قمر الليل بقلم منال عباس الثانى
قمر الليل بقلم منال عباس حصرى ل روايات منال عباس

وجدت يد من حديد تمسك بيد جاسر قبل أن تنزل على وجهها، وكان هو.. جبل، الذي ظهر فجأة بعينين تقدحان شراراً ووجه تكاد تفوح منه النيران. جذب جاسر بقوة أطاحت به أرضاً، وهمس بصوت كفحيح الأفعى أرعب كل من حولهما:
— لو فكرت تلمسها بس، هأدفنك حى فى أرض الجامعة يا ابن السيوفى!
التفت جبل إلى قمر وجذبها من معصمها برفق خشن، وأدخلها السيارة دون أن تنطق حرفاً من شدة صدمتها، وتحرك بالسيارة مسرعاً متجاوزاً كل قواعد المرور حتى وصل إلى بيته الخاص بعيداً عن صخب الدوار.
بداية الجزء الثاني: الحقيقة والعرين
في تلك الليلة، ومع حلول الساعة العاشرة مساءً، كانت أجواء البلدة هادئة ومظلمة، بينما اشتعلت نيران الغضب والترقب داخل الدوار الكبير حيث اجتمع أعمام قمر ورجال العائلة في قاعة الاستقبال الرئيسية، على ضوء المصابيح التي كانت تعكس ظلالاً مهيبة على الجدران الحجرية.
دخلت قمر مرفوعة الرأس بعد أن عادت من الجامعة، وقد عزمت أمرها على كشف ما ظنت أنه “سر خطير” لإنقاذ نفسها من هذا الزواج الجبري. وقفت أمام الجميع بكل ثقة، ونبست بكلماتها التي أشعلت الفتيل:
— ايوا شوفته والله شوفته ابن عمى.. وقال ايه كبير العيلة! شوفته وهو داخل حجرة سماح بنت الشغالة، ومش بعيد تكون حامل منه هو!
ساد الصمت الدامس أرجاء الدوار، ونكس رجال العائلة رءوسهم أرضاً حرجاً، حتى تقدم جبل من ظلال القاعة بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأن كل خطوة منه تهز الأرض. وقف أمامها مباشرة، ولم تكن عيناه تشتعلان غضباً أرعن، بل كان يملؤهما حزن عميق وقوة ضاربة. وبصوته الخشن والرخيم قال:
— للدرجادى رخصت فى عينك يا قمر؟ تظننى أهتك عرض بنت فى داري وأنا اللى مؤتمن على الكل؟ سماح غلطت.. بس مش معاي أنا، دي غلطت مع واحد مجهول استغل غفلتها، وكنت أنا هناك بحميها وبستر على عرض العيلة قبل ما الفضيحة تكسر رقبتنا قدام بلد السيوفى والعداوات القديمة، وعدوي اللى دبر اللعبة دي عشان يكسر راس جبل الناجي.. كنت هجيب راسه بكرة، بس أنتِ استعجلتِ بالظن الأعمى! بقلم منال عباس
التفتت قمر بوهن نحو سماح الواقفة في الركن، فأكدت الأخيرة الباكية صدق حديث جبل، لتدرك قمر فداحة ما اقترفتة وظلمها الشنيع لابن عمها.
تقدم جبل خطوة إضافية، وأطبق كفه على ذقنها ليرفع وجهها إليه، وبكل قوة وحسم نطق بحروفه القاطعة:
— عقابك ع اللى عملتيه وقسوتك عليّا إن الجواز بينا هيتم بكرة الصبح يا قمر.. عشان تعرفى كويس مين هو جبل الناجي، ومين اللى بيخاف عليكي بجد يا بنت عمى!
مرت ساعات الليل ثقيلة كالجبال على صدر قمر التي لم تهبط دموعها لحظة واحدة منذ أن ردد جبل كلماته الصارمة التي أعلنت قرار الزواج المبكر وكأنها حكم قضائي لا رجعة فيه، بينما كانت والدتها كريمة تدخل حجرتها مراراً وتكراراً تحاول تهدئتها وتوضيح الأمر قائلة إن جبل لو لم يكن يحميها ويستر عليها لما وقف هذا الموقف الصعب أمام عائلته الكبيرة ولكان ترك الحبل على الغارب، لكن قمر كانت تشعر بالنيران تشتعل في صدرها من جراء تسرعها وفقدانها لصبرها وظلمها لابن عمها الذي طالما حماها، ومع إشراقة شمس اليوم التالي في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كانت أجواء الدوار تضج بالحركة والاستعدادات غير المعتادة لعقد القران المفاجئ الذي أمر به كبير العائلة جبل الناجي، حيث احتشد الأعمام والشهود والمأذون الشرعي في غرفة الاستقبال الكبرى وسط حالة من الرهبة العامة التي تفرضها هيبة جبل الذي كان يرتدي جلابية صعوبية فاخرة وعباءة سوداء مطرزة بخيوط ذهبية تليق بمقامه، بينما جرى إحضار قمر مرتدية فستاناً بسيطاً وأنيقاً باللون الأبيض الوردي رغماً عنها وهي تمشي بخطوات مترددة وكأنها تخطو على جمر ملتهب، وما إن انقضت إجراءات العقد ووقع الجميع على المستندات الرسمية وأعلن المأذون زواجهما شرعياً وسط مباركة العائلة الصامتة والخائفة من بطش جبل وغضبه المكتوم، حتى اقترب منها جبل ببطء شديد وأبعد الجميع بنظرة حادة من عينيه، ثم مال نحو أذنها وهمس بصوت دافئ وخشن يخفي خلفه براكين من المشاعر المتاصلة قائلاً إن الدفتر قد طوي وإن ما حدث كان درساً قاسياً لتتعلم كيف تزن الأمور بعقلها لا بظنونها، لكن قمر رفعت عينيها الممتلئتين بالتحدي والخوف وأجابت بنبرة متحشرجة أنها لن تسلم له بسهولة ولن تنسى طريقته الاستبدادية في فرض سيطرته عليها، ليهتز وجه جبل بابتسامة غامضة ومراوغة تؤكد أن المعركة الحقيقية بينهما لم تبدأ بعد وأن الأيام القادمة داخل جناحه الخاص ستكشف الكثير من الأسرار الخفية وراء عداوة العائلات وحقيقة العدو المجهول الذي حاول الإيقاع به وبعرض الدوار الكبير، وفي تلك اللحظة بالضبط وقبل أن ينطق جبل بحرف آخر، انفتح باب الدوار الخارجي على مصراعيه ودخل خفير الدوار وهو يلهث بفزع شديد ليعلن بصوت مرتجف أن رجال عائلة السيوفى يحيطون بالسور الخارجي ولهم طلبات لا تبشر بالخير أبداً، ليتغير وجه جبل في ومضة واحدة وتشتعل في عينيه شرارة الحرب الحقيقية بينما التفت بسرعة ليغلق الباب خلفه ويترك قمر وحدها في الغرفة الكبرى محاطة بالمجهول. بقلم منال عباس