حكايات رشا خالد الرابع

مرت أسابيع على صدور الحكم النهائي ضد أحمد بالسجن المشدد خمس سنوات، وحكم طلاقي للضرر الذي استرددتُ به حريتي المسلوبة. كانت الشقة التي طالما شهدت على عشر سنوات من زواجي الخالي من الصدق قد أُغلقت تماماً، ووُضعت عليها الشمع الأحمر بقرار من النيابة لاستكمال إجراءات الحجز والتحفظ على الممتلكات لصالح رد المبالغ المستولى عليها.
لكن الصراع لم ينتهِ تماماً عند جدران السجن. فبينما كان أحمد يقضي أيامه الأولى خلف قضبان السجن العمومي، كانت الذيول التي تركها خلفه تحاول العبث في الخفاء. في صباح يوم حديدي البرودة، كانت أمي تجلس معي في صالة بيت عائلتي، تحاول أن تخفف عني بكلماتها الحنونة وتدعوني للبدء من جديد والتفكير في حياتي وصحتي. وفجأة، رن هاتف البيت الأرضي. رفعت أمي السماعة، ولم تمر ثوانٍ حتى تبدلت ملامح وجهها إلى الوجوم والضيق، ثم مدّت لي السماعة وهي تقول بصوت خفيض: — دي نهى يا مريم… بتقول لازم تكلمك. ترددتُ لحظة. نهى التي كانت الخنجر الثاني في ظهري، والتي نالت جزاءها أيضاً بالخروج من هذه الخديعة بلعنة الفضيحة وخسارة كل شيء. رفعت السماعة وقلت بصوت جاف وخالٍ من أي تعاطف: — خير يا نهى؟ عايشة ليه بتتصلي بيّا تاني؟ القضية وانتهت، وأحمد بيقضي عقوبته. جاءني صوتها من الناحية الثانية متقطعاً ومصحوباً ببكاء مكتوم وخائف: — مريم… أرجوكِ ما تقفليش السكة في وشي. أنا مش بتصل عشان أطلب منك تسامحيني أو تتنازلي عن حاجة… أنا بتصل أحذرك! قطعتُ حاجبَيّ وقلت بحدة: — تحذريني من إيه؟! قالت نهى بنبرة مذعورة: — سمر… أخت أحمد! سمر ما سكتتش يا مريم. بعد ما النيابة بدأت تتحفظ على الحسابات البنكية اللي باسمها والشقة اللي كانت مكتوبة باسمها من فلوسكم، أتجنت تماماً. سمر اتصلت بيا إمبارح بالليل وهي فاكرة إننا لسه في خندق واحد، وكانت بتتكلم بغل مش طبيعي. بتقول إنها مش هنسيبك تهني بالحكم، وإنها بتجهز بلاغ كاذب وشكوى كيدية ضدك وضد أخوكي عمر في مكان شغلك وفي نيابة الأموال العامة! ابتسمتُ بسخرية واستخفاف: — شكوى كيدية؟! وبلاغ بإيه إن شاء الله؟ ما خلاص كل المستندات والتحريات والطب الشرعي أثبتوا التزوير والنصب على أحمد وعليها! ردت نهى بسرعة وخوف: — هي وجوزها اتفقوا مع محامي فاسد، وبيحاولوا يصنعوا إيصالات أمانة مزورة بتوقيعات قديمة ليكي ولعمر، بيمدوا تاريخها لسنة 2019، وبيقولوا إن الفلوس اللي أحمد أخدها وحولها لسمر كانت مديونية سابقة على أخوكي عمر ليهم! عايزين يلخبطوا الأوراق ويجبروا عمر ويتنازل عن قضايا التحفظ وعن تتبع الأموال مقابل إنه يسحب الإيصالات دي! شعر رأسي وقف من حجم القذارة والغل الذي يسكن هذه العائلة. لم يكتفوا بضياع عمري وحملي وتزوير أوراقي، بل كانوا يريدون جرف أخي الوحيد الذي كان سندي إلى قاع أوحالهم الكاذبة! قلت لنهى بثبات ورأس مرفوع: — شكراً إنك بلغتيني يا نهى… بس قولي لسمر إن اللعبة اللي عملها أخوها وأتمسكت بيها، هي هتقع فيها أسرع مما تتخيل! قفلت السماعة، وعلى الفور اتصلت بأخي عمر وبالأستاذ رفعت المحامي. التقينا في نفس المساء في مكتب المحامي، وحكيت لهما كل ما دار في المكالمة. الأستاذ رفعت لم يتفاجأ؛ بل شبّك أطراف أصابعه وقال بهدوء الواثق من خطواته: — المحاولات الكيدية دي متوقعة جداً من أطراف مزنوقة في الزاوية وبترفض الخسارة. بس سمر وجوزها غافلين عن نقطة جوهرية… النيابة العامة لما تحفظت على حساباتها، أخدت “تفريع كامل” لكافة التحويلات البنكية وتوارخها وربطتها بالحساب المشترك بينك وبين أحمد! أي إيصال أمانة يدّعوا إنه بين عمر وبينهم بتاريخ قديم، هيُعتبر فوراً جنحة تزوير جديدة وتقديم مستندات مزورة للسلطات القضائية، وبدل ما تكون سمر شريكة في النصب بس، هتوجه لها تهمة التزوير واستعمال محررات مزورة زي أخوها بالظبط! عمر خبط إيده على الطاولة وقال بغضب حاسم: — أنا مش هسيبهم يتنفسوا يا أستاذ رفعت. إحنا هنبادر فوراً ونقدم طلب رسمي للنيابة العامة بطلب حماية وشكوى استباقية بالتهديد والابتزاز، ونرفق فيه التسجيلات والمستندات! بالفعل، في اليوم التالي، قدم الأستاذ رفعت عريضة استباقية لرئيس النيابة الكلية، يشرح فيها محاولات عائلة المتهم أحمد لابتزازنا وتهديدنا بإيصالات كيدية لإجبارنا على التنازل عن إجراءات التحفظ واسترداد الأموال. ولم تمضِ أربعة أيام، حتى وردت أنباء صاعقة: النيابة استدعت سمر وجوزها لمواجهتهما بالتحريات النهائية حول أموال غسيل النصب. وعندما حاولت سمر التلميح بوجود مديونيات على أخي، واجهها وكيل النيابة بالتقرير البنكي الحاسم الذي يثبت أن كل قرش دخل حسابها كان محولاً مباشرة من الحساب المشترك بيني وبين أحمد أو مسحوباً كاش في أيام ولادات نهى!
انهارت سمر في التفتيش والتحقيق، ولم تستطع تقديم أي أصل لأي إيصال أدّعت وجوده، وأصدرت النيابة قراراً بضبط وإحضار جوزها، وتثبيت التحفظ المالي على كافة ممتلكاتها المدونة باسمها من أموالنا المسروقة. جلستُ في المساء في شرفتنا، وأنا أنظر إلى أنوار المدينة الممتدة. شعرتُ لأول مرة منذ سنوات طويلة أن كابوس الخوف والجهل قد انقشع تماماً، وأن كل من حاول التطاول على حقي أو استغلال طيبتي دفع الثمن كاملاً أمام العدالة. لكن خطوة واحدة أخيرة كانت تفصلني عن الإغلاق التام لهذه الصفحة السوداء: إعادة استثمار أموالي المتردة وبدء حياتي الجديدة مستقلة ومرفوعة الرأس. استعدتُ كافة أموالي ومستحقاتي المالية بفضل الله وقوة القانون. صدر قرار رسمي ونهائي من محكمة التنفيذ بمنحي كافة المبالغ المستردة من التحفظ المالي الذي كان مفروضاً على حسابات أحمد وأخته سمر، إلى جانب تسليمي كافة منقولاتي ومستحقاتي عن الطلاق للضرر. كان الموقف المالي قد حُسم، وأحمد يقبع خلف القضبان يقضي عقوبته بالسجن المشدد، بينما واجهت أخته سمر وجوزها عقوبات وتبعات قانونية قاسية إثر بلاغات النصب وغسيل الأموال الكيدية التي حاولا تدبيرها. لكن الصفاء النفسي والبدء من جديد كانا يتطلبان خطوة شجاعة أكبر من مجرد الانتصار في أروقة المحاكم. أدركتُ أن بقائي في نفس دائرة الذكريات القديمة، والانغلاق على ألم الماضي والحمل المفقود، لن يبني لي مستقبلاً. قررتُ أن أستثمر كل أرقامي وأموالي التي استرددتها بشرف في مشروع خاص طالما حلمتُ به وتخليتُ عنه سابقاً من أجل الاستقرار المزعوم مع أحمد. أسستُ بمساعدة أخي عمر مكتباً واستشارية متخصصة في الخدمات والتأمين الصحي والتنظيم الإداري للمؤسسات، مستفيدة من الخبرة والدروس القاسية التي مررتُ بها في تفاصيل الدفاتر والأوراق الرسمية. كان العمل بمثابة شريان حياة جديد، أعدتُ من خلاله اكتشاف نفسي، وثقتي، وقدرتي على الإدارة والوقوف على أرجلي دون الحاجة لرجل خائن أو سند هش. وفي أحد أيام العمل بعد مرور ما يقرب من عام كامل على القضية والحكم، كنتُ أجلس في مكتبي الجديد المليء بالنور والهدوء، أراجع بعض العقود والملفات. دخلت سكرتيرتي وقالت لي بنبرة مترددة: — أستاذة مريم… فيه واحدة بره مصرّة تقابلك، بتقول إن اسمها نهى، ومش هتمشي إلا لما تشوفك دقيقة واحدة بس. توقفتُ عن الكتابة. الاسم كان يحمل صداً بعيداً من الماضي البشع. تنفستُ بهدوء وقدرة على المواجهة وقلت: — خليها تدخل يا سمر. دخلت نهى. كانت مختلفة تماماً عن المرة الأولى؛ كانت ترتدي ملابس بسيطة وقورة، ووجهها يحمل ملامح التعب لكن مع قدر من السكينة والهدوء. لم تعد تلك المرأة الخائفة والمذعورة التي تعتمد على أموال الحرام. قفتُ أمام مكتبي، وبصيتُ لها بثبات: — خير يا نهى؟ نهى وقفت عند الباب، ولم تتقدم خطوة واحدة احتراماً لمكاني، وقالت بصوت هادئ ومكسور: — أنا مش جاية أطلب منك حاجة يا مريم… ولا جاية أفتح أوراق قديمة. أنا عرفت إنك فتحتي الشركة دي ونجحتي، وجيت بس أقولك إن حقك ورجوعك لذاتك كان الدرس الأكبر ليا في الحياة. سكتت لحظة وتابعت: — أنا تنازلت عن كل حاجة كانت بيني وبين أحمد، وأخدت ولادي ونقلت في مكان بسيط شغالة فيه بعرقي وحلالي. أحمد حاول يبعتلي رسائل من السجن مع محاميه عشان أسامحه أو أزور الولاد له، بس أنا رفضت تماماً وقطعت كل خيط يربطني بيه أو بالماضي البشع ده. أنا جيت أستأذنك وأقولك إني مسافرة أشتغل في المحافظة اللي فيها أهلي عشان أربي ولادي بعيد عن الفضايح… وأتمنى من قلبي إن ربنا يعوضك عن كل لحظة وجع اتسببت لكِ فيها. نظرتُ إليها مطولاً. لم أعد أشعر تجاهها بكراهية أو غل، بل بنوع من الشفقة على امرأة استُغلت هي الأخرى في لعبة رجل مريض بالانتهازية والجشع. قلتُ لها بهدوء ووقار: — ربنا يهديكي ويهدي سرك وياخد بإيدك عشان ولادك يا نهى. الولاد مالهمش ذنب… اتعلمي من اللي حصل وابني لهم حياة نظيفة ومستقيمة. أنا نسيت الماضي، والصفحة اتطوت بالنسبة لي للأبد. دموع خفيفة نزلت من عين نهى، وهزت رأسها بامتنان وقالت: — شكراً يا مريم… شكراً إنك علّمتيني يعني إيه ست قوية بجد. خرجت نهى وقفت الباب بهدوء خلفها. جلستُ على كرسيي، ونظرتُ من الشباك العريض للمكتب نحو الشارع والشمس المشرقة. شعرتُللحظة سلام داخلي عميقة لم أذقها طوال عشر سنوات. الخيانة والتزوير اللذان كانا كابوساً دمر حياتي في مكتب التأمين في ذلك اليوم، أصحبا السبب الأول في استرداد كرامتي، واكتشاف قوتي الحقيقية، والتخلص من سرطان كان ينهك عمري في الضلام. لكن الفصل الأخير والنهائي من هذه القصة كان يتبقى فيه مشهد واحد فقط: زيارتي الأخيرة والمواجهة التي طلبتها إدارة السجن بناءً على طلب إلتماس أحمد قبل ترحيله النهائي، المشهد الذي سأوضع فيه النقطة الأخيرة تماماً على حرف هذه الحكاية. توجهتُ إلى مبنى السجن العمومي بناءً على طلب رسمي أُرسل لي عن طريق الأستاذ رفعت؛ أحمد كان قد قدم التماساً أخيراً للمحكمة لتقليل مدة العقوبة، وكان شرط قبول النظر في الالتماس هو حضور الطرف المجني عليه وإبداء الرأي النهائي أمام قاضي تنفيذ العقوبات. لم أذهب خائفة، ولا مترددة، بل ذهبتُ بقلب ثابت وروح حرة شُفيت تماماً من أوهام الماضي. داخل غرفة المواجهة الهادئة في مبنى الزيارات الرسمية، جلس أحمد خلف طاولة خشبية. كان مقيد اليدين، يرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالمساجين، وجهه ذابل، شعره شاب بالكامل، وعيناه مكسورتان تفقدان أي بريق للغطرسة أو التلاعب الذي كان يمارسه طوال عشر سنوات. أول ما دخلتُ وجلستُ أمامه، انحنى بجسده وقدميه تترتجان، وقال بصوت خفيض ومبحوح يحمل كل أشكال الذل والاستعطاف: — مريم… أرجوكِ… أنا بقضي أيامي في جحيم. أهلي تخلوا عني، وشغلي ضاع، وسمعتي أتمسحت، ونهى أخدت الأولاد وغادرت وما بقاش ليّا أي حد في الدنيا. أرجوكِ قولي للقاضي إنك مش متمسكة بالبند الأخير عشان أقدر أخرج بعد نص المدة… أنا اتدمرت يا مريم. نظرتُ إليه بظاهر هادئ، وبصوت نقي خالي من أي نبرة انتقام أو حقد، قلتُ له: — أحمد… أنت متدمرتش بسببي، أنت اتدمرت بفضيلة أفعالك وأيديك. أنت عشت عشر سنين بتاكل في عرق اتنين، بتزور أوراق رسمية، بتستغل بياناتي، بتسرق صحتي وحملي واستقراري، وكانت عينك على فلوسنا وحقنا عشان تبني مجد كذاب لنفسك على أكتاف الناس اللي أمنوك على أرواحهم. دموعه نزلت على يديه المقيدتين بالحديد، وقال: — أنا آسف… والله العظيم ندمان… سامحيني عشان خاطر الأيام اللي بيننا. وقفتُ على قدمي بثبات، ورفعتُ رأسي ونظرتُ له من الأعلى، وقلتُ الكلمات الأخيرة التي ختمت هذه القصة للأبد: — المسامحة بينك وبين ربنا يا أحمد… أما القصاص والعدل، فده حق القانون وحق صحتي وعمري اللي ضاعوا. أنا مش هغير حرف في اعتراضي، ومش هتنازل عن أي بند في أحكام العدالة. أنا جيت هنا عشان أشوفك للمرة الأخيرة، وأتأكد إن الكابوس ده اتقفل، وإن كل ظالم بياخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة. تركتُه يبكي ويتوسل خلف الطاولة، وخرجتُ إلى قاعة قاضي التنفيذ. وعندما سألني القاضي عن رأيي في الالتماس، قلتُ بوضوح: “أنا متمسكة بتمام تنفيذ كافة الأحكام الجنائية الصادرة بحقه لحفظ حقوق المجتمع والحق الشخصي.” وقّع القاضي برفض الالتماس واستمرار حبس أحمد لمستحق عقوبته كاملاً. خرجتُ من باب السجن إلى النور، والشمس تملأ وجهي والدنيا ترحب بي من جديد. أعادت لي هذه التجربة حياتي، وكرامتي، ومستقبلي الذي بنيته بشرفي وعرقي. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *