دخلت متأخرة

رقية كانت داخلة كلية الحقوق وهي شايلة فوق كتافها حلم أبوها عبد المنعم اللي طول عمره كان نفسه يشوفها محامية قد الدنيا بتجيب حق الغلابة، أبوها راجل على قد حاله سواق ميكروباص بس عزة نفسه مخلياه ملك في نظر بنته، وكان كل يوم وهو بيوصلها يقولها يا رقية خليكي جامدة القانون عايز قلب ميت ولسان بينقط حق. رقية مكنتش بنت عادية كانت عنيدة عناد السنين، دماغها ناشفة زي الحجر، لو اقتنعت بحاجة مستحيل حد يرجعها، وعنيها بتلمع لما تدخل في نقاش كأنها داخلة خناقة ولازم تطلع كسبانة. أول يوم ليها في سنة تالتة سمعت عن دكتور ممدوح، دكتور القانون المشهور بقسوته، الراجل اللي الطلبة مسمينه دكتور العناد، مبيهزرش، مبيضحكش، وبيسقط أي بنت تحاول تتقرب منه بضحكة ولا كلمتين حلوين، كان بالنسباله البنات دول جايين يتمرقعوا مش يتعلموا قانون. دخلت المدرج متأخرة شوية، لابسة شنطتها على كتفها وماسكة الكتاب كأنها ماسكة سلاح، وهو واقف على المنصة بيبص للطلبة بنظرة تخلي الواحد يبلع ريقه، قالها بكل برود اتفضلي يا أستاذة احنا بدأنا من عشر دقايق، قالتله بمنتهى البجاحة آسفة يا دكتور الطريق كان زحمة وبعدين المحاضرة لسه في أولها يعني مخسرناش كتير، المدرج كله سكت كأن حد رمى فيه قنبلة، محدش قبل كده رد على دكتور ممدوح بالشكل ده. من اللحظة دي الحرب قامت، كل محاضرة رقية تقعد في أول بنش وتناقشه في كل كلمة، يقول المادة الفلانية بتقول كذا تقوله بس يا دكتور فيه ثغرة هنا، يقولها القانون مفيهوش ثغرات يا آنسة، ترد تقوله القانون اللي مفيهوش ثغرات ده يبقى قرآن مش قانون من صنع البشر، الطلبة يضحكوا وهو وشه يحمر من الغيظ، بقت بالنسبة له شوكة في زوره، وبالنسبة ليها بقى تحدي لازم تكسبه. صاحبتها مها كانت كل شوية تقولها يا بنتي لمي الدور ده ممكن يسقطك بجد، ورقية تضحك وتقولها يسقطني؟ هو فاكر نفسه مين، أنا حافظة الكتاب صم، وصاحبتها التانية صفا اللي كانت هادية وبتحب تذاكر في صمت كانت بتقولها الدكتور ممدوح مش سهل ده لو حط حد في دماغه بيجيبه الأرض، بس رقية مكنتش بتسمع كلام حد. جه يوم المناقشة الكبيرة، دكتور ممدوح كان عامل مناظرة بين الطلبة عن قضية قتل، ورقية وقفت قدامه وقعدت تفند كل كلامه حتة حتة، جابتله سوابق قضائية هو نفسه مكنش فاكرها، قلبت المناظرة لمسرحية وهي البطلة، والمدرج كله صقف لها، هو سقف كمان بس تصقيفه كان بارد زي التلج، وقالها برافو يا أستاذة رقية شكلك هتبقي محامية شاطرة لو عديتي من مادتي، والجملة دي كانت تهديد صريح. أيام الامتحانات جت، رقية دخلت مادة القانون الجنائي اللي بيدرسها ممدوح وهي واثقة مليون في المية إنها هتجيب امتياز، حلت كل الأسئلة وكتبت إجابة نموذجية تخلي أي دكتور ينبهر، وطلعت تقول لمها وصفا أنا ضمنت الامتياز خلاص. النتيجة ظهرت، راحت تشوف اسمها في الكشف، لقت نفسها جايبة ضعيف، ضعيف يعني ساقطة، الدنيا لفت بيها، راحت لمكتب الدكتور ممدوح وهي بترتعش من الغضب، خبطت الباب ودخلت من غير ما تستأذن، قالتله انت سقطتني ظلم، أنا حاله كويس جدا، قالها بكل برود القانون بيقول إنك ساقطة، يبقى انتي ساقطة، قالتله قانون ايه اللي بتتكلم عنه ده قانونك انت مش قانون الكلية، انت بتعاقبني عشان بناقشك، انت دكتور عنيد ومريض بالسلطة، هو قام وقف وقالها اطلعي بره مكتبي ولو عليتي صوتك تاني هعملك مجلس تأديب. رقية خرجت بتعيط بس دموعها كانت دموع غضب مش ضعف، راحت على طول لكرم، كرم ده كان معيد شاب في الكلية وبيحب رقية من بعيد لبعيد، وكان دايما يقولها انا معجب بعنادك ده، قالها مالك، حكتله كل حاجة، كرم قالها بصي يا رقية دكتور ممدوح عامل كده مع بنات كتير قبلك، بس محدش قدر يثبت حاجة عليه عشان هو مسنود من ناس تقيلة، بس أنا هساعدك نجيب ورقة إجابتك ونصورها. راحت رقية مع مها وصفا ودوروا على ورق الإجابة في الكنترول، وبالصدفة لقوا ورقتها مرمية ومتعلم عليها باستهتار، الدرجات اللي تستحقها متشال منها كتير، صوروا الورقة بالموبايل، وهنا رقية قررت إنها مش هتسكت، راحت كتبت شكوى طويلة عريضة وقدمتها للعميد، العميد كان راجل محترم اسمه دكتور عبد المنعم تشابه أسماء مع أبوها، وكان معروف عنه العدل. العميد استدعى دكتور ممدوح، وقاله فيه طالبة بتشتكي إنك ظلمتها، ممدوح ضحك وقال طالبة فاشلة وبتتلكك، بس العميد لما شاف صور ورقة الإجابة وشه اتغير، وقال لدكتور ممدوح انت بقالك كام سنة بتستغل سلطتك، أنا جايلي شكاوي كتير منك بس مكنتش بلاقي دليل، المرة دي الدليل معايا. الجامعة كلها اتقلبت، الطلبة عملوا هاشتاج على الفيس بوك باسم دكتور العناد، بنات كتير طلعت تحكي قصصها معاه، إنه كان بيتعمد يحرجهم ويقل منهم، وإن فيه بنت سابت الكلية بسببه، الحكاية كبرت وبقت رأي عام جوه الجامعة. عبد المنعم أبو رقية لما عرف جه الجامعة وهو لابس جلبيته البيضا، ودخل على العميد وقاله بنتي مش بتاعة مشاكل بنتي بتدور على الحق، وانا مربيها على كده، ولو بنتي ليها حق هاخده حتى لو من بوق الأسد. دكتور ممدوح لقى نفسه محاصر، لأول مرة يحس إنه ضعيف، طلب يقابل رقية لوحدهم، وافق العميد بس بشرط وجود كرم ومها كشهود، دخلت رقية وهو قاعد حاطط وشه في الأرض، قالها أنا آسف، أنا طول عمري عنيد وكنت فاكر العناد قوة، بس انتي علمتيني إن العناد لما يجي على حساب الظلم بيبقى ضعف، أنا كنت بشوف فيكي بنتي اللي ماتت، بنتي كانت عنيدة زيك وكانت بتناقشني وكنت بقسى عليها وفي الآخر عملت حادثة وماتت وملحقتش أقولها إني بحب عنادها، فبقيت أكره أي بنت عنيدة عشان بتفكرني بيها. رقية اتصدمت، لأول مرة تشوف دكتور ممدوح بني آدم مش مجرد مكنة بتدي درجات، عيطت غصب عنها، وقالتله الله يرحمها بس ده مش مبرر تظلم بنات الناس، قالها عندك حق وأنا مستعد أصلح غلطتي، هعيد تصحيح ورقتك بنفسي قدام العميد. فعلا الورقة اتصححت وجابت رقية امتياز، والعميد ادى لدكتور ممدوح جزاء وإنذار شديد اللهجة ومنعه من وضع امتحان مادته لوحده لمدة سنتين، بس الأهم إن دكتور ممدوح اتغير، بقى يسمع للطلبة، وبقى يضحك أحيانا، وبقى لما رقية تناقشه يبتسم ويقولها لسه عنيدة يا رقية، تقوله ولسه هفضل عنيدة يا دكتور، وبقت العلاقة بينهم علاقة أب وبنته، وفي حفلة التخرج طلعت رقية تتكلم باسم الدفعة، وشكرت أبوها عبد المنعم اللي علمها متسكتش على الظلم، وشكرت صحابها مها وصفا وكرم اللي وقفوا جنبها، وشكرت دكتور ممدوح اللي علمها إن القانون مش مجرد كلام في كتب القانون رحمة قبل ما يكون عقاب، وإن العناد لو اتحط في الحق بيبقى أجمل حاجة في الدنيا، وإنها اتعلمت إن أكبر قاضي ممكن يحكم على الإنسان هو ضميره، وإنها عمرها ما هتنسى المحاضرة الأولى اللي دخلتها متأخرة وخرجت منها شايلة قضية كبيرة قضية إثبات نفسها، والقاعة كلها صقفت بحرارة وممدوح كان واقف يصقف ودموعه في عينيه لأنه أخيرا لقى بنته اللي ضاعت منه في رقية. بعد الحفلة مها خدت رقية على جنب وقالت لها شوفتي بقى العناد ساعات بيودي لحتة حلوة، صفا حضنتها وقالت لها انتي كنتي بطلة بجد، كرم بقى كان واقف بعيد مستنيها، قرب منها وقال لها انا كنت واثق إنك هتكسبي، عبد المنعم أبوها دموعه نزلت وهو شايف بنته لابسة روب التخرج، قال لها رفعت راسي يا بنت عبد المنعم، رقية بصت لممدوح اللي كان ماشي لوحده، راحت وراه وقالت له يا دكتور ممكن أطلب منك طلب، قال لها اطلبي، قالت له خليك دايما فاكر إن ورا كل طالبة عنيدة حكاية، وورا كل عناد خوف من الظلم، ضحك وقال لها حاضر يا أستاذة رقية، ومن يومها بقت قصة رقية ودكتور العناد بتتحكي لكل دفعة جديدة داخلة الكلية، قصة بنت عنيدة وقفت قدام دكتور فاكر نفسه فوق القانون، وقصة دكتور اتعلم إن الرحمة هي أساس العدل، وإن القانون من غير إنسانية يبقى سجن كبير، والكل بقى يتعلم منها إن الحق لازم يتقال حتى لو الصوت اترعش، وإن العناد في الحق مش عيب. رقية بعد ما خلصت الجامعة فتحت مكتب صغير جنب بيت أبوها عبد المنعم وكتبت عليه مكتب رقية للمحاماة والاستشارات القانونية، وكانت أول قضية تجيلها لبنت زميلتها كانت بتتظلم من دكتور تاني، مها بقت تشتغل معاها سكرتيرة ومديرة أعمال، صفا كملت دراسات عليا وبقت دكتورة صغيرة في الكلية، وكرم اللي فضل يحب رقية بجنون طلب إيدها في يوم وكان رده عنيد زيها، قال لها تتجوزيني، قالت له لو وعدتني تفضل عنيد في الحق هتجوزك، وافق واتجوزوا وعملوا فرح بسيط حضره دكتور ممدوح بنفسه وكان قاعد جنب عبد المنعم بيضحكوا سوا، ممدوح بعد اللي حصل بقى يدي محاضرة كل أول سنة اسمها العدل والرحمة، يحكي فيها قصة رقية لكل الطلبة الجداد عشان يعرفوا إن الدكتور مهما كان قوي ممكن يغلط، وإن الطالب مهما كان صغير ممكن يصلح الغلط، وكان بيقول لهم أنا كنت دكتور العناد ودلوقتي بقيت دكتور بيتعلم من عنادكم، الكلية كلها اتغير جوها، الطلبة بقوا يناقشوا بحرية والدكاترة بقوا يسمعوا بقلب مفتوح، ورقية كل ما تفتكر الأيام دي تضحك وتقول سبحان الله محاضرة واحدة غيرت حياتي كلها، من بنت داخلة متأخرة لبنت واقفة على منصة التخرج بتتكلم عن الحق، وهي عارفة إن رحلتها لسه بتبدأ وإن القانون طريق طويل محتاج نفس طويل وعناد جميل. وزي ما عبد المنعم كان بيقول لها زمان، الحق صوته عالي حتى لو حاولوا يسكّتوه، ورقية فضلت شايلة الجملة دي في قلبها طول عمرها، بقت كل ما تدخل محكمة تفتكر نظرة أبوها وفخره بيها، وتفتكر مها وصفا اللي كانوا سندها، وتفتكر كرم اللي آمن بيها، وتفتكر حتى دكتور ممدوح اللي كان سبب في قوتها، وعرفت إن العناد لما يكون في الخير بيبني بيوت وبيغيّر مصاير، وإن البنت اللي بتدافع عن حقها عمرها ما بتخسر أبدا مهما حاولوا يوقعوها، وإن العدل محتاج حد عنيد يطالب بيه كل يوم من غير ملل والنهاية كانت بداية جديدة جميلة لكل الأبطال وفرحة كبيرة لا توصف لكل الناس اليوم وكل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *