اخت جوزي منى السيد الاول
فحت عيني بالعافية على صوت صريخ التوأم في الصالة. الشمس كانت خارمة الشباك، والجو خانق، لكن جسمي كان متسمر في السرير كأن صخرة تقيلة محطوطة فوق صدري. بصيت للملاية المجعدة والمخدات المرمية حواليّ، وغمضت عيني تاني وأنا بقول لنفسي بقلة حيلة:
– «مش قادرة.. هقوم بس عشان العيال ميموتوش في بعض.»
زحفت من السرير، ورجلي بتجرّ على البلاط من شدة الهمدان.
غسلت سنان حمزة ونور بالعافية، وحضرت لهم الفطار وأنا حاسة إن كل حركة بتسحب آخر ذرة طاقة في جسمي.
نص البيض المقلي اتفرك على السجادة، والعصير اتدلق على طرف الكنبة قبل ما التوأم حتى يبلوا ريقهم.
ولما خلصوا، رميت جسمي على الكنبة القديمة.
كان المفروض أقوم ألمّ اللي اتبهدل، لكني فضلت قاعدة.
دقيقة.. عشرة.. ساعة…مسكت الموبايل، وبدأت أسرح فيه بالساعات … مش عشان عندي حاجة مهمة أعملها..
كنت بهرب…بهرب من البيت، ومن العيال، ومن المواعين، ومن المطبخ، ومن نفسي…بصيت حواليا، وطلع مني اعتراف موجع: أنا بقيت ست مهملة.. ومبهدلة.
الصالة كراكيب فوق بعضها، لعب متكسرة في كل حتة، ورق متقطع، وهدوم مرمية، وريحة الزيت القديم طالعة من المطبخ وقافلة على نفسي…أوضة العيال كانت كابوس لوحدها.. جبل هدوم على السرير، شيلته من على الحبل من أسبوع ولسه مرمي مستني معجزة تطبقه.
أما التسريحة في أوضتي.. فدي كانت حكاية تانية.
كل ما ألمها، ألاقيها بعد ساعتين رجعت مزبلة تاني.
وأنا؟
أنا كنت أسوأ من البيت كله.
وشي شاحب، مرهق، وملامحي مطفية.
حتى نفسي مكنتش طايقة أبص لها في المراية.
مخزون الحديد عندي واصل لـ8، وجسمي كان حرفيًا بيصرخ من قلة الطاقة…آخر مرة اهتميت بشعري كانت من أيام، ووشي كنت بسيبه زي ما هو، لا عندي نفس أعتني بنفسي ولا حتى طاقة أقف قدام المراية دقيقتين.
وجوزي؟… كان عايش في كوكب تاني…لا كلمة حلوة تبل الريق، ولا نظرة فيها حنية، ولا حتى سلام دافي لما يدخل البيت…وجوده بقى زي غيابه، ويمكن أسوأ…كنت حاسة إني عايشة في سجن، معزولة عن العالم كله.
لا صحاب قريبين، ولا أهل حواليا، ولا حد أقدر أقول له:
«أنا تعبت.»
قمت بالعافية عشان أحط حلة على البوتاجاز…بصيت على طبقات الدهون المتراكمة عليه، واتنفست بضيق.
كنت عارفة إن البيت محتاج يوم كامل عشان يتلم، وأنا بالكاد قادرة أقف على رجلي.
وفجأة…الباب رن….رنة واحدة…وبعدها خبط مستعجل ومتواصل…قلبي وقع في رجلي…بصيت ناحية الساعة، وبعدين للمراية اللي في طرقة الشقة…اتصدمت من شكلي.
بجامة مبقعة، شعري منكوش، وريحة البصل طالعة من هدومي، ووشي باين عليه التعب لدرجة إني حسيت إني أكبر من سني بعشرين سنة.
قربت من الباب وفتحته مواربة…لقيت مروة، أخت جوزي.
واقفة قدامي بكامل شياكتها، شعرها متظبط، هدومها أنيقة، وبرفانها سبقها للشقة.
بصت لي من فوق لتحت، وابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
– «إيه يا سمر؟ كل ده نوم؟! وسّعي كده أدخل.»
دخلت من غير ما تستنى دعوة.
وعينها بدأت تعمل مسح راداري للمكان.
مرة على الأرض.
مرة على الكنبة.
مرة على المطبخ.
فتافيت البيض، اللعب المفركشة، الهدوم، الكراكيب…
حسيت كل نظرة منها بتجلدني.
همست: «ثواني.. هدخل أغير.»
جريت على الحمام…قفلت الباب ورايا، وبمجرد ما بصيت حواليا، لقيت نفسي على وشك العياط.
الحمام نفسه كان محتاج تنظيف.
قعدت أدعك الحوض والقاعدة بجنون، وإيدي بتترعش من الضعف.
غسلت وشي بسرعة، لمّيت شعري، وطلعت أمسح وأكنس الصالة في دقايق، وأنا نفسي مقطوع وصدري بيطلع وينزل كأني طالعة أجري…
مروة كانت قاعدة على الكنبة، حاطة رجل على رجل، ومستنياني. بصت حوالين المكان وقالت بنبرة مليانة لوم:
– «أخويا شكله متبهدل يا سمر.»
سكت….كملت وهي بتبص على الأرض:
– «والبيت ده محتاج ست تنضفه.. إنتِ مش شايفة نفسك وصلتي لإيه؟ ده الحيطان نفسها بتصرخ منك.»
حسيت الكلمة نزلت على صدري زي الحجر…لكن بلعتها.
زي ما بلعت قبلها كلام كتير…قعدت قدامها، صبيت لها الشاي، وفضلت ساكتة…هي شربت، وأنا كنت بعدّ الدقايق لحد ما تمشي…وبالفعل، بعد شوية قامت.
لبست شنطتها، وبصت لي نظرة أخيرة من فوق لتحت، وبعدين خرجت.
قفلت الباب وراها…وسندت ضهري عليه…أخيرًا..
نفسي خرج…لكن ماكملتش ثانيتين.
نور خبطت كوباية الشاي من على الترابيزة.
وقعت على الأرض واتكسرت.
مية الشاي سالت على البلاط، والزجاج اتناثر في كل حتة.
وقفت مكاني وأنا حاسة إن أعصابي كلها انتهت.
بصيت للزجاج…وبعدين بصيت لنور.
وبدون ما أقول كلمة، نزلت على ركبتي.
بدأت ألم الإزاز بإيدي، والدموع نازلة على وشي.
مش عارفة أنا بعيط على الكوباية..
ولا على البيت..
ولا على نفسي.
وبينما كنت بلم آخر قطعة إزاز، لمحت كام لعبة اتزحلقت ورا الكنبة بسبب الطرطشة.
مديت إيدي عشان أطلعها.
إيدي دخلت في الضلمة ورا المسند.
لمست حاجة ناشفة.
وقفت…جسمي كله اتشد…رجعت ألمسها تاني.
علبة…سحبتها باستغراب…كانت علبة قطيفة حمراء، شيك ونضيفة بشكل غريب، كأنها اتحطت هناك من وقت قريب جدًا.
بصيت ناحية باب الشقة.
..وبعدين بصيت للتوأم.
قلبي بدأ يدق بسرعة…فتحت العلبة بإيد بتترعش.
وتجمدت مكاني