مراتى بتكلم اربعه حكايات منال عباس

حصرى لبيدج روايات منال عباس
الاول
أنا اسمي “محمود”، شاب لسه متجوز بنت عمي “سارة” بقالي حوالي سنة، والدنيا كانت ماشية لحد ما اكتشفت مصيبة: مراتي بتكلم على التليفون أربعة شباب. الصدمة نزلت على دماغي زي القلم، ومن كتر الغضب رميت عليها يمين الطلاق في ساعتها.
لما قعدت أهدى وأفتش ورا الموضوع، لقيت إن في تلاتة منهم الكلام معاهم عادي، هبل بنات وبيهزروا وكلام ممكن يتقال مع أي زملاء أو صحاب. لكن الرابع ده اللي اسمه “كريم” كان حاجة تاني خالص؛ كلامه معاها كان مختلف، فيه حب ومشاعر، وصوت وطريقة أكيد مش مجرد زمالة، وإن كان مفيش تجاوزات خارجة أو كلام بذيء. والأغرب إنها بتكلمهم من قبل الجواز، ويمكن من قبل الخطوبة كمان! واللي فضح الدنيا وعرفني الحوار ده كله هو كريم نفسه، هو اللي كان السبب الأساسي إن أمره يتكشف قدامي.
ومن ساعة ما اللي حصل حصل والدنيا مقلوبة، أمي الحاجة “زينب” قاعدة زنّة في وداني: “يا ابني رد مرتك، دي بعد اللي حصل وكسرة نفسها دي استحالة تفكر تعمل كدا تاني طول عمرها، دي هتبوس ايدك تعيش معاك وهتفضل تحبك ومكسورة خاطرة ليك طول العمر. ده غير إنها حامل، وعشان اللي في بطنها استر عليها وجبر بخاطر أهلك اللي متشالين من الهم”.
حتى عمي “صلاح”، قريبنا من أهل الدين والتقوى، قعد معايا وقال نفس الكلام بالحرف: “كلنا بنغلط يا ابني، وهي لسة صغيرة وغلطت، وكل بني آدم خطاء، وفكر في الجنين اللي ملوش ذنب واللي في بطنها”.
لكن أنا من ناحيتي… نفسي مش قابلة خالص. مش عارف أقبل أرجعها ولا قادر أبلع اللي عملته. والمشكلة الأكبر اللي مأرقاني ومخلية وشي في الأرض إن في اتنين من ولاد عروستي، “إسلام” و”أحمد”، عرفوا بالموضوع وغصب عني سيرتي بقت على كل لسان بينهم. مش عارف منظري قدامهم بقى عامل إزاي، وحاسس إنهم بيبصولي بصة غريبة، والأعظم من كدا إني خايف يكون كريم أو الباقيين أصلاً حكوا لصحابهم والقصة بقت في الشارع وكل الناس بتتكلم علينا من ورا ظهري.
قاعد بين الهنا والشقا؛ أسمع كلام أمي وعمي صلاح وأستر على اللي في بطنها وأرجعها وأمري لله، ولا إكراماً لكرامتي وسمعتي اللي هتيجي الأرض قدام إسلام وأحمد وقرايبي؟
قعدت مع نفسي وأنا ماسك دماغي اللي هتتشفشف من كتر التفكير، ولسه هاخد القرار النهائي وأقول “يا رجوع يا طلاق للأبد”، ولقيت تليفوني بيرن برقم غريب… فتحت، فسمعت صوت من الناحية التانية بيقولي جُملة واحدة بس قلبت ترابيزة القصة خالص وجمدت الدم في عروقي: “لو فاكر إنك عرفت الأربعة بس، تبقى لسه ما تعرفش مرتك بتخونك مع مين غيرهم ومن امتى!”
الصوت كان حاد، وفيه نبرة سخرية وتحدي خلتني أتنفض من مكاني زي المكهرب. بلعت ريقي بصعوبة وعينيا شاخصة في التليفون، وصوته رجع هزني تاني وهو بيقول ببرود: “مش هطول عليك.. أنا واحد من اللي كانوا معاه على الشات القديم، وبعت لك الأسرار عشان تفتح عينك.. اللي في بطنها ده مش ابنك يا محمود، واللي مخبياه عنك أكبر بكتير من الأربعة دول!”.
قفلت السكة في وشه وأنا حاسس إن الأوضة بتلف بيا والدنيا ضلمت قدامي. الكلام نزل على دماغي زي الصاعقة، ونساني هم الطلاق والمكسور والعيال قرايبي اللي كانوا شاغليني. هل فعلاً سارة ضحكت عليا التضحية الكبيرة دي؟ والجنين اللي في بطنها.. هل ممكن يكون حقيقي مش مني زي ما البجح ده بيقول، ولا دي حرب أطراف تانية عاوزة تخرب بيتي وبس؟
جريت على الباب وفتحت الشقة ونزلت زي المذعور على أمل ألحق أجمع خيوط الحكاية قبل ما تضيع مني، وطلعت على بيت أهلها وعربيتي بتمشي بيا جنون على الطريق. وصلت ودخلت عليهم زي العاصفة، لقيتها قاعدة مع أمها في الصالة مكسورة وبتعيط، وأول ما عينها جت في عينيا.. نظرة الخوف اللي في عيونها أكدت لي إن اللي جاي أخطر بكتير من اللي عرفته!حكايات منال عباس
بصيت لها بنظرة كلها غل وقهر، ولقيت أبوها وأخوها طالعين لي من جوه باستغرب ومنظرهم مكسور، أبوها قال لي بصوت مهزوز “خير يا محمود، جايه في نص الليل كده ليه؟”، معرفتش أنطق ولا أرد، حسيت إن لساني اتقطع وكل الكلام هرب مني، وقبل ما أفتح بوقي وأهب فيهم، موبايلي رن تاني في جيبي ونفس الرقم الغريب ظهر قدامي، فتحت السبيكر قدام الكل وأنا عيوني في عينها، وطلع صوت الشاب من التليفون وهو بيقول بكل برود “طالما جيت لحد عنده، اسألها مين اللي كان بيبات معاها في الشقة قبل الفرح بأسبوعين، وساعتها هتعرف ابن مين اللي في بطنها بجد!”. حكايات منال عباس
الكلمة نزلت على الكل زي الصاعقة اللي فرجت الحيطة، أبوها وقعت اللقمة من إيده، وأخوها اتعصب وهجم عليا مسكني من ياقي قميصي وهو بيزعق “أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟ بتتبلى على غلابة؟”، وأنا مكنتش أقل جنون منه زقيته بعنف لحد ما خبط في الحيطة وبصيت لسارة اللي وشها جاب ألوان الطيف واتخفت كل الوان الدم منه وبقت صفرا زي الج/ثة، وقعدت تعيط بحرقة وتقول بصوت مهزوز “ده كداب.. والله كداب وعايز يخرب بيتي”، بس عيونها المكسورة وارتعاشة إيديها كانت بتفضحها والتوتر اللي كاشف نفسه في نظراتها أكدلي إن المصيبة أطخم بكتير من مجرد شات أو مكالمات، وفجأة الموبايل رن للمرة التالتة من نفس الرقم وبنفس البرود، فتحت السبيكر والكل كان مستني على أخرهم، وطلع صوت الشاب وهو بيقول بكل تحدي وشماتة “لو مش مصدقني اسألها عن الدهب والمصاغ اللي باعته لواحد صحبي في وسط البلد عشان تسد بيه ديونه، وساعتها هتعرف إنها مش بس خايناك، دي باعتك عشان عيون غيرك”، والكل اتجمد في مكانه والكل سكت وسابونا وسط صمت رهيب يقطع السك/ينة.
أبوها بص لها بعيون تايهة وصوت مكسور كأنه بيترجاها تنطق وتكدب الكلام ده، وقالها بصوت عالي “انطقي.. الدهب فين يا سارة؟ فين دهب شبكتك اللي جيبهالك بدم قلبي؟”، وسارة انهارت أكتر ووقعت على ركبتها في الأرض وبقت تعيط بصوت مجروح وقالت “غصب عني.. والله غصب عني كان مهددني”، وهنا أخوها اتهستر وضربها بالقلم على وشها وخلى الدنيا تلف بيها، وموبايلى رن برقم كريم نفسه المرة دي، رديت وأنا حارقني الدم، وسمعته بيقول بصوت كاشف وواثق “اللي غصبها مش أنا يا محمود، اللي مهددها بجد واقف جنبكم جوه البيت وساكت لحد دلوقتي!”حكايات منال عباس
الكلمة نزلت على الكل زي صاعقة تانية هدمت اللي باقي من البيت، أبوها بص حواليه بصدمة وأخوها كف إيده وقف في الهوا، وأنا لفيت ضهري بسرعة وبصيت لعمي “صلاح” اللي كان واقف في ركن الصالة حاني ضهره ومبلوع لسانه، السكون المريب اللي ملا المكان اتكسر بصوت كريم من التليفون وهو بيكمل ببرود وتشفى: “اسألوه.. عمك صلاح هو اللي كان كاتم السر وحاميها، وهو اللي قبض تمن سكتنا كلنا عشان مصالحه”، بصيت لعمي بصدمة وعيني بتطلع شرار، ولقيت شفايفه بترجف ومش قادر ينطق بحرف واحد يكدب بيه الكلام ده، وسارة انهارت أكتر ووطت على رجله بانهيار وعياط هستيري وهي بتقول “خلاص يا عمي الفضيحة ظهرت.. قول لمرتضى وجوزي الحقيقة كاملة بقى!”.
عمي صلاح بلع ريقه بصعوبة ووشه اصفر كأن الموت نط فوق رقبته، وبص لأبوه وأخوها اللي كانوا واقفين زي المصدومين مش فاهمين حاجة، وفجأة اعترف بكل بجاحة وقال بصوت مرتعش “آه.. كنت بساعدها عشان خايف تفضح العيلة، وهي كانت بتديني جزء من اللي بتجيبه عشان أستر عليها!”، الكلام نزل زي النار في قش، وأخوها هجم عليه زي القطر ووقعوا الاتنين على الأرض خناقة وضرب مبرح، وسارة صرخت بأعلى صوتها كأن روحها بتطلع، وأنا وقفت مكاني حاسس إن دماغي هتنفجر من كتر اللي شوفته، وموبايلي رن للمرة الأخيرة برقم غريب تاني، فتحت وسامع صوت حد بيقولي ببرود “اللي خباك من السر الأكبر يبقي خايف من اللي جاي.. مرتك مش بس خانتك، دي كاتبة كل حاجة بأساميك باسم الراجل الحقيقي!”. حكايات منال عباس
الصوت في التليفون كان قاطع وواثق لدرجة خلتني أحس إن الدنيا بتتهد فوق دماغي بالكامل، ولسه الحروف مهجوسة في وداني، لقيت باب الشقة بيخبط بعنف والبوليس واقف على البراة ومعاهم ورقة رسمية وقرار ضبط وتفتيش، وطلع إن “كريم” وكل الشلة اللي كانت متورطة اتقبض عليهم في قضية نصب وابتزاز كبرى، والتحقيقات كشفت إن سارة مش بس خانتني وضحكت عليا، دي شاركتهم في شبكة لسرقة وتزوير عقود وممتلكات، والعقود اللي كانت كاتباها دي كانت بتنقل جزء من أملاكي واسمي لشخص تاني عشان تورطني في مصيبة أكبر بكتير من مجرد خيانة زوجية، وفي وسط كل الليلة دي، النيابة خدت الكل، وسارة نزلت مكسورة وهي بتتحمل حصاد عمايلها السواد، وأنا واقف وسط الحطام ده كله حاسس إن ربنا نجاني من قنبلة موقوتة كانت هتدمر حياتي ومستقبلي للأبد.
العبرة:
الخيانة مش مجرد غلطة بتعدي، دي سرطان بيحفر في أساس البيوت، واللي يبني حياته على الكدب والغش مصيره يقع وينكشف مهما طال الزمان. والاستعجال في الجواز من غير سؤال كويس وتدقيق في الأخلاق بيجيب ندامة العمر، بس نجاة الإنسان من ظالم وتستره بستر ربنا في الوقت المناسب دي أكبر نعمة، والرب ضارة نافعة، لأن اللي يبدأ بباطل مصيره ينتهي بفضيحة.
تمت