رصاصه في قلب الملياردير منال عباس الاول
كانت السماء تمطر بغزارة، والمستشفى الحكومي الصغير يكاد يختنق بالمرضى وروائح الأدوية الرخيصة.
وقفت ليلى خلف مكتب الاستقبال ترتب الملفات بصمت، بينما أصابعها الباردة ترتجف من شدة الإرهاق. كانت تعمل ليلًا بعد انتهائها من الجامعة لتساعد أمها المريضة، وتحاول تجاهل نظرات الاحتقار التي يرمقها بها الجميع بسبب فقرها.
رن هاتفها فجأة.
ليلى، أمك تعبت تاني الدكتور بيقول لازم الدوا النهارده.
أغلقت عينيها بألم وهمست
حاضر يا خالتي هجيب الفلوس بأي طريقة.
وضعت الهاتف ببطء، ثم تنهدت وهي تنظر إلى راتبها الضئيل داخل الدرج. لم يكن يكفي حتى نصف ثمن العلاج.
وفجأة
دخل رجل طويل يرتدي معطفًا أسود، وخلفه ثلاثة حراس يحيطون به بتوتر واضح. كان وجهه حادًا وباردًا بشكل لافت، وعيناه الرماديتان تتحركان بحذر كأنه معتاد على الخطر.
همس أحد الممرضين فور رؤيته
ده سليم الكيلاني!
اتسعت أعين ليلى قليلًا.
اسم سليم الكيلاني كان معروفًا في كل مكان أصغر رجل أعمال يملك سلسلة شركات ضخمة، وثروة تكفي مدينة كاملة، لكنه أيضًا رجل غامض لا يظهر كثيرًا.
اقترب الحارس من مكتبها بسرعة.
أوضة خاصة فورًا.
أومأت ليلى بهدوء وهي تنهض، لكن قبل أن تتحرك انطفأت الأنوار فجأة.
صرخ أحدهم
الكهرباء
قطعت!
وفي اللحظة التالية
دوّى صوت إطلاق نار.
تجمد الجميع.
صرخت الممرضات وهرب المرضى، بينما انقض الحراس أمام سليم.
لكن الرصاصة الثانية جاءت أسرع.
رأت ليلى رجلًا ملثمًا يرفع سلاحه مباشرة نحو سليم.
دون تفكير
ركضت نحوه بكل قوتها.
ثم
اخترقت الرصاصة كتفها.
شهقت بألم عنيف وهي تسقط بين ذراعي سليم، بينما اختلط صوت المطر بالصراخ والفوضى.
حدق سليم فيها بصدمة للحظة قصيرة، ولمح عينيها الواسعتين المرتجفتين قبل أن يفقد هو الآخر توازنه وسط تدافع الحراس.
أما ليلى
فغرق كل شيء حولها في الظلام.
فتحت عينيها بصعوبة بعد ساعات.
الألم يحرق كتفها، ورائحة المعقمات تخنق أنفاسها.
همست بتعب
هو كويس؟
التفتت إليها فتاة تجلس قرب السرير، ترتدي ملابس فاخرة وتضع الكثير من الزينة.
كانت رانيا أختها من الأب.
ابتسمت رانيا ابتسامة باردة وقالت
واضح إنك لسه غبية زي ما انتي.
نظرت ليلى إليها بصمت.
منذ وفاة والدها، ظهرت رانيا في حياتها كالكابوس. ابنة أبيها من زوجته الثانية. مدللة، متكبرة، وتكره ليلى بشدة
اقتربت رانيا أكثر وهمست
تعرفي مين كان الراجل اللي أنقذتيه؟ سليم الكيلاني بنفسه.
اتسعت عينا ليلى قليلًا.
ضحكت رانيا بخبث.
المشكلة إن الحراس ما شافوش وشك وإنتي فقدتي الوعي بسرعة.
شعرت ليلى بشيء سيئ يتسلل إلى قلبها.
وفجأة قالت رانيا بهدوء قاتل
وأنا قولتلهم إن اللي أنقذه أنا.
شهقت ليلى
إنتي مجنونة؟!
بالعكس ذكية.
ثم مالت نحوها أكثر
شوفي نفسك وشوفيّني. هو مستحيل يبص لوحدة فقيرة زيك.
قبضت ليلى على الغطاء بألم.
ليه تعملي كده؟
ابتسمت رانيا بثقة.
لأن دي فرصتي الوحيدة أدخل عالمه.
ثم اعتدلت وهي تخرج هاتفها.
وبالمناسبة لو حاولتي تتكلمي، هخلي أمك تترمي من المستشفى.
تجمدت ليلى مكانها.
كانت تعرف جيدًا أن رانيا قادرة على فعلها.
خرجت رانيا من الغرفة بكعبها العالي وصوت ضحكتها يملأ المكان، بينما بقيت ليلى تحدق في الفراغ والدموع تلمع بعينيها.
بعد يومين
وصلت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل رانيا.
نزل منها رجل ببدلة سوداء أنيقة.
الآنسة رانيا؟
ابتسمت الأخيرة بدلال.
نعم.
السيد سليم الكيلاني يريد مقابلتك ليشكرِك بنفسه.
كادت تصرخ من فرحتها.
أما ليلى، التي كانت تقف في المطبخ الصغير تسمع الحديث من بعيد، فأخفضت رأسها بصمت.
في المساء
دخلت رانيا إلى قصر الكيلاني للمرة الأولى.
الثريات العملاقة، الأرضيات الرخامية، والخدم المنتشرون في كل زاوية جعلوها تشعر أنها دخلت عالمًا آخر.
ثم ظهر هو.
سليم الكيلاني.
كان أكثر هيبة مما تتخيل. طويلًا، هادئًا، ونظرته حادة بشكل يخيف.
اقترب منها ببطء وقال
سمعت إنك خاطرِتِ بحياتك عشاني.
مثلت الارتباك وهي تخفض عينيها.
أي إنسان كان هيعمل كده.
ظل يراقبها للحظات طويلة.
شيء ما لم يكن منطقيًا.
الحارس أخبره أن الفتاة التي أصيبت كانت ترتدي ملابس بسيطة للغاية بينما رانيا تبدو وكأنها خرجت من حفلة فاخرة.
روايات منال عباس
لكن
عينيه عادتا تتذكران تلك النظرة المرتجفة قبل الإغماء.
لم يستطع تذكر الوجه جيدًا.
قال أخيرًا
مهما كان أنا مديون لكِ بحياتي.
ابتسمت رانيا بانتصار.
ومنذ تلك الليلة
بدأت تدخل حياته تدريجيًا.
الصحف تنشر صورهما.
المواقع تتحدث عن منقذة الملياردير.
ورانيا تستمتع بكل ثانية.
أما ليلى
فكانت تشاهد كل ذلك بصمت موجع.
مرت أسابيع.
وفي أحد الأيام، دخل سليم إلى شركته غاضبًا بعد اجتماع كارثي، قبل أن يسمع صوت جدال قرب قسم المحاسبة.
قلت لحضرتك المرتب ناقص!
رفع عينيه بضيق ثم تجمد مكانه.
هي.
نفس العينين.
نفس النظرة التي رآها تلك الليلة وسط الدم والمطر.
كانت ليلى تقف أمام الموظف تحمل ملفات كثيرة، وكتفها ما يزال مغطى بضمادة خفيفة.
اقترب دون وعي.
رفعت ليلى رأسها نحوه فتلاقت عيناهما.
وشعر فجأة بشيء يهتز داخله بعنف غريب.
همس دون أن يشعر
أنتي؟
ارتبكت ليلى فورًا وخفضت نظرها بسرعة.
لكن سليم لم يتحرك.
لأول مرة منذ سنوات
يشعر
لمحة نيوز