اخت جوزي منى السيد الاول
فضلت متنحة في الكارت، الحروف بتتحرك قدام عيني كأنها بتلسع في نافوخي:
«لأغلى واحدة دخلت حياتي.. هانت، وهنكون سوا.»
الخط خط طارق، ونفس الحبر الأزرق اللي بيكتب بيه دايماً. بس الرعشة اللي مسكت إيدي المرة دي كانت رعشة كسر.. وجع حقيقي نزل في نص صدري. طقم دهب كامل؟ طارق اللي كل ما أقوله “يا طارق محتاجين علاج للحديد، يا طارق العيال كبروا ومحتاجين لبس للتوأم، الغسالة بتنزل مية”، كان يضرب كف على كف ويقولي: «حلي عن دماغي يا سمر، أنا بشقى ليل نهار ومش لاحق على مصاريف الأكل والشرب، إنتِ إيه مبتشبعيش؟»
نزلت على ركبي أكتر، البنطلون القطن شرب باقي الشاي اللي كان مدلوق على الأرض. رفعت الفاتورة بإيدين متلجة وبصيت فيها.. تسعة وسبعين ألف جنيه. من محل جوا المدينة. وتاريخ الشراء كان إمبارح العصر.
«ماما.. عصير!» صوت نور صحاني من الصدمة. بصيت للبنت، شعرها منكوش، وشها عليه بواقي عصير، والتوأم بيبصوا لي باستغراب من منظري وأنا قاعدة وسط الإزاز المكسور. أنا بقيت مهملة؟ أيوة.. بس مكنتش مهملة بمزاجي. الحمل كان تقيل، جسمي كان مهدود من ولادة قيصرية وراها توأم مكملوش سنتين، والأنيميا مخلية روحي طالعة في كل خطوة، وهو عمره ما مد إيده يشيل عني كباية، ولا قال كلمة طيبة تطيب الخاطر.
قمت وقفت ببطء، وجع ضهري شادد عليا، وبدأت أجمع خيوط مكنتش واخدة بالي منها. مروة أخته.. مروة لما دخلت الصبح، مكنتش داخلة صدفة، دخلت تبص على كل ركن، وراحت قعدت على الكنبة دي بالذات، ومدت إيدها ورا الضهر وهي بتعدل الشال. مروة هي اللي سابت العلبة هنا! وكلامها اللي كان بيقطر سم: «أخويا شكله متبهدل.. والبيت ده محتاج ست تنضفه.. ده الحيطان بتصرخ منك».
مروة مكنتش بتعاتبني عشان خايفة على أخوها.. مروة كانت بتجهز للمرحلة اللي جاية، وبتفرش لأخوها طريق الجوازة التانية!
رجعت العلبة القطيفة مكانها بالمللي، ورا الشلتة الهابطة جنب الحيطة، وزقيت وراها لعب التوأم عشان تبان متروكة ومحدش لمسها. مسحت الأرض، شيلت الإزاز بحذر في كيس وربطته، وغسلت وشي بمية ساقعة. بصيت لنفسي في المراية.. الشحوب مالي ملامحي، بس لأول مرة من سنين، حسيت إن الهمدان طار، وحل مكانه هدوء غريب بيوزن الأمور بعقل.
الساعة دقت خمسة المغرب.
المفتاح دار في الباب. دخل طارق، دقنه محلوقة، شعره متسرح، وريحة كولونيا قديمة كان راكنها في الدولاب فايحة منه. رمى كيس العيش على السفرة وطبس باس راس حمزة ونور: – «يا ساتر يا رب، الجو كتمة برا.. إيه يا سمر، مروة قالتلي إنها عدت عليكي لقتك نايمة ومبهدلة الشقة؟ حتى مقومتيش عملتيلها فنجان قهوة؟»
الكلام طلع منه سلس ومترتب، كأنه مجهز الهجوم من قبل ما يدخل عشان يبرر لنفسه اللي بيعمله. زمان كنت هقعد أعيط وأبرر تعبي والأنيميا، بس المرة دي رديت بصوت هادي وثابت: – «نور خبطت كوباية الشاي وقعت، ولحقت أنضفها.. مروة تنور في أي وقت.»
هو اتفاجئ من برودي، ضيق عينيه شوية كأنه كان مستني خناقة عشان يسيب البيت وينزل، بس لما ملقاش سبب، قال بتوتر: – «طب.. جهزيلي الغدا عشان واقع من الجوع، وعندي مشوار مهم كمان ساعة مع ناس أصحابنا ولازم أنزل.»
دخلت المطبخ أسخن الأكل، ووقفت عند طرف الباب الموارب أراقبه. شفته اتلفت حوالين نفسه، وبعدين وطي عند الكنبة، مد إيده ورا المسند وطلع العلبة القطيفة الحمرا. فتحها نص فتحة تحت النور، اتأكد إن طقم الدهب موجود، وحطها في جيب الجاكيت اللي كان معلقه على الكرسي، واتنفس بارتياح.
غرفت الأكل وخرجت. قعد ياكل مستعجل، وأنا واقفة قصاده باصة في صوابعه: – «مش هتاكلي يا سمر؟» – «ماليش نفس.. مشوار إيه ده اللي وراك على المسا؟»
اتلخبط للحظة، وحط اللقمة في بقه بسرعة: – «واحد صاحبنا.. بنقفل معاه حساب شغل عشان الورشة تفك أزمتها، قولتلك هانت أهو.. هانت والدنيا هتتعدل.»
«هانت.. وهنكون سوا».. نفس الكلمة اللي في الكارت.
نزل يجري بعد ما لبس الجاكيت واتشيك، ورزع الباب وراه.
أول ما خطواته بعدت، دخلت على أوضة النوم وجبت تليفونه القديم اللي سايبه مفصول، حطيته على الشاحن لحد ما فتح.. التليفون ده كان مربوط على نفس الإيميل والواتساب اللي شغال بيه على خطه التاني.
فتحت رسايل الواتساب.. وكان الشات مع “مروة”:
مروة: «يا طارق كتب الكتاب والشبكة الليلة عند المأذون… الحاج والد العروسة مش هيستنى أكتر من كده، الراجل بيستر بنته وجايبالك شقة مفروشة جاهزة ودافع تمن نص الورشة الجديدة.. كفاية بقى بهدلة مع سمر، أنت تستاهل ست بيت تقدرك.»
طارق: «أنا جبت طقم الشبكة وخبيته ورا الكنبة عندي زي ما قولتيلي لحد ما أنزل بيه الليلة.. بس خايف سمر تحس بحاجة أو تطلب الطلاق، هعمل إيه في العيال ومصاريفهم؟»
مروة: «سمر ست مهدودة وضعيفة ومبتقومش من السرير، هتعرف منين بس؟! أنت تتجوز في السر الأول كام شهر، ولما الأمور تستقر هنحطها قدام الأمر الواقع.. يا ترضى وتعيش، يا تطلب الطلاق وتسيب العيال وتمشي، وهي أضعف من إنها تفتح بقها.»
إيدي وقفت على الشاشة.. الزواج الثاني اللي بيتجهز على حساب صحتي، وبمباركة أخته اللي جاية الصبح تعايرني بإهمالي عشان تكسر عيني وتخليني أحس بالذنب!
قفلت التليفون وحطيته مكانه بهدوء تام. دموعي مكانتش نازلة.. كان فيه سلام داخلي عجيب بيمشي في عروقي.
قمت، غسلت وشي، وسرحت شعري ولميته، وشيلت فتافيت الصالة كلها في دقايق كأن التعب اتمسح. لبست عبايتي السودة وطرحتي، ونزلت خبطت على جارتي أم أحمد، أمينة ومخلصة وبتعزني: – «أم أحمد، معلش في الكلمة.. حمزة ونور في رقبتك لساعتين زمن، ورايا مشوار مهم لازم أخلصه.»
طلعت على الشارع، ركبت تاكسي، وهدفي لم يعد التتبع أو الشجار، بل توجهت مباشرة إلى محامي الأسرة لأعرف حقوقي القانونية وأبدأ في اتخاذ الخطوات الرسمية التي تحفظ حقوقي وحقوق طفليّ بهدوء وثبات بعيداً عن الانفعال.