بنت صغيرة
بنت صغيرة كانت متسابِة في المنتزه تقريبًا يوم كامل، بردانة وجعانة، في الوقت اللي الست المسؤولة عنها اختفت ومحدش عرف راحت فين.
لكن لما بنتي جريت عليها وصَرخت
9، دي شبهّي بالظبط!
ساعتها أنا شفت حاجة أرعب بكتير من مجرد طفلة تايهة…
شفت وش توأم ماكنتش أعرف أصلًا إنها موجودة.
يوم الجمعة بعد الضهر كان دايمًا بتاع ليلى.
مفيش اجتماعات.
مفيش شغل.
ومفيش حتى سيرة حازم الشاذلي… الاسم اللي ناس كتير في القاهرة كانوا بيخافوا ينطقوه بصوت عالي.
كان اليوم ده المفروض يبقى أنا وبنتي اللي عندها سبع سنين، وبس… وأي مغامرة صغيرة هي تختارها.
اليوم ده كانت نفسها في آيس كريم بالكراميل.
كنا ماشيين في المنتزه، وهي ماسكة إيدي، لحد ما فجأة سابت إيدي.
ليلى!
جريت بكل سرعتها ناحية دكة خشب قديمة تحت شجرة ضخمة.
رجال الحراسة اتحركوا في نفس اللحظة، لكن رفعت إيدي أوقفهم ومشيت وراها بنفسي.
وهناك…
شفت الطفلة.
وفي اللحظة دي، كل حاجة جوايا وقفت.
كانت صغيرة جدًا، يمكن عندها سبع سنين، ومتكورة على نفسها وهي حضنة دب صغير قديم ومبهدل.
البلوفر اللي لابساه كان خفيف جدًا على برد أكتوبر، وجزمها كانت متهالكة، وصوابعها متغطية بقطع من الشريط اللاصق الرمادي.
لكن ولا حاجة من دي هي اللي خوفتني.
وشها هو اللي خوّفني.
لأنه كان وش ليلى.
نفس الخدود اللي على شكل قلب.
نفس المناخير الصغيرة.
نفس الدقن الصغيرة العنيدة.
بابا… ليلى همست وهي قعدت جنبها. أنا حاسة إنها أختي.
الطفلة الغريبة رفعت عينيها ببطء.
ودمي تلج في عروقي.
عينيها كانت خضرا… نفس اللون اللي شفته قبل كده.
لون عيون مريم.
مراتي اللي ماتت من سبع سنين.
الست اللي دفنتها بإيدي، وفضلت بعدها أعيش وأنا بحاول أقنع نفسي إني خلاص نسيت كل حاجة عنها.
نزلت على ركبتي قدام البنت، وفجأة بقيت خايف حتى من صوتي… خايف يكون باين فيه الرعب اللي جوايا.
اسمك إيه؟
ردت بصوت ضعيف
ملك.
ليلى ابتسمت فورًا وقالت
شوفت يا بابا؟ أنا كنت عارفة!
ملك حضنت الدبدوب أكتر.
ولما قربت منها، لاحظت صوابعها اللي كانت بتترعش، وشفايفها المتشققة.
الجوع كان مخلي خدودها غائرة.
سألتها بهدوء
مامتك فين يا ملك؟
نزلت عينيها للأرض.
ماتت من تلات شهور.
الدنيا كلها كأنها مالت تحت رجلي.
حاولت أتماسك وسألت
وأبوكي؟
هزت راسها.
معرفش.
ليلى بصتلي ببراءة كاملة وقالت
يمكن باباها تايه.
بلعت ريقي بالعافية.
وبصيت لملك تاني.
مين اللي بيهتم بيكي؟
ردت
خالتي نادية.
فين خالتك؟
ملك فضلت باصة على جزمتها
