أدهم الثاني والاخير

​الجزء 4 —
​”كنت ناوي تعمل إيه؟”
​أدهم ماجاوبش في ساعتها.
​أنا رجعت خطوة لورا.
​”أدهم.”
​نظراته نزلت للترابيزة.
​”كنت ناوي أطلب منك تتجوزيني.”
​كل حاجة جوايا وقفت.
​المطر بدأ ينزل بهدوء على زجاج التراس.
​سمعت كل نقطة.
​كل نفس.
​كل دقة في قلبي أنا.
​”إيه؟”
​”كان معايا خاتم.”
​بصيت له بذهول.
​”كنت ناوي تطلب إيدي؟”
​”أيوه.”
​”الليلة اللي قبل ما يجيلك الجواب؟”
​”أيوه.”
​”طب وكريم عرف منين؟”
​ملامح أدهم بقت صلبة.
​”نيرة هي اللي ساعدت في حجز المطعم.”
​قعدت لأن ركبي فجأة حسيت إنها مش شيلاني.
​أدهم فضل واقف.
​”حجزت الروف في فندق النيل.”
​افتكرت الليلة دي.
​هو كان غى العشا قبل الميعاد بأربع ساعات.
​نيرة قالت لي إنه أتاخد في اجتماع طارئ.
​أنا أكلت ديلفري لوحدي.
​”إيه اللي حصل؟”
​”نيرة قالت لي إنك كلمتِ المكتب.”
​”أنا عمر ما كلمت.”
​”أنا عارف ده دلوقتي.”
​”قالت لك إيه؟”
​”إنك طلبتِ منها تلغي أي ترتيبات أنا عملتها لأنك محتاجة مساحة.”
​حطيت إيدي على بوقي.
​”هي بوظت العرض.”
​”أيوه.”
​”وتاني يوم وصلك الجواب.”
​”أيوه.”
​غضبي جه بسرعة لدرجة إنه تقريباً إداني حاجة ماسكة نفسها أتسند عليها.
​”ليه ماقلتليش عن موضوع الخاتم والجواز لما عرفنا إن الجواب مزور؟”
​”عشان ماكنتش عايزها تبقى أداة ضغط عليكِ.”
​”إيه؟”
​قرب مني.
​”لو قلت لك إني كنت ناوي أتتجوزك وأنتِ لسه بتفكري تبعدي ولا لأ، كان ممكن تحسي إن ده استغلال وضغط.”
​بصيت له.
​طبعاً.
​طبعاً أدهم الموردي، اللي يقدر يخلي نص البلد تعيد ترتيب نفسها بمكالمة واحدة، كان مرعوب يضغط على قلبي.
​”أنت راجل مش ممكن بجد.”
​حواجبه قربت من بعضها.
​”ده حاجة حلوة ولا وحشة؟”
​”مش عارفة.”
​قعد قدامي.
​لعدة لحظات، محدش فينا اتكلم.
​بعدين سألته: “هو الخاتم لسه معاك؟”
​عينيه اتحركت.
​نبضي أسرع.
​”أدهم.”
​”أيوه.”
​”فين؟”
​”لا.”
​بصيت بذهول.
​”لا؟”
​”مش هتشوفيه الليلة دي.”
​رغم كل حاجة، بوقي اتفتح.
​”ليه؟”
​”عشان أنتِ منفعلة دلوقتي.”
​”أنت لسه قايلي إنك كنت ناوي تتجوزني.”
​”أيوه.”
​”ودلوقتي بتخبي الخاتم؟”
​”أيوه.”
​”أنت بتتبسط لما تجنني؟”
​”ساعات.”
​قمت وقفت وبصيت له بغيظ.
​كان هيبتسم.
​بعدين الهزار اختفى.
​”إلهام، اسمعيني.”
​سمعت.
​”الخاتم لسه معايا.”
​صوته كان ثابت.
​”ولسه عارف أنا كنت عايز إيه لما اشتريته.”
​دقات قلبي بقت عالية بوجع.
​”بس مش هستخدم عرض جواز عشان أصلح علاقة كنا هنخسرها.”
​غضبي هدي.
​”لو اتجوزنا في يوم من الأيام، أنا عايزك تقولي أيوه وأنتِ متأكدة.”
​بص لي عدل.
​”مش عشان حد كان هيخدك مني.”
​حنية الاختيار ده وجعتني أكتر من أي كلام درامي كان ممكن يتقال.
​قد يعجبك
​ابني عنده خمس سنين كان تعبان أوي ليلة رأس السنة لدرجة إنه بصلي وهمس: “يا بابا، هي السنة الجديدة ينفع تيجي من غيري؟” 001. الجزء 5
​ابني عنده خمس سنين كان تعبان أوي ليلة رأس السنة لدرجة إنه بصلي وهمس: “يا بابا، هي السنة الجديدة ينفع تيجي من غيري؟” 001. الجزء 4
​ابني عنده خمس سنين كان تعبان أوي ليلة رأس السنة لدرجة إنه بصلي وهمس: “يا بابا، هي السنة الجديدة ينفع تيجي من غيري؟” 001. الجزء 3
​قعدت جنبه بدل ما أقعد قدامه.
​كتفنا لمس بعض.
​”كنت ناوي تطلب إيدي فين؟”
​”في جنينة الروف.”
​”يا سلام على التقليدية.”
​”أنتِ بتحبي الجنينة اللي في الروف.”
​”ده صح.”
​”وكان فيه شمع.”
​”تقليدي أكتر.”
​”وثلاث تلاف وردة بيضا.”
​لفيت ناحيته.
​”ثلاث تلاف؟”
​شكله كان بيدافع عن نفسه شوية.
​”قالوا لي إن الـ اثنا عشر بوكيه ماعجبوكيش كفاية.”
​ضحكة خرجت مني فجأة.
​غطيت وشي.
​”أنت مش معقول بجد.”
​”أيوه.”
​”ثلاث تلاف وردة؟”
​”لغيتهم.”
​”كويس.”
​”تبرعت بيهم لمستشفى.”
​نزلت إيدي.
​”طبعاً عملت كده.”
​ملامحه اتغيرت.
​”إيه؟”
​”عشان كده بحبك.”
​الكلمات خرجت بسهولة المرة دي.
​من غير غضب.
​من غير أزمة.
​حقيقة وبس.
​أدهم اتجمد.
​حسيت بجسمه كله بقى ساكن جنبي.
​”إلهام.”
​”أنا بحبك.”
​لف لي بالكامل.
​عينيه كانت بتدور في وشي كأنه شاكك إن فيه جواب مزور تاني هيظهر ويكذبني.
​”مش لازم تقول حاجة.”
​”ده هيكون صعب أوي.”
​”ليه؟”
​”لأني بحبك من ساعة ما رجعتِ الـ أحد عشر بوكيه ورد.”
​بصيت له بذهول.
​”من بدري أوي كده؟”
​”أنتِ رجعتيهم مع فاتورة مصاريف الشحن والتوصيل.”
​”أنت كنت قافل مدخل الشركة.”
​”كنتِ عظيمة.”
​ضحكت ودموعي نزلت فجأة.
​أدهم مسح دموعة بإبهامه.
​”بحبك،” قالها.
​العالم سكت.
​أنا كنت بتخيل إني أسمع الكلمة دي بقالي سنتين.
​في كل مرة، كانت بتيجي في لحظة درامية.
​في قاعة فرح.
​في اعتراف كبير.
​في خناقة.
​لكن المرة دي، جُم على التراس بعد نص الليل وبواقي الأكل بتبرد ورانا.
​مثالي.
​”كان ممكن تقول كده بدري شوية.”
​”أنا استوعبت ده دلوقتي.”
​”بدري قد إيه يعني؟”
​”تقريباً سنتين.”
​”ده تأخير كبير أوي.”
​”هحسّن من نفسي.”
​ابتسمت.
​بعدين موبايله رن.
​اللي كان بيكلمه كان بيتكلم بسرعة.
​وش أدهم اتغير.
​قام وقف.
​”إيه؟”
​قفل السكة.
​”كريم تحت.”
​جسمي سقع.
​”هنا؟”
​”في المدخل.”
​”هو دخل إزاي من الأمن؟”
​”ماعداش.”
​”عايز إيه؟”
​”عايزك أنتِ.”
​صوت أدهم بقى هادي جداً.
​”بيقول معاه دليل إن نيرة تصرفت لوحدها.”
​قمت وقفت.
​”ده كداب.”
​”غالباً.”
​”سيبني أكلمه.”
​”لا.”
​عيني ضيقت.
​أدهم غمض عينيه بسرعة.
​بعدين صلح كلامه.
​”أنا أفضّل جداً إنك ماتعمليش كده.”
​”أحسن.”
​”إلهام.”
​”أنا محتاجة الموضوع ده ينتهي.”
​”هو استغلك.”
​”عارفة.”
​”وهو بقاله شهور بيساعد حد يتجسس عليكِ.”
​”عارفة.”
​”وأنتِ عايزة تدخلي تقعدي معاه في أوضة واحدة؟”
​”وأنت قريب مني.”
​أدهم درس وشي.
​مش لأنه شاكك في قوتي.
​لأنه كان بيحارب كل غريزة جواه بتقول له يقفل الأسانسير ويبعد أي خطر عني.
​في الآخر، هز رأسه.
​”أوضة الاجتماعات الخاصة.”
​”تمام.”
​”تقعدي جنب الباب.”
​”تمام.”
​”أنا هفضل جوه.”
​”لا.”
​فكه اتشد.
​”أدهم.”
​”لا.”
​”أنت هتخوفه.”
​”دي مش حاجة وحشة.”
​”حاجة وحشة لو أنا عايزاه يتكلم.”
​ملامحه كانت بتقول إنه كاره كل كلمة بطلعها.
​قربت منه.
​”ثق فيّ.”
​دي غيرت كل حاجة.
​بص لي لوقت طويل.
​بعدين هز رأسه مرة واحدة.
​”هكون بره الباب.”
​”شكراً.”
​”لو لمسك—”
​”عارفة.”
​”لا، مش عارفة.”
​صوته نزل.
​”لو لمسك، الكلام يخلص.”
​النبرة الخطيرة في صوته كان المفروض تخوفني.
​بس عشان هو سمع كلامي لما طلبت اختياري، أنا سمعت اللي تحت النبرة دي.
​الخوف.
​”ماشي.”
​نزلنا تحت.
​كريم فهمي كان مستني في أوضة الاجتماعات لابس بدلة كحلي غالية ونفس الابتسامة المغرورة اللي زمان افتكرتها ثقة بالنفس.
​الأربع سنين ماغيرتوش كتير زي ما كنت أتمنى.
​قام وقف لما دخلت.
​”إلهام.”
​”اقعد.”
​ابتسامته قلت.
​”أنتِ اتغيرتِ.”
​”وأنت كمان.”
​”أشك.”
​قفلت الباب ورايا.
​أدهم فضل بره.
​كريم بص ناحية الزجاج المظبب.
​”هو سايبك تدخلي لوحدك؟”
​”أنا اللي طلبت منه.”
​”غريبة.”
​”عايز إيه؟”
​”أنقذك.”
​تقريباً ضحكت.
​”من أدهم؟”
​”من نفسك.”
​أهو رجع.
​كريم القديم.
​الراجل اللي دايماً كان شايف إن الاختلاف معاه معناه إني متلخبطة.
​”أنت اللي زورت الجواب.”
​”نيرة هي اللي زورته.”
​”أنت ساعدتها.”
​”هي اتصلت بيّ.”
​”وأنت قلت أيوه.”
​بوقه اتشد.
​”أنتِ أحرجتيني.”
​”من أربع سنين.”
​”أنتِ مشيتِ.”
​”أيوه.”
​”عشانه.”
​”لا.”
​ده فاجأه.
​سندت لقدام.
​”أنا مشيت بسببك أنت.”
​وش كريم بقى صلب.
​”أنتِ اتعرفتِ على الموردي بعد ست شهور.”
​”وبعدين؟”
​”أنتِ فاكرة إنه بيحبك؟”
​”أنا عارفة إنه بيحبني.”
​”ده هيدمرك.”
​”لا.”
​”ده راجل مريب.”
​”ده راجل معقد.”
​”دي كلمة طيبة أوي.”
​سندت لورا.
​”الفرق بينك وبين أدهم إنه عارف بالظبط هو إيه.”
​كريم ضحك.
​”أنتِ فاكرة إن ده بيخليه أحسن؟”
​”أنا فاكرة إن ده بيخليه صريح مع الحاجات اللي مش صح فيه.”
​ملامحه باخت.
​”هو هيتحكم في حياتك كلها.”
​”عمره ما حاول.”
​”ده ماشي وراكي بحراسة.”
​”لما يكون فيه تهديد.”
​”بيحدد لك تثقي في مين.”
​”لا.”
​”بيحدد لك تعرفي إيه.”
​”النقطة دي إحنا بنصلحها دلوقتي.”
​كريم بص بذهول.
​تقريباً ابتسمت.
​”شايف؟”
​سند لقدام.
​”أنتِ بتدافعي عنه خلاص.”
​”أنا مش هنا عشان أدافع عن أدهم.”
​”أمال أنتِ هنا ليه؟”
​”عشان أقولك حاجة أنت عمرك ما فهمتها لما كنا مع بعض.”
​قمت وقفت.
​”أنا من حقي أختار غلط.”
​رمش.
​”من حقي أختار أختيارات خطيرة.”
​اتحركت ناحية الباب.
​”من حقي أغلط، أغير رأيي، أحب، أمشي، أقعد، أسامح، أو أبعد.”
​إيدي استقرت على المكرة.
​”أنت مش من حقك ترتب حياتي على النسخة اللي تخليك تحس إنك قوي.”
​وشه اتغير.
​”إلهام.”
​”ونيرة مش من حقها برضه.”
​فتحت الباب.
​كريم قام وقف فجأة.
​”أنتِ فاكرة الموردي بجد بيديكي اختيارات؟”
​أدهم كان باين بره.
​كان سامع كل حاجة.
​بصيت له.
​بعدين بصيت لـ كريم تاني.
​”أيوه.”
​ابتسامة كريم بقت بايخة.
​”طب اسأليه ناوي يعمل فينا إيه.”
​الأوضة سكتت.
​لفيت لـ أدهم.
​عينيه كانت باردة لدرجة تجمد الإزاز.
​”أنت ناوي على إيه؟”
​”قضايا رسمية ومحاضر بالتجسس، اختراق بيانات خاصة، والتزوير، والمضايقة.”
​كريم استخف بالموضوع.
​”بس كده؟”
​أدهم بص لي بدل ما يبص له.
​”ده اللي إلهام طلبته.”
​صدري اتشد.
​من سنتين، كان ممكن أفتكر إن ضبط النفس ده ضعف.
​دلوقتي أنا فهمت قد إيه القوة اللي محتاجها راجل تربى في عالم أدهم عشان يختار راحتي على غضبه.
​كريم شاف ده برضه.
​وشه جاب ألوان.
​مش لأن أدهم هدد.
​لأن أدهم ماكانش محتاج يهادد.
​طلعت الممر.
​أدهم حط إيده بهدوء على ضهري.
​مش بيزق.
​موجود وبس.
​”جاهزة؟”
​”أيوه.”
​مشينا سوا.
​ورانا، الأمن كان بياخد كريم بره العمارة.
​من غير دم.
​من غير ضرب نار.
​من غير انتقام.
​باب مقفول وبس.
​في الأسانسير، إيدي بدأت تترعش.
​أدهم لاحظ في ساعتها.
​ما لمسنيش.
​”ممكن؟”
​هزيت رأسي.
​شدني في حضنه.
​ضغطت وشي في صدره.
​ولأول مرة من ساعة ما الموضوع ده بدأ، سبت نفسي أضعف.
​مش لأني ضعيفة.
​لأني أخيراً في مكان مش محتاجة أكون فيه قوية كل ثانية.
​أدهم مسكني من غير ما يتكلم.
​إيده كانت بتتتحرك بهدوء على شعري.
​”أنا بكره إنهم قدروا يدخلوا في دماغي،” همست.
​”هم دخلوا في دماغي أنا كمان.”
​”أنا شكيت فيك.”
​”وأنا شكيت فيكِ.”
​”أنا كنت هعزل وأمشي.”
​”وأنا كنت هسيبك تمشي.”
​بصيت فوق.
​”دي كانت هتبقى كارثة.”
​”أيوه.”
​”كان المفروض توقفني.”
​حاجبه اترفع.
​”أنا افتكرت إننا اتفقنا إن مش من حقي أحبسك.”
​”أنا قصدي مشاعرياً.”
​”دي تعليمات مش واضحة أوي بصراحة.”
​ضحكت في صدره.
​بعدين بقيت جادة.
​”أنا مش ماشية الليلة دي.”
​ملامحه كلها اتغيرت.
​الأمل كان شكله غريب على أدهم الموردي.
​جميل.
​خطير.
​صغير في السن.
