دكتورة فاطمه بقلم منال عباس

الكلام نزل على وداني كأنه قطران ساخن، حسيت إن رجلي مش شايلاني وقعدت على السرير ودموعي نازلة بغزارة على خدي من القهر والصدمة، إزاي إنسان بالملامح الطاهرة دي وبتلك المسبحة والدين الظاهري يطلع وحش بالخسة دي؟ بس الفضول والخوف والفضول القاتل كانوا أقوى مني، وفضلت صاحية للصبح وعقلي بيلف في دوامة لا منتهى لها، وتاني يوم الصبح نزلت من بيتي وأنا ماشية زي الآلية، كأني مسحورة أو متساقة لحبل المشنقة بنفسي، ووصلت للعنوان اللي بعتهولي في قلب منطقة مقطوعة وقريبة من المستشفى القديمة المهجورة اللي ريحتها كلها تراب ورطوبة، وفتحت باب الخشبي المتهالك اللي زقزق بصوت مرعب، ودخلت جوه الاوضة المظلمة اللي فيها شباك مكسور بيدخل ضوء الشمس باهت، وفجأة لقيت يوسف واقف في الظل ومرسوم على شفايفه ابتسامة غريبة مفيهاش أي ريحة للتقوى ولا التدين، وقبل ما أصرخ أو أهرب، باب الأوضة اتقفل بقوة من برة واتقفل بالمفتاح، وسمعت صوت ضحكة ست قريبة مني جداً من ورا الحائط بتقولي بصوت مرعب: “أهلاً بيكي يا دكتورة في اللعبة اللي مش هتقدري تخرجي منها سليمة ابداً!”. حكايات منال عباس
قلبي وقف في مكاني وحسيت إن الهوا اتقطع عن صدري، بصيت حواليا في الظلمة المرعبة وأنا حاسة إن العقل هيطير من كتر الصدمة، ويوسف قرب مني بخطوات بطيئة وصوته مبحوح ومخيف وبيتغير قدامي كأنه بيلبس وش تاني خالص وقال بكل برود: “فكرتي نفسك ذكية لما كلمتي مراتي ولا قدرتي تكشفي سر؟ أنتي جيتي برجلينك لحد هنا عشان تدفني في نفس الحفرة اللي غيرك اتبلع فيها”، وقبل ما ألحق أخد نفسي أو أتحرك، الباب اتفتح وفجأة ظهرت قدامي ست شكلها مألوف وعينيها مليانة شر وحقد، وبصت لي بابتسامة سمجة وقالت: “أهلاً بيكي يا دكتورة في آخر محطة لكي في حياتك، يوسف مش لوحده، وإحنا لينا حساب قديم لازم نخلصه سوا”، ولقيت نفسي وسط كابوس حقيقي لا مفر منه، ويوسف مد إيده ببطء وجاب جهاز صغير من جيبه ووجهه نحوي وهو بيقول بسخرية واثقة: “دلوقتي اللعبة انتهت، يا إما تختاري تمضي على الورق وتكوني معانا في الشبكة دي، يا إما تشربي من نفس الكاس اللي شربوه قبلك ومحدش هيعرف لكي طريق ولا خبر للأبد!”.
جهدت نفسي وحاولت أتماسك قدامهم وأداري رعشة جسمي، وبصيت ليوسف والست اللي معاه بنظرة كلها ثقة مزيفة وكأني مش خايفة، وبسرعة ذكاء شغلت مخي كطبيبة بتعرف تتصرف تحت الضغط، ابتسمت ببرود ورفعت حواجبي وقلت بصوت ثابت: “افتكرتوني هكون غبية للدرجة دي وأجيلكم لوحدي من غير ما أكون أمّنت نفسي؟ المحمول اللي في إيدي متوصل لايف حالا بمكتب أمن الدولة، وكل كلمة قلتوها ومعاكم مسجلة وصوت وصورة، ولو حصلي شعرة واحدة، البوليس هيكون هنا في دقيقة ويقبض عليكم كلكم بتهمة الخطف والابتزاز”، وشي جاب ألوان وتغيرت ملامحهم تماماً في ثانية واحدة، يوسف اتخض ووشه اصفر وراجع لورا برعب وبص للست اللي جنبه وقال بصوت مرتعش “انتي مجنونة.. انتي عملتي إيه؟”، ولسه بيلحقوا ياخدوا التليفون مني، سمعنا صوت صفارة عربيات بوليس قوية وصوت تكسير الباب الخارجي للمستشفى المهجورة، والكل اتجمد مكانه من هول الصدمة، وقبل ما يلحقوا يهربوا، الباب اتهد بعنف ودخلت قوة من الشرطة ومعاهم رئيس المباحث، وفجأة والمفاجأة الكبرى إن الست اللي كانت واقفة معاه وتبين إنها مراته التانية انهارت وصرخت في وش يوسف وقالت بصوت مأساوي: “عشان تفضل خاين وندل.. أنا اللي بعت البوليس بنفسي وبلغت عن كل بلاويك عشان تخلص منك ومن شرك للأبد!”، والكل اتبلبط واتقيد بالكلبشات في ثواني معدودة.حكايات منال عباس
الموقف اتقلب في ثانية وبقى مسرح مرعب من الصراخ والشتائم، يوسف كان باصص لمراته بصدمة وعينيه بتطلع شرار كأنه مش مصدق إن الست اللي كانت سند ليه هي اللي دبرت نهايته، وهي كانت بتضحك ب هستيريا ودموعها نازلة على خدها وقالت له بصوت مليان قهر: “كنت مفكر إنك ذكي وهتضحك عليا وعلى الدكتورة للأبد؟ أنا صبرت عليك كتير عشان عيالي، بس لما جيت توقع بنت الناس الطاهرة دي في طريقتك الوصخة، حفرت قبرك بايدك!”.
الظابط أمر العساكر يكتفوا يوسف تماماً ويرموه في الكلابشات، وتقدم مني باحترام وسألني وأنا لسه واقفة بمكاني من روعة الصدمة لو كنت محتاجة إسعاف، بس هزيت راسي بالنفي ودموع الفرحة والنجاة نزلت على خدودي، وفي اللحظة دي، يوسف وهو مسحوب لبرة بص لي بنظرة حاقدة ومرعبة وصرخ بأعلى صوت، وقال جملة خلت الدم يقف في عروقي ويخلي الظابط وكل اللي واقفين يتجمدوا في مكانهم: “افتكرتيني خلاص خلصتي مني يا فاطمة؟ اللي خباكي وسكت عن بلاويكي دي كلها مش انا لوحدي، وشبكتنا دي وراها ناس كبار في البلد محدش يقدر يطالهم، ولو دخلت السجن، العقد اللي بيمضي مصيرك ومصير أهلك كله هيكون في خبر كان وفي دقيقة واحدة هتلاقوا نفسكم في الشارع!”
كلماته المرعبة كانت لسه معلقة في الهوا، بس الظابط ما أداش فرصة لسمومه‌ وتكلم، وضغط على كتافه جامد ودخله في عربية البوليس ومعاه مراته اللي اختارت تخلص ضميرها في آخر لحظة، والباب اتقفل عليهم وراحت صرخاتهم تختفي مع صوت السيرينة. وقفت مكانى وأنا حاسة بإن الإرهاق ههد حيلي، بس في نفس الوقت في طاقة سلام وسكينة غريبة ملت قلبي كأن ربنا نجاني من حفرة نار كانت هتدمرني للأبد. رجعت بيتي لأهلي اللي استقبلوني بدموع وحضن دافي كأنهم كانو حاسين بحجم الكارثة اللي كنت فيها، وحكيت لهم كل حاجة بالتفصيل، ومن اللحظة دي، اتقفلت صفحة يوسف وكل أكاذيبه المزيفة، وفهمت إن اللي يبدأ حياته بالنور الكداب والتدين المظهري نهايته الحتمية بتبان مهما طال الزمن.
العبرة:
مش كل من لبس ثوب التقوى كان تقي، ولا كل اللحى وراءها قلوب تخاف ربنا؛ فالظاهر المخادع ممكن يخدع العين لفترة، لكن حبل الكذب قصير والحق بيبان مهما غطوه. ونجاة الإنسان بتيجي دايمًا لما يتمسك بأصله وأخلاقه ويفوض أمره للي عينيه مابتنامش، وربنا سبحانه وتعالى بيكشف أهل الباطل في الوقت المناسب عشان يحمي عباده الصادقين من شرورهم. حكايات منال عباس
تمت ❤️

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *