بنت صغيرة

وماردتش على طول.
وبعدين قالت بصوت خافت
قالتلي أستناها هنا.
حاجة وحشة اتحركت جوا صدري.
سألتها
من إمتى؟
قالت
قبل ما الشمس تطلع.
بصيت في ساعتي.
كانت الساعة 453 العصر.
يعني البنت دي كانت قاعدة لوحدها هنا بالساعات…
من الصبح.
في البرد.
ومن غير أكل.
وفجأة…
بطن ملك قرقرت بصوت واضح.
البنت اتكسفت جدًا، وحاولت تخبي بطنها بالدبدوب اللي في حضنها.
ليلى مسكت في كم قميصي وقالت
بابا… هي جعانة.
أنا طول عمري بنيت حياتي كلها على إني ماظهرش ضعيف.
رجالة خانتني عشان الفلوس.
وأعداء استغلوا الناس اللي بحبهم عشان يضغطوا عليّا.
وبعد ما مريم ماتت، اتعلمت إني أدفن كل جزء طيب جوايا، وأحطه تحت طبقات من القسوة والجمود.
لكن وأنا ببص لملك…
حسيت إن الدرع اللي بنيته حوالين نفسي بدأ يتشقق.
لأن الموضوع ماعادش مجرد صدفة.
مش الوش ده.
ولا العيون دي.
ولا سنها.
قربت منها أكتر، وأنا بالكاد قادر آخد نفسي.
ملك… يا حبيبتي.
رفعت عينيها وبصتلي.
فسألتها السؤال اللي كنت حاسس إنه ممكن يغيّر حياتي كلها
اسم مامتك كان إيه؟
إجابتها كانت هتكشف سر حد مخبيه عني بقاله سبع سنين كاملة.
وساعتها…
أنا فجأة عرفت إن أيًا كان اللي هتقولُه ملك بعد كده…
حياة ليلى هتتغير.
وحياتي أنا كمان.
الفصل الأول البنت اللي كان المفروض ما تكونش موجودة
سألتها وأنا حاسس إن صوتي مش طالع مني
اسم مامتك كان إيه يا ملك؟
ملك فضلت ساكتة.
كانت بتبصلي كأنها بتحاول تقرأ وشي، أو يمكن كانت خايفة من الإجابة نفسها.
ليلى قربت منها أكتر، وقالت بحماس طفولي
قولي له يا ملك. بابا مش هيزعقلك.
ملك بصت لليلى، وبعدها رجعت بصتلي.
مريم.
الكلمة نزلت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
ما سمعتش أصوات الناس حوالينا.
ما سمعتش عربيات الحراسة.
حتى صوت ليلى وهي بتتكلم اختفى.
مريم.
مراتي.
مريم اللي ماتت من سبع سنين.
مريم اللي أنا شفتها بعيني وهي بتتدفن.
مريم اللي قضيت شهور بعد موتها وأنا بصحى بالليل وأنادي اسمها من غير ما أحس.
مريم اللي فضلت صورتها معلقة في دماغي رغم إني حاولت أنساها.
مريم اللي قالولي إنها ماتت وهي بتولد ليلى.
رفعت عيني لملك.
مريم إيه؟
البنت هزت كتفها.
مريم بس.
كانت بتشتغل إيه؟
معرفش.
كانت ساكنة فين؟
في بيت كبير.
فين؟
ملك هزت راسها.
معرفش.
قربت منها أكتر.
ملك، بصيلي.
رفعت عينيها.
مامتك كانت بتقولك اسم باباكي إيه؟
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت
كانت بتقول إنه مات.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أنا ما كنتش أبو ليلى بس.
أنا كنت فاكر إن ليلى بنتي الوحيدة.
وإن مريم ماتت وهي بتجيبها للدنيا.
لكن البنت اللي قدامي كانت نسخة من بنتي.
نفس السن.
نفس الملامح.
ونفس لون العين.
والأغرب…
اسم أمها كان مريم.
مديت إيدي ناحية شعرها، لكن وقفت قبل ما ألمسها.
كنت خايف.
خايف من فكرة إن لمسة واحدة ممكن تأكدلي الحقيقة اللي عقلي كان بيحاول يرفضها.
فجأة واحد من الحراس قرب.
يا فندم، الإسعاف وصلت.
بصيتله.
خليهم ياخدوها المستشفى.
ليلى اعترضت فورًا
وأنا هروح معاها.
ليلى…
مش هسيبها لوحدها.
بصيت لبنتي.
كان واضح جدًا إنها اتعلقت بملك في الدقايق القليلة دي.
يمكن لأنها شافت نفسها فيها.
يمكن لأن الأطفال أحيانًا بيحسوا بحاجات إحنا الكبار بنحتاج سنين عشان نفهمها.
قلت للحارس
خلي عربية الحراسة ورا الإسعاف.
وبعدين ركعت قدام ملك.
إحنا هنروح المستشفى، هتاكلي وتدفى، وبعدها هنشوف خالتك نادية فين.
ملك مسكت في إيدي فجأة.
إيدها كانت ساقعة بشكل مرعب.
قالت
ماتسبنيش.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
بصيت في عينيها.
مش هسيبك.
في المستشفى، الدكتور قال إنها عندها جفاف بسيط، ونسبة السكر واطية بسبب إنها ماكلتش من وقت طويل.
كانت ضعيفة، بس الحمد لله مفيش إصابات خطيرة.
قعدت أنا وليلى بره الأوضة.
ليلى كانت ساكتة لأول مرة من ساعة ما لقينا ملك.
بصيتلها.
مالك؟
قالت
هي أختي؟
اتجمدت.
ماعرفتش أرد.
بابا…
لسه مانعرفش.
بس أنا عارفة.
إزاي؟
عشان هي شبهي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وبعدين عينيها شبه عيني ماما.
الكلمة دي خلتني أبص بعيد.
مريم.
اسمها لسه قادر يهزني رغم مرور سبع سنين.
دخلت الممرضة وقالت
البنت فاقت.
دخلت.
ملك كانت قاعدة على السرير، ملفوفة ببطانية.
ليلى جريت عليها.
بقيتي أحسن؟
ملك هزت راسها.
آه.
أنا جبتلك بسكوت.
وقدمتلها كيس صغير.
ملك بصتلي قبل ما تاخده.
قلت
كلي.
بدأت تاكل ببطء.
وقفت جنب السرير.
ملك… أنا محتاج أسألك شوية أسئلة.
هزت راسها.
خالتك نادية… كانت بتعاملك كويس؟
ملك سكتت.
وده كان كفاية.
قلت
كانت بتضربك؟
هزت راسها بسرعة.
لأ.
بتزعقلك؟
سكتت.
بتخوفك؟
عيونها اتملت دموع.
كانت بتقول إن لو اتكلمت، هتوديني مكان وحش.
حسيت بقبضة إيدي بتشد.
مكان إيه؟
دار.
دار أطفال؟
آه.
وقالتلك إيه عن أمك؟
ملك مسحت دموعها.
قالتلي إن ماما ماتت، وإن بابا سابنا.
سابنا؟
آه.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عايشة مع مامتك قبل ما تموت؟
هزت راسها.
آه.
طيب مامتك كانت بتحكيلك عن باباكي؟
ملك بصت للأرض.
كانت بتقول إنه مش عارف إني موجودة.
سكت.
ليه؟
قالتلي إنها حاولت توصله، بس هو ماكانش بيرد.
سألتها
كان اسمه إيه؟
ملك قالت
حازم.
قلبي وقف.
بصيت ناحية الباب.
ليلى كانت بتبصلي.
ملك كملت
ماما كانت بتقول حازم كتير.
ماقدرتش أتكلم.
قمت من جنب السرير.
خرجت بره.
طلعت موبايلي.
اتصلت بأقدم محامي ليا، عادل منصور.
أول ما رد قلت
عايزك تعمل حاجة من غير ما تسألني ليه.
خير يا حازم؟
عايز كل الملفات القديمة الخاصة بمريم.
سكت ثواني.
مريم؟
آه.
ليه دلوقتي؟
لأني لقيت بنت.
بنت مين؟
بصيت من خلال زجاج الباب على ملك.
بنت مريم.
سكت.
إنت متأكد؟
قلت
مش متأكد من حاجة. بس البنت عندها سبع سنين، واسم أمها مريم، وملامحها نسخة من ليلى.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.
حازم…
عايز الملف النهارده.
هحاول.
مش هتحاول. هتجيبه.
قفلت.
وبعدين اتصلت بشخص تاني.
الدكتور سامح، طبيب العيلة اللي كان موجود وقت ولادة ليلى.
رد بعد محاولتين.
ألو؟
قلت
دكتور سامح، محتاج أسألك سؤال.
اتفضل.
مريم كانت حامل في طفل واحد؟
سكت.
الصمت ده كان أسوأ من أي إجابة.
دكتور؟
قال
ليه بتسأل؟
رد عليّا.
على حد علمي… طفل واحد.
على علمك؟
حازم، الولادة كانت صعبة جدًا، ومريم فقدت دم كتير.
هل عملتوا سونار قبل الولادة؟
طبعًا.
والسونار قال طفل واحد؟
آه.
قلت
متأكد؟
أيوه.
قفلت.
رجعت ناحية الغرفة.
لكن قبل ما أدخل، لقيت واحدة من الممرضات واقفة قدامي.
حضرتك والد الطفلة؟
لأ.
قريبها؟
بصيت لها.
ممكن نقول كده.
قالت
في واحدة من بره بتسأل على ملك.
مين؟
بتقول إنها قريبتها.
اسمها؟
الممرضة بصت في الورقة.
نادية.
قلبي دق بعنف.
خالتها وصلت.
نزلت الدور الأرضي بسرعة.
لقيت ست في أواخر الأربعينات واقفة عند الاستقبال.
لابسة عباية سودا ونظارة شمس، رغم إننا جوه المستشفى.
أول ما شافتني، اتوترت.
قلت
إنتِ نادية؟
آه.
خالة ملك؟
أيوه.
فين كنتِ من الصبح؟
اتلخبطت.
أنا… كنت بدور عليها.
ضحكت ضحكة باردة.
بتدوري عليها؟
آه.
من إمتى؟
من الصبح.
وسبتي طفلة سبع سنين لوحدها في المنتزه من قبل الشروق؟
وشها اتغير.
هي اللي جريت مني.
ليه كانت بتجري منك؟
ملك عنيدة.
قربت منها.
ملك قالتلي إنك هددتيها.
كذابة.
وقالتلي إنك كنتي عايزة توديها دار.
نادية بلعت ريقها.
البنت محتاجة تربية.
ومين أبوها؟
وشها اتجمد.
معرفش.
غريبة. إنتِ مربية البنت بقالك كام سنة وماتعرفيش أبوها؟
أبوها مات.
اسمه إيه؟
سكتت.
قلت
اسمه حازم؟
لون وشها اختفى.
وده كان كل اللي محتاجه.
مديت إيدي وأمسكت ذراعها.
إنتِ عارفة أنا مين؟
قالت بخوف
أيوه.
يبقى عارفة إن الكدب عليّا مش فكرة ذكية.
فجأة حاولت تسحب إيدها.
أنا مش عارفة حاجة.
قلت للحارس
خليها عندك.
صرخت
إنت مالك بيا؟!
رديت بهدوء
أنا لسه ماعرفتش أنا مالي بيكي.
بعد ساعة، كان عادل في المستشفى.
دخل مكتبي المؤقت في غرفة الاجتماعات الصغيرة.
حط ملف قديم على الترابيزة.
وقال
ده كل اللي قدرت أوصله.
فتحته.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد ليلى.
الاسم ليلى حازم الشاذلي.
الأم مريم عبد الرحمن.
الأب حازم الشاذلي.
طفلة
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *