شخص مش اد المسئوليه حكايات صافى هانى الاول

كان عندي 32 سنة لما قابلت رأفت. كان أكبر مني بـخمس سنين، راجل طيب وحنين وشهم، بس كان شايل شيلة هدت حيل ناس كتير.. شيلة أي حد مكاني كان ممكن يهرب منها فوراً. رأفت كان عنده 10 عيال في عمر الورد.. مراته الله يرحمها سابتهم له وهي بتولد الصغير، وكان شايل مسؤوليتهم لوحده ومتبهدل بيهم. #حكايات_صافي_هاني

​لما رأفت طلب إيدي للجواز، الدنيا مكنتش سيعاني من الفرحة، وبدأنا نرتب لكل حاجة، ونجهز الشقة، وكنت حاسة إني ملكت الدنيا وخلاص هعوضه هو وعياله عن كل التعب. لكن قبل الفرح بأسبوع واحد بس.. رأفت اختفى! الدنيا اسودت في عيني، جالي حالة ذهول ورعب، كلمت كل معارفه وأصحابه وأهله، ومحدش عرف ليه طريق. كنت خلاص هروح أعمل محضر في القسم، لحد ما لمحت ورقة متطبقة ومحطوطة على ترابيزة السفرة. فتحتها وأنا إيدي بترتعش، ولقيته كاتب فيها: “أنا آسف.. مش قادر أكمل، ومقدرش على الحمل ده أكتر من كده.”

​بس.. هي دي الكلمتين اللي سابهم! رأفت مسبنيش لوحدي وصدم مشاعري وبس.. ده ساب وراه 10 عيال لحم ودم، عياله هو! قلبي اتقسم نصين، ومبقتش مصدقة إن فيه أب بالقسوة دي. أهلي وقرايبي كلهم اتدخلوا وقالوا لي: “يا بنتي ارمي الحمل ده، وسيبيهم لدار رعاية أو الشؤون الاجتماعية تاكلهم، وانفدي بجلدك وانجي بنفسك والتفتي لمستقبلك قبل ما القطار يفوتك”. بس ضميري وقلبي مطاوعنيش.. إزاي هان عليهم يقولوا كده؟ أنا كنت خلاص اتعلقت بالولاد وبقيت بحبهم كأنهم حتة مني ومن لحمي! #حكايات_صافي_هاني

​كنت عارفة إن اللي بعمله ده انتحار، وإن طريقي هيبقى كله شوك وصعب فوق ما أي حد يتخيل. لكن أنا اللي اخترت.. واخترتهم بكامل إرادتي. قررت أربيهم، ونزلت اشتغلت الشغلانة واثنين، ليل مع نهار، عشان أقدر أوكلهم وألبسهم وأعلمهم، وأحافظ عليهم متجمعين تحت سقف واحد وميتشردوش. أبويا وأمي غضبوا عليّا وقاطعوني ورفضوا يمدوا لي إيد المساعدة تماماً.. وحتى الرجالة اللي كانوا بيحاولوا يتقدموا لي بعد كده، كانوا أول ما يعرفوا إن رقبتي سدادة في 10 عيال، يهربوا وميرجعوش تاني! عمري ما فكرت في نفسي ولا واعدت حد تاني، وهبت حياتي وشبابي كله ليهم.. بس بالرغم من كل التعب والشقاء، كنت فرحانة بيهم ودموعي بتتحول لضحكة وأنا شايفاهم بيكبروا قدام عيني.

​والنهارده.. بعد ما مرت 30 سنة بحالها، عمري ما ندمت ثانية واحدة على الاختيار ده. كل يوم جمعة، البيت بيبقى خلية نحل.. عيالي كلهم بيجوا هما وأزواجهم وأولادهم، بنقعد نشرب الشاي بالنعناع ونعمل لمتنا المصرى الحلوة، نضحك ونهزر، والبيت بيتملي دفا وعزوة بالبيت الكبير اللي بنيته بعرقي وشقايا.

​الجمعة اللي فاتت، وإحنا كلنا متجمعين وصوت ضحكنا مالي المكان، الباب خبط. قمت فتحت، لقيت راجل وقور واقف بره، لابس بدلة شيك وفي إيده شنطة جلد. طلع ظرف مقفول وسلمهوني وقال لي بهدوء: “أنا المحامي بتاع الأستاذ رأفت.. يا فندم، هو كان مأمني أمانة مشددة، إني أسلمك الظرف ده في التاريخ ده بالثانية والدقيقة.. ودي كانت وصيته الأخيرة قبل ما يتوفى من كام يوم.” قال الكلمتين دول ومشي بسرعة قبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة أو أسأله عن أي حاجة!

​إيدي كانت بتتفض من الرعب وأنا بفتح الظرف.. وولادي العشرة كلهم اتلموا حواليّ وعيونهم كلها قلق وترقب. وأول ما بدأت أقرا كلام رأفت اللي كاتبه في الرسالة.. حسيت الدنيا بتلف بيّا، وجالي هبوط ومكنتش قادرة أقف على رجلي من الصدمة! لأن بعد 30 سنة من العذاب والحيرة.. عرفت أخيراً إيه اللي حصل بجد قبل فرحنا بأسبوع! القصة الكاملة والصدمة اللي في الرسالة هتلاقوها في أول تعليق ⬇️ #حكايات_صافي_هاني

كان عندي 32 سنة لما فتحت الظرف وإيدي بترتعش، عيوني جت على خط رأفت اللي كنت حافظاه وزمان كنت بفرح لما أشوفه.. بس المرة دي الخط كان مهزوز وضعيف، كأنه كان بيكتب وهو بيموت. الرسالة كانت بدايتها غريبة جداً، كاتبلي: “سامحيني يا منال.. أنا عارف إنك كرهتيني، وعارف إن العالم كله شافني نذل وخاين سبت عيالي وهربت، بس أنا مكنش قدامي حل تاني عشان أحميكم!”

​قريت الجملة دي ونفسي اتكتم.. أحمينا؟ أحمينا من إيه؟! بدأت السطور اللي بعدها تكشف المستور.. رأفت قبل الفرح بأسبوع، اكتشف إنه مريض بمرض خبيث في الدم، والدكاترة قالوا له إن أيامه في الدنيا معدودة ومفضلهوش غير شهور. في نفس التوقيت ده، كان عليه ديون ضخمة جداً للموردين في شغله بسبب خسارة تجارته الأخيرة، وكان مهدد بالحبس، والديانين كانوا هيهدوا البيت على عياله. #حكايات_صافي_هاني

​رأفت كمل في الرسالة وكتب: “لو كنت اتجوزتك يا منال، كنت هسيبلك 10 عيال ورقبتك تتسد في ديوني، وكنتِ هتتبهدلي في المحاكم معايا. ولو كنت مت وسطكم، الحكومة والديانين كانوا هياخدوا البيت وكل حاجة عشان يسددوا الديون والعيال هتشرد. عشان كده عملت الخطة دي.. أنا هربت بره مصر باسم مستعار، واشتغلت شغلانة تانية صعبة جداً فوق طاقتي عشان أسدد كل مليم عليا من بره بره ومن غير ما حد يعرف مكاني.. وفعلًا، سددت الديون كلها عشان محدش يطالب العيال بحاجة بعد موتي.”

​الدموع نزلت من عيني زي المطر وأنا بقرأ، والولاد كلهم كاتمين أنفاسهم ومستنيين أعرفهم مكتوب إيه. لكن الصدمة الأكبر كانت في الجزء الأخير من الرسالة. رأفت كتب: “أنا مكنتش بعيد عنكم يا منال.. أنا كنت عايش في المحافظة اللي جنبكم بعد ما رجعت مصر لما الديون اتسددت، بس جسمي كان انتهى من المرض. كنت باجي كل شهر، أقف من بعيد ورا شجرة قدام البيت، وأشوفك وإنتِ بتجري بيهم على المدارس، وأشوفك وإنتِ راجعة من الشغل وشايلة الأكياس وتعبانة.. كنت ببكي دم بدل الدموع إني مش قادر أدخل وأشيل عنك. كنت بشوف عيالي بيكبروا قدام عيني وكنتِ بتعوضيهم عن الأب والأم.” #حكايات_صافي_هاني

​”أنا ممتش من كام يوم يا منال.. أنا مت من عشر سنين! بس كنت كاتب وصية للمحامي بتاعي، إنه يفضل يشغل الفلوس والأرباح اللي سبتها في البورصة والعقارات طول السنين دي باسمكم، وميسلمكيش الأمانة دي والفلوس غير بعد ما يمر 30 سنة بالتمام والكمال.. عشان أكون اتأكدت إن عيالي كبروا وبقوا رجالة وسند ليكي، وعشان الفلوس دي تكون أمنّت مستقبلك ومستقبل أحفادي ومتحتاجيش لمخلوق بعد ما صحتك تروح.”

​في آخر الرسالة، كاتب المحامي نوتة صغيرة تحت كلام رأفت، بيأكد فيها إن الثروة اللي سابها رأفت والشركات اللي باسم الولاد دلوقتي تقدر بملايين الجنيهات، وإنها جاهزة للتنازل باسمهم فوراً. أنا قعدت على الأرض ومش قادرة أصلب طولي.. الـ 10 عيال اللي كانوا حواليا، اللي بقوا دلوقتي دكاترة ومهندسين ومحامين، كلهم انهاروا وبكوا على أبوهم اللي ظلموه طول السنين دي واكشفوا إنه ضحى بعمره وصحته وسمعته عشان يحميهم ويسيبهم في أمان.

​بصيت لولادي وقولتلهم وصوتي بيروح: “أبوكم مظلمناش.. أبوكم كان بطل، وشال الوجع لوحده طول السنين دي عشان نعيش إحنا.” البيت اللي كان مليان ضحك من شوية، اتقلب لملحمة حب ووفاء.. حضنا بعض كلنا، وحسيت إن شقا الـ 30 سنة كله هان، وإن رأفت بالرغم من غيابه، رجعلنا في النهاية وطهر اسمه قدام أولاده، وسابلنا العز والأمان اللي يرفع راسنا ليوم الدين. #حكايات_صافي_هاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *