سر الممرضه

مضطر يخبي محاولاته، ولا يواجه خوفه لوحده.
وأمير، لأول مرة، بدأ يتعلم إزاي يدعم أخوه من غير ما يحمله ضغط تحقيق معجزة.
كان ساعات يحضر جزء من جلسات العلاج، ويقف بعيد يراقب، من غير ما يتدخل أو يطلب من سمير يعمل أكتر من قدرته.
وفي يوم، أثناء إحدى الجلسات، الطبيب طلب من سمير يحاول ينقل جزء من وزنه بمساعدة الأجهزة والدعم المناسب.
سمير كان متوترًا، لكن أمير كان واقف جنبه.
بص له سمير وقال
لو ماقدرتش، ماتزعلش مني.
أمير ابتسم ورد
أنا مش مستني منك نتيجة معينة. أنا مستني أشوفك بتعمل اللي تقدر عليه، وبس.
سمير أخد نفس عميق، وبدأ المحاولة.
كانت صعبة، واستغرقت وقت طويل، لكنه قدر يحقق تقدم بسيط مقارنة بالجلسات السابقة.
الطبيب ابتسم وقال
كويس يا سمير. هنكتفي باللي عملته النهارده، ونكمل حسب الخطة.
أمير ما صفقش، وما صرخش من الفرحة، وماحولش اللحظة لاحتفال كبير.
كل اللي عمله إنه قرب من أخوه، وحط إيده على كتفه، وقال
أنا فخور بيك.
سمير بص له، وابتسم.
وفي اللحظة دي، حس إن الحمل اللي كان شايله على قلبه بدأ يخف.
لأنه أخيرًا فهم إن أخوه مش بيحبه علشان يمشي، ولا علشان يثبت إنه قوي، ولا علشان يعوض الفلوس اللي اتصرفت عليه.
أمير بيحبه لأنه أخوه.
وبس.
اللي حصل بعد كده
مرّت أسابيع، وبعدها شهور.
سمير استمر في التأهيل، وكانت نتائجه بتختلف من فترة للتانية. أيام كان بيحقق فيها تقدم بسيط، وأيام كان التعب بيكون أكبر من قدرته، لكنه ما بقاش بيعتبر كل تعثر نهاية الطريق.
أما أمير، فبدأ يقضي وقت أطول معاه بعيد عن مواعيد الأطباء والجلسات.
بقوا يتفرجوا على أفلامهم القديمة، ويحكوا عن أيام المدرسة، ويتكلموا عن رحلاتهم اللي كانوا بيعملوها زمان.
وفي مرة، أمير جاب صورة قديمة ليهم وهما في العشرينات، واقفين جنب بعض وبيضحكوا.
سمير بص للصورة، وبعدها ضحك وقال
فاكر اليوم ده؟ إنت كنت مصرّ إنك أسرع مني في الجري، مع إنك عمرك ما كسبتني!
أمير اڼفجر في الضحك.
إنت بتحلم يا عم! أنا كنت بسيبك تكسب علشان ماتزعلش.
سمير ضحك أكتر، وقال
أهو ده اللي كنت محتاج أسمعه. كنت عارف إنك كداب من زمان!
ضحكوا هما الاتنين، والضحكة دي كانت مختلفة عن أي ضحكة سمعها أمير من سنين.
مش لأنها دليل على إن سمير اتحسن جسديًا، لكن لأنها رجّعت لهم جزء من الحياة اللي كانوا فاكرين إنهم فقدوها للأبد.
وفي يوم، ليلى كانت خارجة من جناح سمير بعد انتهاء ورديتها، فوقفها أمير عند باب المكتب.
قال لها
ليلى، أنا عايز أقول لك حاجة.
وقفت وبصت له.
أمير كمل
أنا في البداية ظلمتك بشكوكي، حتى لو ما اتهمتكيش قدام الناس. كنت خاېف على أخويا، وده خلاني أشوف كل حاجة من زاوية واحدة. أنا آسف.
ليلى ردت بهدوء
أنا مقدّرة خوف حضرتك يا فندم. أي حد مكانك كان هيقلق لو شاف كدمات بتظهر على جسم أخوه من غير تفسير واضح.
أمير هز راسه.
يمكن، لكن كان لازم أسمع وأتحقق قبل ما أكون حكم. والأهم إننا اتعلمنا إن أي حاجة تخص سلامة سمير لازم تكون واضحة، وإن محدش يشيل المسؤولية لوحده.
وبعدها شكرها مرة تانية على اهتمامها بأخوه، وأكد إن الفريق الطبي هو اللي هيحدد خطوات التأهيل من هنا ورايح.
ليلى ابتسمت، ومشيت تكمل شغلها.
وأمير رجع لأوضة أخوه، ووقف عند الشباك شوية.
كان لسه فيه خوف جواه، ولسه فيه أسئلة عن المستقبل، ولسه مش عارف إذا كان سمير هيقدر يمشي يومًا ما ولا لأ.
لكن لأول مرة، ماحسش إنه لازم يعرف الإجابة النهارده.
لأنه فهم إن الأمل مش وعد مضمون، وإن الحب الحقيقي مش معناه إنك تقدر تصلح كل حاجة بتحصل للي بتحبهم.
أحيانًا، كل اللي تقدر تعمله إنك تفضل جنبهم، وتساعدهم يواجهوا يوم جديد.
وفي المساء، أمير قعد جنب سمير، وحط الصورة القديمة على الترابيزة قدامه.
سمير بص للصورة، وبعدها قال
عارف يا أمير؟ أنا كنت فاكر إن اليوم اللي هقف فيه على رجلي هو اليوم اللي هحس فيه إني رجعت لحياتي.
أمير بص له وسأله
ودلوقتي شايف إيه؟
سمير ابتسم وقال
شايف إن حياتي ماوقفتش يوم الحاډث. هي اتغيرت، وأنا لسه بتعلم أعيشها من جديد. ووجودك جنبي هو اللي مخليني أقدر أكمل.
أمير حس إن عينيه دمعت، لكنه ابتسم وقال
وإحنا هنكمل مع بعض، زي ما عملنا طول عمرنا.
ومسك إيد أخوه، وفضلوا قاعدين جنب بعض في هدوء.
القصر اللي عاش سنين طويلة مليان قلق وصمت، بدأ يرجع له صوت الضحك من جديد.
أما الكدمات اللي كانت سبب الخۏف والشك، فكانت مجرد جزء من حكاية أكبر عن إنسان حاول يستعيد قدرته على الحركة، وأخ خاف عليه لدرجة إنه نسي يسمع منه، وممرضة فهمت إن الرعاية مش مجرد أدوية ومواعيد، لكنها كمان احترام للإنسان وأمله وكرامته.
وأهم درس اتعلمه أمير إن أخوه ماكانش محتاج معجزة علشان يفضل أخوه كان محتاج يعرف إن حبه ليه مش مشروط بأي نتيجة.
ومن يومها، بقى أمير لما يسألوه عن أكتر حاجة اتعلمها في السنين الصعبة دي، يرد ويقول
اتعلمت إن الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير، وممكن تجيب أحسن علاج وأكبر خبراء، لكن مفيش حاجة تقدر تعوض وجود حد جنبك وقت ضعفك. واتعلمت كمان إن الإنسان مش لازم يمشي على رجليه علشان يبقى قوي ساعات أقوى حاجة فيه هي إنه يفضل يحاول، حتى وهو خاېف من الفشل.
تمت الحكاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *