حكايات زهرة الربيع الثاني

مرت الأيام القليلة اللي بعد الصدمة دي وحازم وأمه عايشين في رعب حقيقي، الرعب اللي خلاهم مش عارفين يناموا ساعة على بعضها، لدرجة إن حماتي نبرتها الآمرة وصوتها اللي كان بيهز البيت اختفوا تماماً، وبقت تقعد في ركن الصالة حاطة إيدها على خدها وبتندب حظها.

أما حازم، فكان زي المجنون، نزل راح للصايغ عشان يرجع الدهب اللي أمه اشترته وياخد الفلوس كاش يلحق بيها الإيجار ويدفع للبنك، بس الصايغ بصله ببرود وقاله: “يا أستاذ، الدهب اللي اشتريته نزل سعره النهاردة في البورصة، ولو هترجعه يبقى بيع، وخسارتك فيه هتوصل لآلاف الجنيهات، غير المصنعية اللي راحت عليك!”، حازم حس إن الأرض بتلف بيه، وخرج من المحل وهو بيضرب كف على كف.

في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في بيت أهلي وسط ولادي، باصة لضحكتهم اللامعة اللي بقالي سنين مشوفتاهاش بسبب الضغط والهم. كنت واخدة إجازتي، وتليفوني مبيفصلش رن من حازم وأخواته وحتى أعمامه اللي حماتي دخلتهم في الموضوع عشان يضغطوا عليا.

لحد ما جه يوم، ولقيت الباب بيخبط، وأخويا فتح ولقى حازم واقف ومعاه عمّه الكبير “الحاج رفعت”.

أبويا استقبلهم في الصالون، ودخلت وقعدت بكل ثقة وبرود، حاطة رجل على رجل وباصة لحازم اللي كان دبلان، ووشه فيه علامات قلة النوم والبهدلة.

بدأ عمّه الكلام ونبرته فيها محاولة لتهدئة الأجواء: “يا سناء يا بنتي، إحنا أهو جينا لحد عندك، والبيوت مابتتخربش بالشكل ده عشان قرشين، وحازم ابننا وغلط وعارف إنه غلط، والمسامح كريم.. إنتي برضه أم عياله وشايلة اسمه”.

بصيت للعم وقلت له بكل هدوء: “يا حاج رفعت، أنا مقولتش البيوت بتتخرب عشان قرشين. البيوت بتهدها الكلمة، بتهدها الكسرة، وبيهدها لما الراجل يبص لمراته ويقولها إنتي بالنسبالي بنك واعتبريها كدة طالما ده بيريحك! أنا مش بنك، وأنا متهنتش من حازم بس، أنا اتهنت من أمه في بيتي وقدام جوزي، وهو وقف يتفرج ويقولها حاضر يا أمي”.

حازم اتكلم وصوته واطي، مكسور، وعينه في الأرض: “أنا أسف يا سناء.. أنا كنت مضغوط ومكنتش أقصد الكلام ده، بس إنتي شوفتي اللي حصل؟ البنك باعت إنذار بالحجز على المحل، وصاحب الشقة هيرمينا في الشارع، والعيال مدارسهم هتقف.. إنتي كدة بتهدي عيالك مش بتهديني أنا بس!”.

ضحكت ضحكة خفيفة وساخرة وقارنت حاله امبارح بحاله النهاردة: “عيالي؟ عيالي معايا في الحفظ والصون، ومدارسهم مدفوعة ومصاريفهم جاهزة، لأن مرتب سناء اللي كنتوا بتستقلو بيه وبتقولوا مش هتموتوا لو مشيتوا حالكم بيه، أهو كفاهم ويفيض وهم في بيت جدهم مكرّمين. الدور والباقي على الست الأصيلة وتربيتها.. وريني هتحل أزمتك إزاي بمرتبك اللي ضاع في المصنعية والذهب!”.

هنا عمّه اتدخل وقال: “طب وإيه يرضيكي يا بنتي عشان المركب تمشي والمهزلة دي تنتهي؟ المحل ده هو أكل عيش العيلة كلها، والشقة دي سترتكم”.

قمت وقفت، وبصيت لحازم وعمّه، وقلت لهم الشروط اللي كنت مرتباها في دماغي من أول ليلة نمت فيها في بيت أهلي، الشروط اللي نزلت على حازم زي الصاعقة:

“أولاً: الشقة اللي باسمي، أنا مش هجدد عقدها، وإنت يا حازم قدامك الأسبوع ده تلم حاجتك وحاجة أمك وتنقلوا في شقة تانية إنت اللي تدفع إيجارها وتكتب عقدها باسمك ورجلك فوق رقبتك، عشان تعرف الإيجار بكام والمصاريف كام.

ثانياً: بالنسبة لمحل أمك والضمان القانوني بتاعي في البنك، أنا مش هرجع الضمان ده أبداً، وأمك قدامها حل من اثنين: يا تبيع الدهب اللي فرحت بيه وتدفع تمن القرض للبنك كاش وتقفل القضية، يا إما البنك يحجز على المحل وتتحمل نتيجة طمعها وعشمها البارد.

ثالثاً وأخيراً: رجوعي لبيتك، لو فكرت فيه، مش هيكون غير بوصل أمانة وقائمة منقولات جديدة، بمرتبك إنت اللي هيتحول منه جزء ثابت شهرياً لبرنت نفقة لعيالك التلاتة، ومرتبي أنا مش هتشوف منه جنيه واحد، ولا هتعرف هو كام ولا بيروح فين، والبيت ده يتصرف عليه من مليمك إنت، والست الأصيلة اللي بتشيل، خلاص ماتت!”.

حازم وقف مذهول، ووشه جاب ألوان: “إنتي بتلوي دراعي يا سناء؟! بتستغلي زنقتي وعايزة تخربي بيت أمي وتشردينا؟!”.

رديت عليه بكل حسم وأنا داخلة أوضتي: “أنا مبلويش دراع حد، أنا برجع كرامتي اللي داست عليها أمك بمباركتك.. قدامكم أسبوع تفكروا، يا الشروط دي تتنفذ بالحرف، يا إما تتدبروا أموركم مع البنك وصاحب الشقة، ونتقابل في محكمة الأسرة!”.

سبتهم وطلعت بره الصالون، وقفل أبويا الباب وراهم وهما مش قادرين ينطقوا بكلمة. حازم خرج من بيت أهلي وهو حاسس إنه حرفياً غرق في شبر مية، الكابوس مكنش مجرد فلوس اتمنعت، الكابوس إن سناء الضعيفة الطيبة، تحولت لوحش قانوني ومالي كسر عينه وعين أمه في كام ساعة.

لما رجعوا البيت، وطبعاً حماتي كانت مستنياه على نار، حازم حكالها على الشروط.. حماتي فضلت تصرخ وتقول: “تكتب وصل أمانة؟! ونبيع الدهب وخسارة المصنعية؟! لا يا حازم، طلقها وسيبها في بيت أهلها، الستات كتير وأنا أجوزك ست ستها!”.

حازم بصلها فجأة ب غضب مكنتش هي متعودة عليه منه، وزعق بعلو صوته وقالها: “ست ستها مين يا أمي؟! إنتي مش فاهمة المصيبة اللي إحنا فيها؟! البنك هيحجز على المحل وهيحبسنا، وصاحب الشقة هيطردنا! الدهب ده لازم يتباع الصبح ورجلينا فوق رقبتنا، بسبب طمعك ضيعتيني وضيعتي بيتي!”.

لأول مرة، الخناقة والصراخ مكنش بيني وبينهم، الخناقة بدأت تدور جوه بيتهم هما، وبدأوا ياكلوا في بعض.. وحازم بقاله يومين بيبعتلي رسائل استعطاف ووعود، لكن أنا كنت لسه مأخدتش خطوتي الأخيرة اللي هتقلب حياتهم أكتر وأكثر..

مرت أيام الأسبوع المهلة، والخناقات جوه بيت حماتي مكنتش بتهدى. حازم ملقاش قدامه أي مفر؛ البنك مبيحظرش مرتين، وصاحب الشقة رفض تماماً يستنى يوم زيادة. وتحت ضغط الواقع المرير، حماتي اضطرت تاخد الذهب وهي بتعيط وتندب حظها، ونزلت باعته وخسرت فيه مبلع محترم من المصنعية وقيمة الجرام اللي نزل، وخد حازم الفلوس وجري على البنك سدد باقي القرض عشان يرفع الحجز عن المحل وينقذ أكل عيشهم.

أما الإيجار، فدفع حازم من اللقاط اللي فضل معاه إيجار الشهر بالعافية لصاحب الشقة، وبقى حرفياً “على الحديدة”، مملكش في جيبه جنيه واحد يكفي بيه مصاريف أكله وشربه لأخر الشهر.

في يوم السبت الصبح، تليفون أبويا رن، وكان حازم. صوته كان هادي ومكسور تماماً، وقال لأبويا: “يا عمي، أنا وافقت على كل شروط سناء، والذهب اتمسح ب تمنه القرض، والوصلات اتدفعت، وأنا جاهز أوقع على كل اللي هي عايزاه.. بس ترجع بيتها وعيالها كفاية فضوح وسط الناس”.

أبويا طلب منه ييجي بالليل ومعه المحامي بتاعه، وكلمت أنا كمان محامي زميل ليا في الشركة عشان يضمن إن كل ورقة تتكتب تكون قانونية ومفيهاش ثغرة واحدة.

الساعة جت تسعة بالليل، جه حازم وعمه والمحامي، وقعدنا في الصالون. حازم مكنش قادر يحط عينه في عيني. المحامي بتاعي طلع الأوراق:

1. **وصل أمانة بمبلغ كبير** كضمان لعدم التعرض ليا أو إهانتي مجدداً.

2. **شيك مقبول الدفع بقيمة نفقة شهرية ثابتة للولاد**، يتحول تلقائياً من مرتبه لحسابي أول كل شهر قبل ما أي حد يلمس قرش من قبضه.

3. **عقد اتفاق وإقرار** بإن مرتبي ملكي بالكامل، وليس له أو لأي من عائلته الحق في معرفة قيمته أو التدخل في أوجه صرفه.

حازم مسك القلم وإيده بتمضي وبترتعش، وكل خطوة كان بيمضيها كانت بمثابة إعلان استسلام تام وهدم لكبرياء السنين اللي عاشها تحت طوع أمه على حسابي. بعد ما خلص، بصل المحامي بتاعي وقال لحازم: “مبروك يا أستاذ حازم، المدام هترجع معاك.. بس على شقتها الجديدة”.

هنا حازم اتصدم ورفع راسه: “شقة جديدة إيه؟ ما أنا دفعت إيجار الشقة الحالية خلاص من دمي!”.

رديت عليه بكل برود: “أنا قولتلك في شروطي يا حازم، الشقة القديمة باسمي وعقدها هينتهي ومستحيل هقعد فيها يوم زيادة مع حماتي في نفس العمارة. أنا أجرت شقة تانية في منطقة قريبة من بيت أهلي ومدرسة العيال، وعقدها باسمك إنت وإنت اللي ملتزم تدفع إيجارها من الشهر الجاي. الشنط بتاعتي وبتاعت العيال هتروح هناك علطول”.

حازم بلع ريقه وبص لعمه، وعمه هز راسه وقاله: “امشي معها للاخر يا ابني، إنت اللي جبت ده كله لنفسك ولأمك”.

رجعنا الشقة الجديدة، العيال دخلوا أوضهم فرحانين بالمكان الجديد، وحازم دخل قعد في الصالة وهو حاطط رأسه بين إيديه، لقى نفسه في شقة جديدة، بإيجار جديد، ومصاريف مطلوبة منه لوحده، ومرتبه الحقيقي بقى يدوب مقسوم بين النفقة الثابتة للبيت والعيال، وبين اللي هيتفضل لأمه.

تاني يوم، حماتي عرفت بنقلة ابنها وعرفت بكل اللي حصل، وإنها مبقاش ليها أي سلطة على البيت ده ولا على مليم واحد من فلوسي. اتصلت بحازم وفضلت تصرخ: “باعتني يا حازم؟ مشيت ورا المدام وسيبت أمك؟ بقى تمضي على نفسك وصولات وشيكات عشان حتة ست؟”.

لكن المرة دي، حازم رد عليها بنبرة جافة تماماً، النبرة اللي كانت المفروض تطلع من سنين: “أنا مبعتكيش يا أمي، أنا لولا طمعك وكلامك اللي ملوش لازمة مكنتش بقيت مديون وممضي على نفسي في المحاكم! فلوسي اللي باقية هتوصلك كل شهر، لكن بيتي ومراتي خط أحمر، لأني مش مستغني عن عيالي ولا مستعد أترمي في الشارع تاني بسبب غويشتين ذهب!”.

حماتي قفلت السكة وهي مش مصدقة إن ابنها “حازم” الوديع اللي مبيقولش غير “حاضر ونعم”، لسان حاله اتقلب عليها بالشكل ده.

افتكرتوا إن الحكاية خلصت لحد هنا؟ وإن سناء خدت شروطها ورجعت تعيش حياتها طبيعي؟

لأ.. الخطوة اللي جاية مكنتش تخطر على بال حازم ولا حماتي، خطوة أنا كنت مأجلاها لحد ما أرجع الشقة وأقفل عليا بابي وأضمن ولادي في حضني. في يوم كنت قاعدة في الصالة، وحازم نزل الشغل، تليفونه القديم اللي سابه في البيت ومسحش اللي عليه بدأ يتبعت عليه رسائل وإشعارات.. رسائل من أخته “نيرمين”!

فتحت الرسائل وقريت اللي مكتوب، وعيني وسعت من الصدمة.. الموضوع مكنش مجرد طمع وعشم بارد من حماتي، الموضوع كان فيه مؤامرة تانية خالص بتتدبر في الخفاء بين حماتي وأخته عشان يخلصوا مني تماماً وياخدوا الشقة والعيال!

وقفت في نص الصالة، والضحكة رجعت على وشي تاني، وقلت لنفسي: “والله وبإيدكم جيبتوا أخرتكم معايا يا نيرمين.. وروني بقى هتعملوا إيه في المفاجأة اللي هتنزل على دماغكم الصبح!”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *