سر مريم حكايات زهرة الربيع الثالث
بعد ما خلصنا الإجراءات وخرجنا من القسم، كانت الساعة عدت الضهر، والشمس كانت حامية بس الهوا كان فيه نسمة غريبة، نسمة حرية. طارق كان لسه وشه عليه علامات التعب، بس كان فيه نور في عينه ما شوفتوش من قبل الجواز. وقفنا قدام باب القسم، الشارع كان زحمة وعربيات كتير ماشية، والناس كانت بتجري ورا أكل عيشها، كأن الدنيا مفيهاش وجع، كأن الساعات اللي فاتت دي كانت كابوس وخلص.
طارق بص لمريم اللي كانت ساندة راسها على كتفي، وقال بصوت واطي ومبحوح: “عارف إني ماليش عين أطلب منكم حاجة، بس.. ممكن نعدي على البيت؟ هدومي، حاجتي، ومكان ما كنتم عايشين.. عايز أقفل الصفحة دي بجد”.
مريم رفعت راسها وبصتله، نظرة الطفلة اللي شافت وش الشر اتحولت لنظرة تانية، نظرة فيها حنين ومسامحة، وقالت: “يا بابا، البيت ده خلاص مابقاش أمان.. لو عايز تقفل الصفحة، اقفلها من هنا، من الشارع ده، ومن غير ما نرجع لورا”.
بصيت لمريم وابتسمت ابتسامة خفيفة، حسيت إنها كبرت عشر سنين في ليلة واحدة. مسكت إيد طارق، ولأول مرة من سبع سنين، مكنش فيه مسافة بينا. قلت له: “مريم عندها حق يا طارق. إحنا مش محتاجين نلم بقايا وجع، إحنا محتاجين نبني أساس جديد. البيت اللي كان فيه خوفنا، خليه يروح لحاله، المهم إحنا خرجنا منه سليمين”.
طارق وقف لحظة، بصلنا إحنا الاتنين، ودمعة يتيمة نزلت على خده، مسحها بطرف إصبعه وقال: “عندكم حق.. الماضي سجن، وأنا مش عايز أرجع السجن ده تاني”.
مشينا في الشارع، قررنا نروح مكان بعيد عن الزحمة، مكان نقعد فيه ونرتب أفكارنا. قعدنا في كافيتريا هادية على النيل، النيل كان بيجري قدامنا، صامت وحكيم، زي ما بيشهد على قصص كتير زيه زي قصتنا. طلبنا قهوة، وقعدنا ساكتين فترة طويلة، السكوت مكنش فيه توتر، كان فيه راحة.
مريم قطعت الصمت وقالت: “ماما، بابا.. أنا مش عايزة أرجع المدرسة دي تاني. مش عايزة أشوف أي حد له علاقة بالناس دي”.
طارق مسك إيدها وباسها: “من بكرة، كل حاجة هتتغير يا مريم. مدرسة جديدة، حياة جديدة، وهعوضك عن كل دقيقة خوف عشتيها بسببي”.
بصيت لطارق، وشفت فيه الراجل اللي حبيته زمان، بس الفرق إنه دلوقتي بقى أنضج، بقى أقوى بوجعه وبخوفه. الحياة اللي قدامنا مش سهلة، والمحاكم لسه مستنيانا، والتحقيقات لسه هتاخد وقت، بس إحنا المرة دي مش هنواجهها واحنا متفرقين.
الساعة بقت تلاتة العصر، الشمس بدأت تميل للغروب، والنيل انعكس عليه ضوء الدهب. طارق قام وقف، وبص لي وقال: “جاهزين؟”.
قمت وقفت أنا ومريم، مسكنا في إيد بعض، وبصيت للأفق قدامنا. الحياة اللي كنا فاكرينها انتهت بطلاقنا، طلعت مجرد بداية لقصة تانية خالص، قصة عنوانها مش “أنا” ولا “أنت”، عنوانها “إحنا”.
خدنا أول خطوة في طريقنا الجديد، ومشينا في الشوارع اللي بدأت تزيد فيها زحمة الناس، بس المرة دي، كنا بنمشي بخطوات تقيلة وواثقة، مش خايفين من ضلنا، ولا خايفين من اللي جاي. لأن الحقيقة مهما طال الليل، بتطلع وتغسل كل اللي فات، وإحنا دلوقتي، جاهزين نبدأ من أول وجديد.
……..
قعدنا على كورنيش النيل لحد ما الشمس غابت تماماً، وبدأ نور كشافات المراكب ينعكس على الميه، وكأن النيل بيغسل كل ذكريات الرعب اللي عشناها. طارق سحب تنهيدة طويلة، وكأنه كان حابس نفسه من سنين، وبص لمريم اللي كانت بتلعب بصوابعها في كيس شيبسي، ملامحها بدأت تهدأ، ووشها اللي كان مخطوف بدأ يرجعله لونه الطبيعي.
طارق كسر السكوت بنبرة فيها عزم: “عارف إن الكلام سهل، بس أنا واخد عهد على نفسي، إن اللي جاي كله هيكون ليكم.. أنا بدأت مشروع صغير في محافظة تانية، بعيد عن الناس دي، وعايزكم تكونوا جنبي.. أنا مش هجبركم، بس ده طريقي للنجاة”.
بصيت لمريم، كانت باصة للنيل وكأنها بتفكر في مستقبله، فجأة التفتت له وقالت بصوت هادي وموزون: “يا بابا، أنا مش خايفة من المكان، أنا خايفة من الخوف نفسه.. لو هنبدأ، نبدأ بشرط، نكون صريحين في كل حاجة، حتى لو الحقيقة توجع”.
طارق ابتسم ابتسامة باهتة لكنها صادقة: “ده أضعف الإيمان يا مريم، الصراحة هي اللي نجتنا النهاردة، وهي اللي هتكون أساسنا بكره”.
أخدت نفس عميق وقلت: “إحنا قدامنا معركة قانونية طويلة، وفي ناس تانية لسه ورا القضبان، بس إحنا المرة دي معانا ‘الحقيقة’، ودي أقوى سلاح في إيدنا. مش هنستخبى تاني، ولا هنعيش في رعب”.
قضينا الليلة دي في فندق صغير بعيد عن منطقة بيتنا، مكان محدش يعرفنا فيه. دخلت الأوضة، ونمت لأول مرة من شهور من غير ما أسمع صوت فرك الهدوم في الحمام، ومن غير ما أصحى مذعورة على أي حركة. مريم كانت نايمة جنبي، نفسها منتظم، وكأنها كانت مستنية اللحظة اللي تخلص فيها من عبء العالم اللي شالته فوق كتفها.
على الفجر، سمعت صوت طارق في البلكونة بيصلي، صوته كان فيه خشوع ووجع، دعا ربنا كتير، دعا لنا وليها. قمت وقفت جنبه، بص لي بابتسامة وهدوء غريب، مسكت إيده ووقفت معاه في صمت. كان الفجر طالع، والسما بدأت تتلون بالبرتقالي، إشارة ليوم جديد، بداية تانية مش بس لطارق، لينا كلنا.
نزلنا الشارع الصبح، اشترينا فطار، وقعدنا في البلكونة اللي كنا مأجرينها، بنشوف الناس وهي بتبدأ يومها. مريم خرجت لنا وهي مبتسمة، لأول مرة أشوف ابتسامتها الحقيقية من غير “تمثيل” أو “خوف”.
بصيت لطارق، وشفت فيه الراجل اللي بدأت حياتي معاه، بس المرة دي بدون قناع، وبدون أسرار. مسكت إيد مريم وإيد طارق في وقت واحد، وقلت: “القصة دي خلصت بكل وجعها، والقصة اللي جاية إحنا اللي هنكتبها.. مش بخوف، ولا بهروب.. هنكتبها بحب، وبصراحة، وبحقيقة.. إحنا التلاتة”.
