نورين وريان
بخطوات واثقة ومستقيمة، مش ناحية قاعة الاجتماعات، ولا ناحية المديرة… كان ماشي في اتجاهي أنا.
الناس كلها بدأت توسعله وهي مستغربة، الهمهمات بدأت تطلع في كل زاوية، وكل الرؤوس لفت تبص هو رايح فين. ريهام وميادة فضلوا واقفين متصلبين في مكانهم، عنيهم طالعة لبرة من الصدمة ومش فاهمين الراجل ده سايب كل الإدارة ورايح لمين في آخر الطرقة.
وصل ريان لحد عندي، وقف على بعد خطوتين، وابتسم وقال بصوت واضح وواثق سمعه كل اللي واقفين مساء الخير يا نورين، يارب تكون الألوان واللوح اللي شيلناهم سوا كفوا ولاد الحضانة النهاردة ومطلعوش قليلين.
السكوت اللي عم المكان كان مرعب. المديرة فتحت بقها ومش عارفة تنطق، وريهام وشها قلب أبيض كأن الډم هرب منه تماماً، أما ميادة فمفاتيح عربيتها وقعت من إيدها على الأرض وعملت صوت رنة عالية في الساحة المفروشة رخام.
أنا نفسي حسيت إن لساني مربوط، بصيت في عينيه وأنا شايفة كل التحدي والجدعنة اللي كان مخبيهم ورا مظهره البسيط. كان جاي يثبت حاجة، بس مش لنفسه… كان جاي يثبتها للكل علشاني.
صوت رنة مفاتيح ميادة وهي بتقع على الرخام كان هو الصوت الوحيد اللي كسر الصمت المطبق اللي نزل فجأة على الطرقة كلها.
الناس كلها كانت باصة ومبرقة. المديرة مدام ماجدة رجعت خطوة لورا وهي بتفرك إيديها بتوتر، عينيها رايحة جاية بيني وبين ريان، مش قادرة تستوعب ولا تجمع المشهد في دماغها. ريهام كانت واقفة متسمرة، شفايفها بتترعش من الإحراج وإيدها اللي كانت ممدودة في الهوا نزلتها ببطء كأنها انضربت على وشها، أما ميادة فوطت جابت المفاتيح من الأرض بكسوف وهي بتبص في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في حد.
أنا نفسي حسيت إن الهوا طار من صدري. ريان واقف قدامي، بكل هيبته، بكل بدلته الفخمة اللي متفصلة بالملي، وساعته اللي بتلمع، وابتسامته الهادية اللي شفتها أول مرة في المحطة وهو بيمدلي كوباية القهوة.
ريان كسر الصمت وقال بصوت رخيم وواثق، مسمع كل الناس اللي واقفة تتهامس إيه يا نورين، ساكتة ليه؟ قوليلي بس، رسمتوا البيت والشجرة ولا لسه الألوان ناقصة كرتونة تانية؟
بلعت ريقي وحاولت أستجمع صوتي اللي كان تايه في زحمة المفاجأة كفوا يا ريان بيه… كفوا وزيادة، الأولاد فرحوا بيهم جداً والله.
ابتسم ابتسامة هادية وهو بيهز راسه برضا، وبعدين لف وشه للمديرة اللي كانت واقفة تتلجلج ومستنية أي إشارة منه عشان تفهم إيه الرابط اللي يجمع أكبر مستثمر في المنطقة بمدرسة الحضانة اللي بتيجي وتروح بالميكروباص.
مدام ماجدة قربت بابتسامة متوترة وصوت مرتعش هو… هو حضرتك تعرفي مس نورين يا ريان بيه؟ إحنا مكناش نعرف إن فيه سابق معرفة، دي نورين من أحسن المدرسات عندنا في قسم الكيدز إيريا، متفانية جداً في شغلها وبتحب الولاد من كل قلبها.
ريان بص للمديرة بنظرة هادية بس فيها حزم يخوف أعرفها كويس يا فندم. أعرف إنها بتصرف نص مرتبها على أدوات الطلبة عشان تسد العجز اللي المفروض إدارة المدرسة هي اللي تغطيه، وأعرف إنها بتستنى الميكروباص بالساعات في البرد بعد ما تشتري حاجات بفلوسها الخاصة، في الوقت اللي ناس تانية هنا كل همهم يلمعوا في مفاتيح عربياتهم ويقللوا من تعب غيرهم.
الكلام نزل زي الدبش على دماغ ريهام وميادة. الاتنين اتمنوا لو الأرض تنشق وتبلعهم في اللحظة دي. ريهام وشها احمر جداً من الخزي، وميادة سحبت نفسها ببطء وبدأت ترجع لورا عشان تستخبى في وسط باقي المدرسين اللي كانوا بيبصوا ليهم
بنظرات شامتة وعارفين إنهم خدوا القلم اللي يستاهلوه من زمان.
ريان كمل كلامه للمديرة بنبرة عملية ومحددة عموماً يا مدام ماجدة، الاجتماع بتاعنا قائم بخصوص
