمت كل أصوات الماضي، ولم أعد أتابع أخبارهم إلا من خلال اتصالات قصيرة ومقتضبة مع الأستاذ سامح لمتابعة الموقف القانوني. في صباح اليوم الرابع، وأنا أجلس في مقهى هادئ على المارينا، رن هاتفي. كان المتصل هو الأستاذ سامح. “صباح الخير يا أستاذة شهد،” جاء صوته يحمل تحولات جديدة. “في تطورات مهمة جداً في القاهرة لازم تبقي على علم بيها.” أخذت رشفة من عصيري وقلت بهدوء: “أهلاً يا أستاذ سامح. خير؟ النيابة عملت إيه مع مدام ثريا؟” “النيابة أفرجت عن مدام ثريا بكفالة مالية على ذمة قضية البلاغ الكاذب العمدي، لكن الإجراءات شغالين فيها وميعاد الجلسة اتحدد. بس الجديد مش هنا.. الجديد يخص حسام نفسه.” عدلت جلستي وقلت: “ماله؟ فاق من العناية؟” “أيوة، فاق إمبارح بالليل، وتدهور حالته استقر، لكن الأطباء بلغوا النيابة إنه يقدر يتكلم. والنيابة فتحت محضر تحقيق معاه هو شخصياً بشأن العقاقير المجهولة ومصدرها، ولما استجوبوه عن ادعاءات أمه، حسام اعترف بالحقيقة كاملة.” سكت الأستاذ سامح لثوانٍ وكأنه يجهز مفاجأة، ثم أكمل: “حسام أنكر تماماً إنك ليكِ أي علاقة باللي حصّله، واكتشفوا من تفريغ تلفونه رسائل بينه وبين المورد اللي اشترى منه المواد دي. بس يا أستاذة شهد إن النيابة وجهت لحسام جديدة كلياً بكتيب رسمي!” عقدت حاجبي باستغراب: “تهمة إيه؟” “تضليل المحكمة ومحاولة التستر على شبكة توزيع مواد محظورة! اتضح إن الشلة اللي كان قاعد معاها بالليل دول مش مجرد أصحاب، دول شبكة مشبوهة وهو كان متورط معاهم في معاملات مالية كبيرة جداً، وكان بيدين ليهم بمبالغ ضخمة! والقصة بتاعة ‘الفرح بكرة’ ما كانتش مجرد كذبة عشان يضايقك بس.. ده كان بيهم أمه والمحيطين بيه إنه بيتجوز واحدة ميسورة الحال عشان يداري على الديون والشيكات اللي كتبها على نفسه ولما الخطة فشلت والديانة ضغطوا عليه بالليل، شرب المواد دي بغزارة في محاولة للهروب أو إنهاء حياته!” اتسعت عينيّ بذهول، وحاولت استيعاب حجم الخديعة التي كنت أعيش فيها. تابع المحامي: “يعني بالعربي كده يا أستاذة شهد، حسام ما كانش بيكذب عليكِ بس وقت الطلاق عشان يضايقك.. حسام كان غرقان في ديون وقضايا شيكات بدون رصيد، وكان بياخد من فلوسك اللي بتوفريها وميزانية البيت عشان يسدد لشبكات النصب دي! وحالياً هو تحت الحراسة المشددة في المستشفى، ومطلوب للتحقيق في ثلاث قضايا شيكات بمبالغ خيالية!” وضعت الكوب من يدي على الطاولة، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. الرجل الذي كنت أحرم نفسي من أجله، وأعيش في تقشف وأمنع نفسي من أبسط ملذات الحياة تحت شعار “عقدة القرش الأبيض لليوم الأسود”، كان يأخذ شقائي ليغطي به على مستنقع من الديون والنزوات والأعمال المشبوهة! “أستاذ سامح،” قلتها بصوت قاطع وثابت كالحديد، “الشقة اللي تقسمت بيننا ورسيت عليا بحسب الاتفاق والورق اللي مضيناه عند المأذون.. موقفها إيه دلوقتي؟” “أوراق الطلاق وتقسيم الممتلكات مسجلة وموثقة قبل أي بلاغات وقبل التحفظ على أملاكه، حقك الخالص بنسبة 100% ومحدش يقدر يلمس منها طوبة. وده اللي مخلّي أمه بغيظها؛ لأنها كانت فاكرة إنها لما تضغط عليكِ بالبلاغ الكاذب، هتنازلي عن الشقة وتبيعها عشان تسدد ديون ابنها قبل ما !” ضحكت بسخرية مريرة: “عشان كده كانت بتقولي ‘تعالي اجري إلحقيه وكوني ممرضة الباشا’! كانوا عايزين يلبسوني التهمة أو يبتزوني عشان أنقذهم من والديون!” “بالظبط كده يا أستاذة شهد. ودلوقتي الأستاذة مروة ومحامي مدام ثريا بيترجوني عشان نعمل جلسة صلح، ومستعدين يدفعوا تعويض مالي مقابل إنك تتنازلي عن قضية البلاغ الكاذب والتشهير ضد أمه، لأن الحكم فيها وجوبياً.” وقفت على قدمي ونظرت إلى البحر الممتد أمامي. “قولهم إن شهد بتاعة زمان يوم ما الخاتم اترمى وقسيمة اتمضت. مفيش تنازل، ومفيش صلح، والقانون هياخد مجراه للآخر.” أغلقت الهاتف وأنا أنفس عن حنق سنوات طويلة. أخرجت من حقيبتي النظارة الشمسية وارتديتها، وقررت أن أقطع إجازتي في الغردقة لأمر واحد فقط: العودة إلى القاهرة، ليس لخوف أو مواجهة ضعيفة، بل لأقف أمام باب النيابة وأشاهد سقوط القنبلة التي حاولا زراعتها في طريقي، ولأضع الحد النهائي لهذه المأساة التي كادت أن تبتلع حياتي.