طارق هز رأسه بالموافقة، ومريم ضحكت، ضحكة خلت قلبي يرقص في صدري. مهما كان اللي جاي، ومهما كانت التحديات، إحنا المرة دي، هنواجهها مع بعض، لأننا عرفنا إن “العيلة” مش بس دم، دي مواقف، ووعود، وصبر على الأيام الصعبة.. والنهارده، إحنا بدأنا نعيش حياتنا بجد.
………
عدت الشهور كأنها سنين، بس كانت سنين من نوع تاني.. سنين استشفاء. طارق فعلاً بدأ مشروعه في مدينة ساحلية هادية، مكان بعيد عن ضجيج القاهرة وبعيد عن ذكريات الماضي اللي كان بيطاردنا. مريم رجعت مدرستها وبقت متفوقة، رجعت ضحكتها اللي كنت فاكراها ضاعت للأبد، وبقت تروح تمارين السباحة وتخرج مع صحابها من غير ما تتلفت وراها بخوف.
أنا كمان لقيت نفسي؛ رجعت اهتم بحياتي، بكتبي، وببنت كبرت قدامي وبقت بتشيل معايا المسؤولية. طارق؟ طارق بقى إنسان تاني، إنسان بيقدر معنى “البيت” وبيخاف على كل ركن فيه، مش بيخاف من الناس اللي بتهدد البيت. بقينا بنقعد كل يوم جمعة، بنشرب القهوة في البلكونة اللي بتطل على البحر، وبنتكلم عن كل حاجة، من غير “أسرار”، من غير “خبايا”، ومن غير خوف من رنة الموبايل.
يوم الجمعة اللي فات، كنا قاعدين بنشوف صور قديمة لينا، صور مريم وهي صغيرة قبل الطلاق، وصورنا في أيامنا الأولى. طارق مسك إيدي وبص في عيني، نظرة كانت مليانة اعتذار وامتنان في نفس الوقت، وقال: “عارفة يا سارة؟ لو رجع بيا الزمن، كنت هعمل نفس الحاجات اللي عملتها عشان أحميكم، بس كنت هعملها بطريقة تانية.. كنت هثق فيكي أكتر، كنت هعرف إنك شريكة مش بس زوجة”.
رديت عليه بابتسامة هادية: “الماضي علّمنا إن الخوف مبيحمش حد يا طارق، الصراحة هي اللي بتحمي. إحنا النهاردة مش بس رجعنا لبعض، إحنا اتولدنا من جديد”.
مريم قاطعت كلامنا وهي بتضحك: “يا جماعة، بدل ذكريات الماضي، مش يلا بينا ننزل نتمشى؟ الجو النهاردة روعة!”.
طارق قام وقف، شدني وشده، وخرجنا للشارع اللي ماليته نسمة الهوا النضيفة. مشينا على الكورنيش، كانت مريم بتجري قدامنا، طاقة وحيوية ماكنتش بحلم أشوفها تاني. في اللحظة دي، وقفت اتفرج عليهم هما الاتنين، طارق وهو بيضحك لمريم، ومريم وهي بتنادي عليه، حسيت إن ربنا عوضنا عن كل لحظة ألم، عن كل دمعة نزلت، وعن كل خوف سكن قلوبنا.
القصة اللي بدأت بخوف وانتهت بحقيقة، هي دي قصتنا. مش قصة حب مثالية، ولا قصة خالية من العيوب، دي قصة “حقيقية”. حقيقة إننا نقدر نقع، ونقدر ننهزم، ونقدر ننكسر، بس الأهم.. إننا نقدر نقوم، ونبني من حطامنا حياة أجمل.
النهاردة، وأنا قاعدة بكتبلكم الحكاية دي، مش عايزة أقول إن كل حاجة وردي، لا.. الحياة لسه فيها تحديات، والماضي لسه بيسيب أثر، بس الفرق إننا المرة دي مش لوحدنا. إحنا التلاتة، بقلب واحد، وبخوف أقل، وبأمل أكبر.. مكملين.
تمت