​”الليلة دي؟”
​لمست وشك.
​”يوم بيوم، فاكر؟”
​إيده غطت إيدي.
​”أنا أقدر أعيش مع ده.”
​أبواب الأسانسير فتحت.
​دخلنا الروف.
​ولأول مرة من أسابيع، محدش فينا مشي وساب الثاني.
​
— الجزء 5 الأخير
​
بعد أن انكشفت خيوط المؤامرة الجبانة، واتضح أن رسالة الفراق المزورة كانت مجرد فخ نُسج بذكاء لإبعاد “إلهام” عن “أدهم الموردي”، أصبحت الحقيقة جليّة. نيرة وكريم حاولا استغلال المخاوف القديمة والشكوك الدفينة لهدم قصة حب حقيقية. لكن النضج والاختيار الحر كانا أMethod أقوى من كذبهم. في هذا الجزء الأخير، نعيش الخاتمة الحقيقية التي اختارها أدهم وإلهام بملء إرادتهما.. وداعاً للماضي، وبداية لعهد جديد قائم على الثقة والحرية.
​الجزء 5 — الوداع اللي عمرنا ما اخترناه
​اتقبض على نيرة بعد يومين وهي بتحاول تركب طيارة لمونتريال.
​وتوثقت مشاركة كريم من خلال الرسائل، والتحويلات المالية، وأسابيع من الاتصالات اللي لا أنا ولا أدهم كنا محتاجين نقرأها بالتفصيل.
​كنت عايزة الحقايق.
​مش كل فكرة بشعة اتالت.
​ده كان فرق مهم بالنسبة لي.
​اعترفت نيرة في الآخر إنها نسخت رمز الدخول من كمبيوتر المكتب لما استخدمته أثناء تحضيرات الحفلة.
​فتشت في إيميلاتي على مدار كام شهر.
​وكريم كملها بالمعلومات عن علاقتنا القديمة.
​مع بعض، عملوا نسخة مني شكلها يصدق.. لأن كل جملة فيها كانت في يوم من الأيام حقيقة لمدة خمس دقائق.
​ده الجزء اللي علق في دماغي.
​مش الجر\يمة.
​ولا الخداع.
​إدراك إن الحقيقة من غير سياقها ممكن تبقى أكبر كدبة.
​بعد ثلاث أسابيع من الليلة دي في مكتب أدهم، رجعت نفس الأوضة وأنا شايالة الجواب المزور.
​بص لي وهو قاعد على مكتبه.
​”أنتِ جيتي بدري.”
​”لغيت الغدا.”
​”مع مجلس الإدارة؟”
​”مع رجل أعمال ممل جداً.”
​”المفروض أغير؟”
​”أيوه.”
​سند أدهم لورا.
​”من رجل أعمال عنده ثلاثة وسبعين سنة؟”
​”شعره تحفة.”
​”فهمت.”
​قفلت باب المكتب.
​ضحكة أدهم اختفت لما شاف الجواب.
​”إيه اللي حصل؟”
​”ولا حاجة.”
​قام وقف برضه.
​ده بقى أدهم دلوقتي.. لسه بيحمي، ولسه مهيب، بس بيتعلم إن مش كل جواب جواه تهديد.
​قربت من المكتب.
​”عايزة أولع في ده.”
​بص للجواب.
​”هنا؟”
​”أيوه.”
​”المكتب ده خشب أرو أثري.”
​”أنا افتكرتك غني.”
​بص لي ثانية، وبعدين مد إيده في الدرج وطلع ولاعة فضة.
​”طبعاً معاك ولاعة.”
​”معايا كذا واحدة.”
​”أنت مش بتدخن.”
​”لأ.”
​”طب معاك ليه؟”
​بص لي باستغراب كأني بسأل سؤال عجيب: “أنا راجل أصولي ومستعد لكل حاجة.”
​”ده مش تفسير لأي حاجة خالص.”
​”تفسير كافي بالنسبة لي.”
​ابتسمت.
​خرجنا للتراس.. شمس بعد الضهر كانت بتخلي المقطم والقاهرة لونهم دهبي.
​البرد كان بدأ يخف عن المدينة.
​مسكت الجواب من الطرف.
​أدهم ولع الولاعة، وظهرت شعلة صغيرة.
​ترددت ثانية.
​”مش لازم تعملي كده،” قالها بهدوء.
​”عارفة.”
​وده كان السبب اللي خلاني أعمل كده.
​قربت طرف الورقة من النار.. النار أكلت الوداع المزور، الكلمات اسودت، والورقة انكمشت على جوه.
​أدهم كان ماسك صينية معدن تحتها وهو بيتفرج على الرماد وهو بينزل.
​محدش فينا اتكلم.
​لما آخر طرف اختفى، اتنفست براحة.
​”كده أحسن بكتير.”
​قفل أدهم الولاعة: “كويس.”
​بصيت له: “عارف إيه أغرب حاجة؟”
​”إيه؟”
​”كل حاجة في الجواب ده كانت صح في وقت من الأوقات.”
​ملامحه اتشدت: “مش كل حاجة.”
​”أيوة.” لمست إيده: “في لحظة ما، كل إحساس جوا الجواب ده كان حقيقي.. أنا حسيت بالوحدة فعلاً.”
​”عارف.”
​”وكانضايقني الحراسة والتضييق اللي حطيتني فيه.”
​”عارف.”
​”وكنت بسأل نفسي هل حبك هيكون مكلف أوي مشاعرياً.”
​وشه ثبت تماماً.
​”بس؟” سألني.
​”بس المشاعر مش أحكام نهائية.”
​قربت منه خطوة: “المشاعر بتتغير.. بتعمق.. بتتقاطع مع مشاعر تانية.. وساعات بتتصلح لما الراجل بيتعلم إزاي يجاوب على الأسئلة الصعبة.”
​”أنا بتحسن.”
​”فعلاً.”
​”أنا جاوبت على ست أسئلة في الفطار النهاردة.”
​”أربعة منهم كانوا عن مكان الفلاتر بتاعة القهوة.”
​”كانت أسئلة صعبة ومستفزة.”
​ضحكت.
​أدهم مسك وسطي. من كام شهر، كان ممكن يشدني ليه من غير ما يفكر.. دلوقتي كان بيستنى.
​قربت منه أنا، وربعت إيديا حواليه، وساعتها بس لف دراعاته حوليّ.
​النسخة دي مننا ماكنتش أقل شغف عشان فيها حدود.. بالعكس، كانت أقرب وأصدق. كل لمسة باختيار، كل قرب بإجابة.
​سندت خدي على صدره: “قولي حاجة كنت في العادي هتكتمها جواك.”
​اتنهد: “أنتِ بتحبي اللعبة دي أوي.”
​”قولي.”
​دقنه استقرت على شعري: “لسه بصحى ساعات في وسط الليل وأبص جنبي عشان أتأكد إنك لسه هنا.”
​ابتسامتي اختفت: “ليه؟”
​”عشان لمدة أسابيع، عودت نفسي إني أتوقع إنك هتمشي وتختفي.”
​شدّيت عليه أكتر: “أنا آسفة.”
​”لأ.” إيده اتحركت على ضهري: “الجزء ده مش بتاعك عشان تعتذري عنه.”
​”طب بتعمل إيه لما بتلاقيني لسه موجودة؟”
​سكت ثانية: “برجع أنام.”
​”يا سلام على الرومانسية.”
​”أنا مقلتش إن الفكرة شاعرية.”
​ابتسمت في قميصه: “إيه تاني؟”
​سكت، وبعدين قال: “اشتريت خاتم تاني.”
​رفعت رأسي بشويش: “إيه؟”
​”الأولاني حسيت إنه اتقلب بسبب الظروف اللي حصلت.”
​نبضي أسرع: “إمتى؟”
​”الأسبوع اللي فات.”
​”أدهم!”
​”أنتِ اللي طلبتِ أقولك حاجة كتمها.”
​”أنا كنت مستنية مشاعر ودفا، مش مجوهرات!”
​”بالنسبة لي، الاتنين حاجة واحدة.”
​بصيت له بذهول: “هو فين؟”
​”لأ.”
​”تاني؟”
​”أنتِ مستحيل حد يفاجئك.”
​”أنت اللي قايل لي إنك اشتريته!”
​”بس مقلتش ناوي استخدمه إمتى.”
​ضيقت عيني.. كان شكله راضي عن نفسه جداً ومستمتع.
​”عاجبك الوضع ده أوي؟”
​”جداً.”
​بعدت عنه: “تمام.”
​مشيت ناحية المكتب: “إلهام.”
​طَنّشت ومشيـت.. جه ورايا من غير ما يلمسني: “أنا حجزت للعشا.”
​”الغيه.”
​”ليه؟”
​”محتاجة مساحة.”
​وشه أصفرّ تماماً والدم هرب منه.
​أنا لفيت، وجنوني اتغلب عليه الذنب لما شفت منظره.
​”أدهم!”
​كان متجمد.. مسكت وشه بين إيديا على طول: “أنا بهزر!”
​غمض عينيه: “يا الله.. دي ماكنتش حركة لطيفة خالص.”
​”عارفة.”
​”عمرها ما هتكون لطيفة.”
​”عارفة، أنا آسفة.”
​فتح عينيه.. للحظة شفت الخوف القديم تاني، فرفعت نفسي على أطراف صوابعي وبسته: “أنا هنا.”
​إيديه استقرت على وسطي: “عارف.”
​”أنا باقية.”
​بص في عيني: “النهاردة؟”
​ابتسمت: “لأ.”
​حاجة جواه وقفت، فكملت قبل ما يفهمني غلط: “وبكرة كمان.. واللي بعده.. وغالباً اليوم اللي بعده، إلا لو بقيت لا تطاق.”
​”أنا ساعات كتير بكون لا أطاق.”
​”يبقى هتحتاج تتعب عشان تجدد الإقامة.”
​جبهته لمست جبهتي: “أقدر أعمل كده.”
​عدت ست شهور.. ما بقيناش مثالين، لأن ده كان هيكون كدبة أكبر من الجواب المزور.
​أدهم لسه ساعات بيجاوب على الأسئلة العاطفية كأنه بينسق مع خاطفين.. وأنا لسه ساعات بفترض إن السكوت معناه مصيبة.
​كنا بنتخانق.. ونعتذر.. ونتعلم.
​كان بيديني مساحتي من غير ما يختفي.. وأنا بقبل حمايته من غير ما أسلم حريتي.
​حراسته بطلت تمشي ورايا جوه مكتبات الكتب، وأنا بطلت أتظاهر إني بكره العربية اللي مستنياني تحت لما بتأخر في الشغل.
​بقيت لما بكون مش هعرف أرد بيقول لي، وأنا بطلت أسأل سكرتيره هو فين.
​غير ثلاثة سكرتيرات لحد ما لقى واحدة أنا ارتحت لها.. مش لأني طلبت ده، بس لأن أول واحدة قالت لي “يا مدام الموردي” في الإنترفيو.. أدهم عينها فوراً، وأنا اعترضت ثلث ساعة، وهو ادعى إن الموقف مالوش علاقة، وأنا طبعاً ما صدقتوش.
​السكرتيرة الجديدة كانت ست عندها ستين سنة اسمها نادية، لواء شرطة سابق، وكانت مرعبة للشركة كلها.. بس أنا حبيتها جداً.
​في جمعة من أيام الربيع، أدهم طلب مني نتعشى في الفندق اللي في الزمالك على النيل.
​كان المفروض أفهَم.. بس ما فهمتش غير لما الأسانسير فتح على الروف.
​مافيش ثلاثة تلاف وردة.. مافيش أوركسترا.. مافيش مصورين.. مافيش حراسة باينة.
​مجرد أضواء دافية بين الشجر وطربيزة صغيرة لشخصين.
​وقفت.. وأدهم كان بيبص لي: “فاكرة؟”
​”أيوه.. هنا كنت ناوي تطلب إيدي.. أول مرة.”
​قلبي بدأ يدق بسرعة. مشي ناحية التراس وأنا مشيت وراه.. القاهرة كانت منورة تحتنا بألف نور.
​كان فيه ورد، بس اثنا عشر وردة بلدي بيضا في فازة أزياء كلاسيك.
​بصيت للورد: “رقيق أوي.”
​”أنا باخد دروس في التواضع والذوق.”
​”من مين؟”
​”من أختك.”
​”ده يفسر إن مافيش أي مبالغة.”
​”أنا سمعت ده!” صوت مي أختي طلع من ورا شجرة.
​لفيت وأدهم غمض عينيه: “مي..”
​طلعت أختي وهي بتضحك: “قالوا لي أستخبى.. بس فشلت.. كنت عايزة أشوف وشها.”
​أدهم بص لها: “امشي.”
​بستني مي في خدي وهمست: “قولي اللي أنتِ عايزاه بجد،” واختفت ناحية الأسانسير.
​لفيت لأدهم، كان شكله مستسلم: “هي هددت إنها هتيجي حتى لو ما عزمتهاش.”
​”راجل ذكي.”
​”أنا قدرتي على الملاهدة بتقل.”
​”لأ مش بتقل.”
​”ده صح.”
​بعدين الهزار اختفى من وشه.. قرب مني، وكل عصب في جسمي حس بيه.
​”إلهام..”
​نفَسي اتسحب.
​”لازم أقولك حاجة قبل ما أسألك أي حاجة.”
​هزيت رأسي.
​”أنا قضيت معظم حياتي فاكر إن الحب حاجة بتحميها بأنك تبني أسوار حواليها.. أنتِ علمتيني إن الأسوار ممكن تمنع الخطر، بس ممكن كمان تخنق الحب وما تخليهوش يتنفس.”
​بص في عيني مباشرة: “أنا لسه هغلط.”
​”عارفة.”
​”ولسه هقلق زيادة عن اللزوم.”
​”أكيد.”
​”وساعات هحط حراسة أنتِ ما طلبتيهاش.”
​”أدهم..”
​”أنا بتكلم بجدية وواقعية.”
​ضحكت من بين دموعي، ووشه هدي: “بس بوعدك.. عمرها ما هطلب منك تصغري عشان أنا أحس إني أقوى.. وعمرها ما هتلخبط بين إني بحبك وإني أملكك.. ولو جه يوم وبقت القعدة معايا مش اختيارك، هسيبك تمشي.. مش لأني مش هحارب عشاننا.. بس لأني عايز كل يوم تقضيه جنبي يكون باختيارك أنتِ.”
​دمعة نزلت على خدي، مسحها بإبهامه: “ومع ذلك..”
​نزل بشويش على ركبة واحدة.
​قلبي وقف.. لأول مرة، أدهم الموردي كان باين عليه التوتر.. توتر حقيقي.
​غطيت بوقي بـ إيدي.
​مد إيده في جيب الجاكيت.. الخاتم كان شيك جداً، مش ضخم، مش معمل عشان يعلن ثروته، ماسة رقيقة محطوطة بفن بين حجرين صغيرين.. حاجة كلاسيك وهادية، بالظبط زي ما كنت هختار.
​”أنت افتكرت.”
​حواجبه اترفت: “طبعاً افتكرت.”
​من سنين، وأحنا ماشيين قدام محل مجوهرات، شاورت على خاتم شبه ده وقلت له إني بكره الخواتم اللي تحسي إنها محتاجة مهندس ديكور عشان يشيلها.. هو ضحك ساعتها، وأتاريه سجلها في دماغي.
​”إلهام الصاوي..”
​صوته اتغير.. ما بقاش فيه أي تمثيل.. ده أدهم الحقيقي.
​”أنتِ الشخص الوحيد اللي دخل عالمي من غير ما ينبهر بيه.. أنتِ رجعتِ لي الورد.. سرقتِ البطاطس بتاعتي.. اتخانقتِ مع حراستي.. وقلتِ لي إني غلطان لما كنت غلطان.. وأحببتيني وأنا لسه بتعلم إزاي أسيبك تحبيني.”
​دموعي نزلت بغزارة.. أدهم شد على إيدي.
​”أنا ما أقدرش أوعدك بحياة سهلة ومفهاش مشاكل.”
​”مش عايزة حياة سهلة.”
​”وما أقدرش أوعدك إني هبطل أحميكِ.”
​”كنت هقلق لو بطلت.”
​”بس أقدر أوعدك بالاختيارات.. بالحقيقة.. بالاحترام.. وبكل حتة في قلبي كنت فاكر إنها لازم تفضل مقفولة.. إلهام، تتجوزيني؟”
​بصيت للراجل اللي راكع قدامي.. الراجل اللي كنت خلاص هسيبه لأني افتكرت إن سكوته معناه إني ما بفرقش معاه.. الراجل اللي استلم وداعي قبل ما أنا أنطق بيه.. الراجل القوي اللي يقدر يهد الدنيا، بس عنده التزام يمنعه يهد نفسه لما يتوجع.. الراجل اللي عمره ما طلب مني أبقى.
​وفهمت حاجة كنت بتعلمها طول الطريق: عكس إنك تمشي مش إنك تتحبسي.. عكس إنك تمشي إنك تكتبي الاختيار.. تاني وتاني وتاني.
​”موافقة.”
​أدهم اتجمد تماماً.. ضحكت من وسط دموعي: “اتنفس!”
​”قوليها تاني.”
​”موافقة يا أدهم.”
​غمض عينيه ثانية، ولما فتحهم، ظهرت حاجة طفولية ورا كل السيطرة والهيبة دي: “موافقة؟”
​”أيوه يا أدهم.”
​قام وقف بسرعة لدرجة إني ضحكت تاني.. بس وقف واستنى، حتى هنا.. حتى دلوقتي، بص لي قبل ما يلمسني: “ممكن؟”
​لفيت إيديا حوالين رقبته: “السؤال ده بقى غريب أوي.”
​”جوبي عليه.”
​”أيوه.”
​باسني.. البوسة كانت دافية وطويلة، وفيها ست شهور من الخناقات، والاعتذارات، والسهر، والفطار الهادي، والخوف اللي عديناه، والثقة اللي اتبنت.
​مافيش العاب نارية ضربت.. مافيش أوركسترا عزفت.. مافيش شركات اتغيرت ملكيتها.. مافيش حاجة حصلت غير أهم حاجة في عالمنا: شخصين اختاروا بعض.
​لما بعدنا، لبّسني الخاتم في صباعي.. بصيت عليه وبعدين بصيت له: “يعني ده الخاتم التاني؟”
​”أيوه.”
​”والأولاني جراله إيه؟”
​تردد، وده خلاني أشك: “أدهم..”
​”شيلته.”
​”ليه؟”
​”قلت يمكن في يوم من الأيام نجيب بنوتة.”
​قلبي حن في ساعتها: “وبعدين؟”
​”يمكن تكون عايزة تسمع القصة.”
​بصيت له بثبات ودموعي بتلمع: “قصة إيه؟”
​تحرك إبهامه على إيدي: “قصة الخاتم اللي أابوها اشتراه قبل ما يتعلم إزاي يطلب من أمها تفضل بطريقة صح.”
​بصيت له: “أنت فاهم إنها غالباً هتختار الخاتم ده وتسيب القديم؟”
​”ساعتها هشتري لك واحد تاني.”
​”أنت مش بتبهرني بمجوهراتك.”
​”أنا مستعد أجرب النظرية دي.”
​ضحكت، فباس جبهتي.
​بعدين مي انضمت لنا ونزلنا شربنا حاجة سوا، مامة أدهم عيطت لما كلمناها، وجدتي قالت لأدهم إن كده كتير وأنه تأخر جداً.. ونادية السكرتيرة بعتت لي مسج فيها اتناشر علامة تعجب، وده كان أكتر تعبير عاطفي طلع منها في تاريخها.
​بس بعد ما الكل مشي، فضلت أنا وأدهم في الروف لوحدنا.
​كنت ساندة عليه تحت الأضواء، وجاكتته على كتفي، والخاتم بيلمع مع نور القاهرة.
​”أنت بتفكر في الليلة دي ساعات؟” سألته.
​”ليلة الجواب؟”
​”أيوه.”
​”أيوه.”
​”وأنا كمان.”
​شد دراعه حوليّ: “أنا كنت بكره إن حد كان هيضيعنا.”
​”ودلوقتي؟” بصيت له: “دلوقتي بظن إنهم كشفوا كل حاجة كنا خايفين نقولها.”
​سكت أدهم، فكملت: “هم حاولوا يستغلوا نقاط ضعفنا ضدنا.. وكانوا هيطلعوا صح.”
​”تقريباً.”
​نزل بنظره ليّ: “وإيه اللي وقفهم؟”
​فكرت فيها.. مش الأدلة، ولا الحراسة، ولا إننا لقينا الشغل المزور بتاع نيرة.. الحاجات دي كشفت الكدبة، بس مش هي اللي أنقذتنا.
​”إحنا اتكلمنا في الآخر.”
​ابتسم أدهم: “دي حاجة شكلها عادي جداً ومستخف بيها.”
​”أهم الحاجات في الحياة بتكون بسيطة.”
​حط خصلة شعر ورا ودني، فقربت منه أكتر: “عارف إيه اللي استوعبته؟”
​”إيه؟”
​”الجواب المزور ده توقع كل كلمة كنت هقولها لما أجي أمشي.. بس غلط في حاجة واحدة.”
​ابتسامته اختفت: “في إيه؟”
​مسكت إيده وحطيتها على قلبي: “قال إني عايزة أبطل أحبك.”
​عينين أدهم اتغيرت، فابتسمت: “أنا عمر ما بطلت.”
​باس جبهتي.. والمدينة كانت ممتدة تحتنا، جميلة، وخطيرة، ومش مضمونة.. شبه حب أدهم الموردي.. بس للمرة الأولى، عدم الضمان ما أخافنيش، لأني أخيراً فهمت الفرق بين الخطر والاختيار.. بين الحماية والتملك.. بين إن حد يحتفظ بيكي وأن حد يقدر وجودك.. وبين الوداع اللي حد تاني كتبهولي، والحياة اللي اخترت أكتبها بنفسي.
​بعد شهور، وبعد ما خبر الخطوبة هدي في الجرايد، والقضايا بتاعة كريم ونيرة خلصت، لقيت جواب أخير مستنيني على مكتب أدهم.
​ورق قيم.. واسمي مكتوب عليه من بره.
​اتسمرت مكان عند الباب.. أدهم رفع عينه وبص لي، وبعدين بص للجواب: “أوه.”
​”أوه؟” شاورت عليه: “إيه ده؟”
​كان هادي بثقة: “إلهام.. أنصحك تفتحيه.”
​قلبي بدأ يدق أسرع رغم إن كل تفكير عقلاني كان بيقول إني في أمان.
​قربت من المكتب، وأدهم بيبص لي باهتمام.. مسكت الجواب، كان واسمي مكتوب بخط إيده هو.. خط حاد، مظبوط، وشيك.
​فتحت الجواب، كان فيه ورقة واحدة، أربعة سطور:
​”إلهام،
أنتِ استلمتِ زمان وداع ما كتبتيهوش.
عشان كده حسيت إنك تستحقي وعد أنا اللي أكتبه بنفسي.
مهما الحياة خدتنا، عمرك ما هتحتاجي تخمني هل أنا بختارك ولا لأ.
أنا بختارك.. كل مرة.”
​قرأتها مرتين.. وثالثة.
​لما رفعت رأسي، ملامح أدهم كانت اتغيرت.. شك.. شك حقيقي.
​”كرهتيه؟”
​بصيت له: “أنت متوتر؟”
​”أنا مش متوتر.”
​”أنت متوتر جداً.”
​”إلهام..”
​لفيت من حوالين المكتب، وهو قام وقف.. وقفت قدامه بالظبط: “أنت كتبت لي جواب.”
​”أيوه.”
​”جواب حقيقي.”
​”أيوه.”
​”أنت عارف إن ده قريب أوي من التطور العاطفي الخطر؟”
​”أقدر أولع فيه.”
​حضنت الجواب في صدري: “المسه كده وأنا أكسر لك صوابعك.”
​حواجبه اترفت: “ده عنف مالوش لازمة.”
​”أنت اللي بدأت.”
​ابتسامة بطيئة ظهرت على وشه.. أنا بقيت بعرف كل ابتسامات أدهم: المؤدبة للشغل، والقاسية للناس اللي بتقلل منه، والمندهشة لما أقول حاجة غريبة.. والابتسامة دي.. بتاعتي أنا.
​حطيت الجواب بحرص على المكتب، وحطيت إيديا على صدره: “عارف ليه هحافظ عليه؟”
​”عشان تهديد صوابعي ما كانش كافي؟”
​”عشان لما يبقى عندنا ثمانين سنة، هطلعه وأوريهولك.”
​مسك وسطي: “وبعدين؟”
​”وهفكرك إن أرعب راجل في البلد كتبت أربع سطور عشان كان خايف خطيبته تشك إنه بيحبها.”
​”أنكر ده طبعاً.”
​”معايا الدليل.”
​”اتعلمتِ ده مني.”
​”أنا اتعلمت منك حاجات كتير مشبوهة أخلاقياً بصراحة.”
​نظرته هديت: “ندمانة؟”
​فكرت في السؤال.. في الخطر.. الكدب اللي اتنظم حوالينا.. الليالي اللي كنت فيها خايفة.. الحياة اللي كنت ممكن أختارها لو كنت خرجت من مكتبه في الليلة دي.
​وبعدين بصيت للراجل اللي قدامي: “لأ.”
​الإجابة جَت بسهولة.
​درس أدهم وشي: “ولا حاجة؟”
​”اسألني بعد أول اجتماع لتخطيط الفرح مع مامتك.”
​”ده كلام عقلاني.”
​ضحكت، فشدني ليه أكتر.
​بره الشبابيك، كان الليل بينزل على القاهرة.. والأنوار بتنور واحدة ورا الثانية.
​لسنين، كان أدهم فاكر إن الحب بيعيش بالأسرار.. وأنا كنت فاكرة إن الحب بيعيش بالضمانات.. وإحنا الاتنين كنا غلط.
​الحب عاش لأن شخصين فضلوا يختاروا الصراحة حتى لما الخوف كان بيسهل الكدب.. عاش لأنه اتعلم إن حمايتي مش معناها إنه يقرر بدالي.. ولأني اتعلمت إن ثقتي فيه مش معناها إني ألغي عقلي.. ولأنه أداني حريتي حتى لما كانت الحرية ممكن تاخدني بعيد عنه.. ولأني فضلت بس بعد ما عرفت إني أقدر أمشي.
​ده كان الفرق.. ده كان كل حاجة.
​أدهم بص للجواب اللي على المكتب: “أنا عايز وعد واحد.”
​”إيه؟”
​”لو قررتِ في يوم من الأيام تفصلي عني تاني..”
​رفعت حواجبي: “أيوة؟”
​”اعمليها وش لوش.”
​ابتسمت: “أكيد.”
​”من غير جوابات.”
​”من غير جوابات.”
​”من غير إيميلات.”
​”موافق.”
​”من غير وسيط.”
​”طبعاً.”
​ملامحه بقت جادة: “ويفضل بعد الفطار.”
​ضحكت: “ليه بعد الفطار؟”
​”أنتِ بتاخدي قرارات كارثية وأنتِ جعانة.”
​”دي إهانة برضه.”
​”دي حقيقة مثبتة.”
​بسته قبل ما يكمل كلامه.. ودراعاته لفت حوليّ.. بشويش.. وثبات.. ومن غير خوف إني هختفي.
​ولما شفايفه ابتسمت على شفايفي، استوعبت إن قصة حبنا الحقيقية عمرها ما بدأت مع أول وردة، ولا أول خروجة، ولا حتى أول مرة قال اسمي كأني أهم حاجة عنده.
​هي بدأت الليلة اللي حاولت أمشي فيها.. لأن دي كانت الليلة اللي اكتشفنا فيها قد إيه سهولة إن حد يقلد كلامنا.. وقد إيه مستحيل حد يقلد الاختيار اللي ورا الكلام.
​حد كتب وداعي قبل ما أنا أقوله.. بس محدش غيرنا هيقدر يكتب اللي جه بعده.
​الجزء ده كان ملكنا إحنا وبس.
تمت

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *