اختي كذبت ع اهلي 2حكايات صافي هاني

أبويا وقف مكانه كأن صاعقة نزلت عليه، وبص لأمي اللي كانت لسه على الركبة ودموعها مغرقة وشها. الكلمتين بتوع قضية التزوير وفلوس جدي نزلوا عليهم زي المية الساقعة، فوقوهم من وهم اللمة والعتاب للحقيقة المرة.. إن بنتهم الكبيرة دكتورة ومحتمية في قانون وجوز بيحميها، وبنتهم الصغيرة الكلوز طلعت حرامية ومزورة.
مشيت وسبتهم، دخلت مكتبى وقعدت على الكرسي، ساندة ضهري ومغمضة عيني. كنت حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وإزاح. تليفوني رن، شفت الاسم.. دانيال.
رديت وصوتي كان لسه فيه أثر التعب ألو يا دانيال.
صوته جالي كله حنية وقلق حبيبتي، طمنيني، النبطية خلصت؟ صوتك مش عاجبني.
أخدت نفس طويل وقلتله كيرستن جتلي الطوارئ يا دانيال.. هي وأمي وأبويا.
الخط سكت لثواني، ودانيال سألني بهدوء المحامي الذكي وأنتِ عملتي إيه؟
عملت واجبي.. أنقذت حياتها، كانت بتنزف من حمل خارج الرحم. ودلوقتي هي في الأوضة. بس أنا عرفتهم يا دانيال.. عرفتهم إننا رافعين القضية الأسبوع الجاي. دانيال اتنهد بارتياح وقال برافو عليكي يا ماري. أنتِ دكتورة شاطرة وأصيلة، وعملتي اللي يمليه عليكي ضميرك وتربيتك. والباقي سيبيه عليا، حق الخمس سنين دول والكرسيين الفاضيين في إكليلنا، وحق القرشين اللي جدي سابهملك وتعبتي عشان تعوضيهم.. كله هيرجع بالقانون.
قفلت مع دانيال وحسيت بقوة غريبة. قمت غسلت وشي، وعديت على العمليات أطمن على بقية الحالات، وبعدين رجعت المرور العادي على الأوضة اللي اتنقلت فيها كيرستن.
فتحت الباب ودخلت. كانت بدأت تفوق، وشها لسه شاحب بس عينيها مفتحة. أول ما

شافتني، عينيها جت في عيني، ودموعها نزلت من غير صوت. أمي وأبويا كانوا قاعدين على الكراسي حواليها، أول ما دخلت وقفوا انتباه كأنهم مستنيين حكم الإعدام.
قربت من السرير، مسكت المعصم بتاعها عشان أشوف النبض، وكنت ببص في الساعة بكل برود عملي.
كيرستن همست بصوت مبحوح ومقطع ماري.. أنا.. أنا أسفة.. سامحيني.
بصيت لها ونزلت إيدها بالراحة وقلت النبض استقر، والمحاليل شغالة تمام. بكرا الصبح هيمر عليكي دكتور النبطية الجديدة يطمن على الجرح.
أبويا قرب خطوة، وصوته كله رعشة يا ماري يا بنتي.. عشان خاطر الست العذراء بلاش قضايا ومحاكم.. إحنا أهل، وبنتنا غلطت في حقك وإحنا ظلمناكي، بس الفضايح مش هتعمل حاجة.. بلاش تخربي بيت أختك وتفصحينا وسط الناس والكنيسة.
بصيت لأبويا بابتسامة سخرية أهل؟ فين كلمة أهل دي لما رمتوني في الشارع؟ فين الأهل لما كنت بشتغل بال 18 ساعة وبنام على كراسي الكلية عشان ماليش تمن سكن؟ فين الكنيسة والأصول لما كيرستن زورت إمضائي وسرقت شقايا وعرقي؟
أمي عيطت وقالت يا بنتي اختك كانت طايشة.. ومكنتش تعرف..
قاطعتها بحسم كانت عندها 27 سنة يعني مش طفلة.. اللي يزور ويسرق ويتبلى على أخته ويحرمها من أبوها وأمها يبقى مجرم. والقضية مش هتقف يا بابا.. مش عشان فلوس، أنا بقيت دكتورة والحمد لله مش محتاجة قرش من حد.. القضية دي هترفع عشان الورق الرسمي يثبت للدنيا كلها مين فينا الكدابة ومين الحرامية.. وعشان لما اسمي يتذكر وسط الناس، يتذكر وأنا راسي في السماء.
لفيت ضهري وبصيت لكيرستن اللي كانت بتشهق من العياط حمد الله على سلامتك يا كيرستن.. شيلتلك الرحم اللي كان هيموتك، بس الرحمة اللي كانت في قلبي ليكي.. أنتِ اللي موتيها بإيديكي من 5 سنين.
خرجت من الأوضة، وقفت في الممر، الشمس كانت بدأت تطلع ونور الصبح المالي المستشفى.. لأول مرة أحس إن النور ده طالع عشاني أنا بس.
نزلت من دور الغرف وخرجت برة مبنى المستشفى كله. كانت نسمة الصبحية بتخبط في وشي، ونور الشمس لسه طالع بيشق عتمة الليل الطويل اللي عشته. قعدت على مصطبة في جنينة المستشفى، وأخدت نفس عميق حسيت بيه بيوصل لأخر حتة في روحي.
ما لحقتش أقعد خمس دقايق ولقيت أبويا نازل ورايا بيجر رجليه، شكله عجز وعجزت معاه الهيبة اللي كنت بترعب منها زمان. قرب وقف قدامي، وعينيه مكسورة في الأرض.
ماري.. يا بنتي. صوت أبويا كان واطي ومبحوح. أنا مش جاي أقولك بلاش المحكمة.. أنا جاي أقولك إنك عندك حق. لو عايزة تحبسيها احبسيها، ولو عايزة تاخدي بيتنا وتطردينا منه عشان تدوقينا نفس الكأس.. خدي. بس أرجوكي.. بلاش النظرة دي. نظرة الغُرب اللي في عينيكي بتدبحني يا بنتي.
بصيت له وربعت إيدي وقلتله ببرود تام والدبح ده بيوجع أكتر ولا دبح البنت اللي طردتها في عز البرد وهي بتتحايل عليك تبص في عينيها وتصدق إنها شريفة وناجحة؟ أنت عارف يعني إيه بنت في سِنّي وقتها تنام في مواصلات ومصليات مستشفيات عشان معهاش تمن أوضة؟
أبويا نزلت دمعته ومسحها ب كم قميصه بحركة مكسورة أنا غلطت.. شلت ذنبك في رقبتي العمر كله، وياما صليت وولعت شمع في الكنيسة عشان ربنا يسامحني ويرجعك.. كيرستن جابتلنا رسايل وصور متفبركة على تليفونها، وأقسمت بإنجيل جدي إنك مشيتي في السكة الشمال وضيعتي شرفنا وفلوسنا. عقلي طار.. كنتي عايزاني أصدق إيه؟
وقفت ووقفت قدامه، وبقيت أطول منه بعزتي وكرامتي كانت نفسي تصدق تربيتك يا بابا.. كان نفسي تفتكر إني بنتك ماري اللي مابتنامش من المذاكرة. بس أنت اخترت الأسهل.. اخترت تصدق الكدب وتتخلى عني عشان ترتاح من مسؤوليتي.
في اللحظة دي، عربية دانيال وقفت قدام باب المستشفى. دانيال نزل من العربية ببذلته الأنيقة وهيبته كمحامي، وأول ما شافني ملامحه ارتاحت وجري عليا. بص لأبويا بنظرة قوية وحاسمة، وبعدين لف ليا ومسك إيدي وباسها قدامه.
جاهزة يا حبيبتي؟ دانيال سألني وعينيه كلها حنية.
جاهزة يا دانيال.
أبويا بص لدانيال وقال بصوت مهزوز أنت جوزها؟ دانيال؟
دانيال بصله بثبات ورد عليه أيوة يا فندم.. أنا دانيال، جوز الدكتورة ماري يعقوب. الشخص اللي وقف في ضهرها وهي بتنجح وبتكبر، والشخص اللي شهد على دموعها وقهرتها يوم إكليلنا لما الكراسي بتاعتكم فضلت فاضية ومحدش جه يبارك لها.
أبويا سكت وما قدرش ينطق بكلمة.
ركبت العربية جنب دانيال، وقبل ما يتحرك ويسوق، بصيت من الشباك على المستشفى وأبويا لسه واقف في مكانه زي التمثال. دانيال مسك إيدي وساق العربية وهو بيقولي المحاسب القانوني كلمني وخلص التقرير النهائي للتزوير، والورق كله هيتقدم للنيابة الحد الصبح.
سندت راسي على الشباك وابتسمت، مش شماتة ولا رغبة في الانتقام، بس إحساس إن العدل مش مجرد كلمة في الكتب.. العدل بييجي، حتى لو تأخر خمس سنين، بييجي ويخبط على بابك ويقعدك في المكانة اللي تستاهليها، والكل واقف حواليكي بيتمنى رضاكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *