دكتورة فاطمه بقلم منال عباس

أنا “فاطمة”، دكتورة عنده ٢٨ سنة، شابة على خلق ودين، شغالة في مستشفى حكومي كبير وناجحة في شغلي. في يوم من أيام الشغل العادية، دخل حياتي “دكتور يوسف”، زميلنا في المستشفى، عنده ٣٢ سنة، ملتحي وعليه سيما التدين والوقار والالتزام، باين عليه النور والسكينة من أول نظرة.
من أول يوم ليا في القسم، حسيت إن “يوسف” مرتبك ومش على بعضه، رغم إنه لسه متعرفش عليّ ولا بينا كلام سابق. في آخر اليوم، جه شكرني واعتذر عن حاجات غريبة مش في ببالي أصلاً، وكأنه كان بيدור على أي حجة عشان يفتح معايا كلام. بعدها بيومين، فاجئني وصارحني بنيته الصادقة إنه عاوز يتقدم لخطبتي، وقالي إنه بيدور على عروسة بأخلاقي واحتشامي وديني، وإنه حس من أول لحظة إني الإنسانة اللي بيدور عليها.
لكن كلامه مخلصش عند الحدود دي؛ كمل وقالي بصوت مكسور: “يا دكتورة فاطمة، يمكن بنظرك وبنظر أهلك والناس أكون غير مناسب، لأني متزوج وعندي أطفال”. وقعد يحكيلي قصة حياته المريرة: إنه كان متزوج في بداية تخرجه من طبيبة منتقبة خطبها لدينها ومشافش وشها غير بعد العقد، لكن مع مرور سنتين أو تلاتة، اتغيرت ١٨٠ درجة، خلعت حجابها، وبقت تعانده وتدعو ضده، وسبتله البيت وبينه وبينه منها ولد وبنت. وبعدها اتجوز تاني من تلات سنين من ربة بيت طيبة من محافظة تانية، وأسكنها هناك عشان تكون جنب أمها المريضة ترعاها، وعنده منها بنوتتين.
والحلوة بقى إنه جاي يطلبنّي أنا التالته، وعارض إنه يسكنني في محافظة تانية بعيد عنهم خالص، ومستعد يعمل أي حاجة في الدنيا عشان يفوز بيّ ويكون نصيبي، ومتمسك بيّ لدرجة الجنون.
أنا طبعاً اتصدمت، وواجهته برفض أهلي الحاسم للموضوع، وطلبت منه يقطع أي تواصل بيننا احتراماً لنفسي ولأهلي. هو استجاب في الأول، بس مكملش كام يوم ورجع اتصل بيّ وهو بيبكي وبيطلب مني الدعاء، وقالي نتوسل لربنا يهيئ لنا الأمر وياخد بالأسباب، وقالي إنه بدأ يدور على ناس كبار وأشخاص محترمين يقدروا يتدخلوا ويأثروا على أهلي عشان يوافقوا.
والحقيقة اللي تعباني ومرقاني، إن قلبي بدأ يميل له! بشوف فيه صفات نادراً ما الواحد يلاقيها في الزمن ده، شاب بيخاف ربنا وملتزم بشرعه وبيصلي فرضه، وحاسة إنه ممكن يكون سند بجد. وفي نفس الوقت، أنا ميتة من الخوف؛ خائفة أفضل وحيدة بلا زواج وسن يجري بيّ، وخائفة أكتر إني مقدرش أتأقلم مع الوضع المعقد ده، خصوصاً إني طبعاً بطبيعتي ست غيرورة جداً ومش هتحمل إني أكون شريكة لحريم تانيين في حياة راجل واحد.
أنا في حيرة عميقة تقطع القلب، والتفكير هد حيلي وعقلي هيتفجر من كتر الحسبة.. قعدت في أوضتي بالليل، ماسكة تليفوني، وبتأمل في كلامه، ولسه باخد قراري النهائي بالبعد القاطع وقفل الصفحة دي للأبد، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب في نص الليل.. فتحت، فسمعت صوت واحدة ست من الناحية التانية بتقولي بنبرة مرعبة جمدت الدم في عروقي: “لو فاكرة إن يوسف ده راجل صالح وبتدوري معاه على الستر، ابعدي عنه فوراً.. الراجل ده خافي عنك مصيبة أكبر بكتير، والسبب الحقيقي في طلاق مراته الأولى مش زي ما حكالك خالص، ودي مراته التانية بكلمك من تلفونها!”حكايات منال عباس
الصوت ده نزل على دماغي زي الصاعقة وخلي الهوا يقف في صدري، بلعت ريقي بصعوبة بالغة وموبايلى بيلف في إيدي من كتر التوتر، وقبل ما أنطق بحرف واحد، الست كملت كلامها بنبرة كلها قهر وحرقة وقالت: “اللي حكاه لك عن مراته الأولى والأخيرة كدب في كدب، هو اللي دمر حياتنا وكان بيمثل دور الراجل المتقي الصالح وهو شيطان، واسأليه لو تقدري عن الفلوس اللي سرقها من عيادة مراته الأولى وعن الحكاية اللي هرب بسببها من محافظتنا عشان محدش يفضحه”، وقبل ما ألحق أستوعب الصدمة أو أسألها أي سؤال، السكة اتفصلت في وشي وراحت الاتصال اتقفلت، وقفت في نص الأوضة عيني مبلمة على الشاشة والموبايل بيرن بعدها بثواني قليلة برقم “يوسف” نفسه وكأنّه مراقبني وحاسس إن الحقيقة بدأت تظهر وتتكشف قدامي، ودقات قلبي بقت تدق بجنون وأنا باصصة للتليفون اللي مش متوقف عن الرنين وخايفة أفتح وأسمع الج*ريمة الجديدة اللي هيبرر بيها مصايبه.
رعشة إيدي زادت وأنا باصة لشاشة الموبايل وهي منورة باسمه، وأخيراً خدت قرار وفتحت السكتة وفتحت الكول بس قبل ما ينطق بكلمة صرخت فيه بصوت كله غضب ورجفة: “بطل كدب وتمثيل يا يوسف! كلمت مراتك التانية، وعرفت كل بلاويك اللي مخبيها ورا اللحية والدين المزيف!”، سكت ثواني طويلة كان فيها صوت أنفاسه الثقيلة هو الحاجة الوحيدة اللي واصلاني، وبعدها سمعت ضحكة باردة وغريبة منه خلت الدم يبرد في عروقي، وقالي بصوت هادئ ومريب مرعب: “طالما وصلتي للخطوة دي وعرفة كلمتين غلط، يبقى لازم تعرفي بنفسك، تعالي بكرة على العنوان اللي هبعتهولك في المستشفى القديمة المهجورة، وهناك هتعرفي الملفات السودا اللي مخبيها عن الكل، وساعتها يا إما تبقي شريكتي في كل حاجة يا إما تدفني السر معايا للأبد!”. حكايات منال عباس