خلف جدار الهيبه بقلم منــال عــلي الثالث
الفصل الثامن
خرجنا من البرج الزجاجي الأسود.
الشمس كانت حامية بره وساطعة على نيل القاهرة اللي كان بيلمع كأنه قطعه من الفضة. الهوا الساخن كان بيخبط في وشي، بس كنت حاسة بنسمة حرية وانشراح حقيقي في صدري لأول مرة من سنين طويلة جداً. كنت حاسة كأني كنت مدفونة تحت جبل من الهيبة والزيف والكذب، وفجأة الجبل ده اتهد وطلعت منه صاحية وبكامل قوتي.
عمي كامل وقف معايا قدام عربيتي، حط إيده الكبيرة والحنينة على كتفي السليم وبصلي بعيون مليانة فخر وحب حقيقي:
“أنت بطلة وجدعة يا مريم. أمك الله يرحمها لو كانت عايشة وشافتك واقفة الوقفة دي النهاردة، كانت هتكون فخورة بيكي وبقوتك أوي.”
”شكراً ليك يا عمي.. لولا وجودك ووقفتك جنبي والورق اللي كنت شايله ومحافظ عليه السنين دي كلها، مكنتش هعرف أقف الوقفة دي ولا كنت هقدر أهد الإمبراطورية دي.”
”أنا معملتش حاجة يا بنتي، أنا بس اديتك السلاح القانوني والمادي اللي أنت كنتي تستحقيه وتستحقي تحاربي بيه. أنت اللي حاربتي بقلبك وجسدك، وأنت اللي انتصرتي بذكائك وثباتك قدام شر عزيز.” حضنني براحة وخوف على جرحي، وقال: “أنا مسافر ألمانيا تاني بالليل يا مريم. شقتي القديمة في جاردن سيتي مفتوحالك وفي خدمتك في أي وقت تحبيه. خدي بالك من نفسك ومن شغلك.”
”هتوحشني أوي يا عمي.. متغيبش عني تاني.”
”وأنت كمان يا مريم. طمنيني على جرح إيدك ووشك أول ما توصلي البيت وتستريحي.”
ركبت عربيتي وسقت في شوارع القاهرة الواسعة. الطريق قدامي كان واضح وصافي ومفيهوش أي غيوم. الوجع في وشي وفي إيدي الشمال كان لسه موجود وبينقح عليا مع حركة الدريكسيون، بس مكنش وجع كسر وخوف واستسلام تاني.. كان وجع ولادة جديدة وبداية حياة حقيقية بعيدة عن الزيف والهيبة الكدابة.
بصيت في مراية العربية لشفتي المجروحة وعيني الورمانة، ورسمت عليها ابتسامة خفيفة وواثقة وصافية جداً. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن وشي منور بجد وبحرية حقيقية، مش ببريق الذهب والألماظ الفخمين بتوع حفلات عزيز الشافعي الكدابة اللي مبنية على دماء ودموع الناس، بل بنور حريتي واستقلالي اللي انتزعتها بدمي وعقلي وإرادتي الصلبة التي لا تنكسر.
انتهى كابوس عائلة الشافعي للأبد.. وبدأت حياة مريم الحرة.
تمت الرواية
