الأرملة بقلم منال عباس الثانى والاخير
الأرملة بقلم منال عباس
الثاني والاخير
اتثبتت عيني على العلامة المحفورة فوق الحجر ونبضات قلبي بقت أسرع من أي وقت فات آدم لمح نظرتي وفهم من غير ما أتكلم جري ناحيتي بسرعة ووقف قدامي يمنع الرجالة يقربوا مني وهو بيقول بصوت عالي اهربي يا ليلى متبصيش وراكي
لكن الراجل الكبير ضحك وقال خلاص عرفتي السر الحقيقي وده أكبر غلط عملتيه
نزلت على ركبتي بسرعة ومسحت التراب من فوق الحجر أكتر ولقيت فيه فتحة صغيرة بنفس شكل المفتاح النحاسي اللي كان وقع وسط الحشائش
الرجالة كلهم بقوا يدوروا بجنون على المفتاح وأنا كنت ببص للمكان اللي وقع فيه وفجأة لمحت طرفه بين الأعشاب
جريت بكل قوتي رغم تعبي والحمل ومديت إيدي وخطفته قبل ما يوصلوله
صرخ الراجل وقال امسكوها
آدم دخل بينهم ومنعهم بكل شجاعة وقدر يعطلهم ثواني قليلة كانت كفاية بالنسبة لي
رجعت ناحية الحجر بسرعة وحطيت المفتاح في الفتحة
أول ما لففته سمعت صوت قوي خارج من تحت الأرض
الأرض كلها اهتزت
الحجر اتحرك لوحده ببطء وكشف عن سلم حجري نازل لتحت في ظلام عميق
كل اللي كانوا واقفين اتجمدوا من المفاجأة
الراجل الكبير ابتسم ابتسامة كلها طمع وقال أخيرًا
نزل أول واحد وهو بيجري من غير حتى ما يفكر
آدم مسكني وقال متنزليش وراه ممكن يكون عامل فخ
لكن قبل ما أرد عليه سمعنا صرخة مرعبة طالعة من جوه السرداب
صرخة خلت الرجالة اللي معاه يتراجعوا بخوف
بعد ثواني طلع الراجل الكبير وهو بيزحف على السلم ووشه كله تراب وعينيه مليانة رعب
كان بيكرر نفس الجملة
اقفلوه
اقفلوه بسرعة
متنزلوش
في حد تحت
بصيتله وأنا مش فاهمة
إزاي الراجل اللي كان داخل بكل الجرأة دي خرج بالشكل ده
وفجأة خرج صوت هادي من عمق السرداب
ليلى
انزلي لوحدك
متخافيش
أنا مستنيكي من زمان
الصوت كان غريب لكنه مألوف بطريقة خلت جسمي كله يقشعر
نزلت درجة ورا التانية وأنا ماسكة الحائط
كل ما أنزل كنت بلاقي المكان متبني بحجارة قديمة ومنقوش عليها نفس الرمز اللي كان ياسين بيلبسه في سلسلته
وصلت لقاعة واسعة فيها صناديق خشب قديمة ورفوف مليانة ملفات مغبرة
وفي آخر القاعة كان فيه كرسي خشبي قاعد عليه رجل عجوز شعره أبيض بالكامل
أول ما شافني وقف بصعوبة ودموعه نزلت من عينيه
وقال
الحمد لله
وصلت حفيدة العيلة الأخيرة
اتلخبطت وقلت أنا مش فاهمة
ابتسم وقال
إنت مرات ياسين
يبقى إنت دلوقتي صاحبة الأمانة كلها
مد إيده وطلع صندوق صغير من تحت الكرسي
وقال
ده اللي ياسين خاطر بحياته عشانه
فتح الصندوق قدامي
كان فيه دفتر جلدي قديم وعدد كبير من العقود والأختام الرسمية وفوقهم فلاشة صغيرة وحديثة بشكل غريب
استغربت جدًا
إزاي فلاشة حديثة وسط كل الحاجات القديمة
العجوز قال
دي آخر حاجة سلمها ليا ياسين قبل ما يختفي
وقال لو حصلي حاجة أوصلها لمراتي لأنها عليها الدليل اللي هيقلب البلد كلها
وفي اللحظة دي سمعنا صوت خطوات كتيرة جاية من مدخل السرداب
العجوز اتغير لون وشه وقال بسرعة
فات الأوان
هم عرفوا إن الفلاشة لسه موجودة وجايين ياخدوها بأي تمن بقلم منال عباس
بصيت للعجوز وللفلاشة اللي في إيده وحسيت إن كل اللي فات كان مجرد بداية لحاجة أكبر بكتير
العجوز مسك إيدي وحط الفلاشة فيها وقال اسمعيني كويس مهما حصل أوعي تسيبيها تقع من إيدك لأن دي مش مجرد ملفات دي الحقيقة اللي ناس كتير دفعت عمرها عشان تختفي
قبل ما ألحق أرد الباب الحجري للسرداب اتفتح بعنف
دخل الراجل الكبير ومعاه رجال كتير وكل واحد فيهم ماسك عصاية أو س*لاح أبيض
ابتسم وهو بيبص للفلاشة وقال الحمد لله تعبتونا كتير
آدم وقف قدامنا وهو بيحاول يمنعهم لكن عددهم كان كبير
العجوز بص حواليه بسرعة وبعدها ضغط على حجر صغير في الحيطة
وفجأة اتفتح ممر ضيق جدًا ورا الرفوف
قاللي اجري يا ليلى
من غير تفكير جريت وأنا ماسكة الفلاشة والدفتر الجلدي
آدم دخل ورايا والعجوز فضل واقف عند المدخل يعطلهم
آخر حاجة سمعتها قبل ما الممر يتقفل كانت صوته وهو بيقول سامحني يا ياسين أنا وفيت بوعدي
قفلت الصخور وراه واختفى صوته
فضلت أجري في الممر وأنا ببكي ومش عارفة إذا كان لسه عايش ولا لا
الممر كان طويل ومظلم لحد ما وصلنا لباب خشب قديم
فتحناه وطلعنا في أوضة تحت البيت نفسه
وقفت مصدومة
دي نفس الأوضة اللي فيها المرآة القديمة
يعني السرداب كله كان تحت البيت من البداية
آدم قال بسرعة لازم نهرب قبل ما يعرفوا الطريق ده
لكن قبل ما نخرج سمعت صوت خبط جاي من تحت الأرض
واضح إنهم اكتشفوا الممر
جريت ناحية الباب الخارجي
أول ما خرجنا لقيت عربية سوداء واقفة قدام البيت
نزل منها راجل أنيق لابس بدلة سودا ونظارته مخبية عينيه
أول ما شافني رفع إيده وقال متخافيش
أنا مش منهم
طلعت لورا بغريزة الخوف
قال بهدوء أنا اسمي هشام
وياسين كان بيشتغل معايا
اتصدمت وقلت مستحيل
ياسين عمره ما قال إنه بيشتغل غير في الورشة
ابتسم بحزن وقال الورشة كانت مجرد غطا
الحقيقة إنه كان بيجمع أدلة ضد شبكة كبيرة بتزور عقود الأراضي وتسرق أملاك الناس من سنين
والفلاشة اللي معاكي هي آخر نسخة من كل الأدلة
لو وصلت للشرطة هيتقبض على رؤوس كبيرة
ولو وقعت في إيدهم كل حاجة هتضيع
مدلي ظرف أبيض وقال افتحيه
فتحته
كان فيه تحليل حمض نووي وصورة لطفل صغير
بصيتله باستغراب
قال الطفل ده اسمه كريم
سكت لحظة وكمل
وده ابن ياسين
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة
صرخت وقلت إنت بتكدب
ياسين عمره ما خانني
هشام هز راسه وقال أنا مقولتش إنه خانك
الطفل ده اتولد قبل ما يعرفك بسنين
وأمه ماتت وهو كان مخبيه عن كل الناس عشان يحميه
وقبل ما يقدر يحكيلك الحقيقة اتق*تل
لسه الصدمة مسيطرة عليا
وفجأة خرج طفل صغير من العربية وجري ناحيتي
أول ما وقف قدامي رفع سلسلة كانت في رقبته
وفيها نفس الخاتم اللي كان ياسين بيلبسه طول عمره
وبصلي بعينيه اللي كانت نسخة من عيون ياسين وقال
حضرتك ليلى
بابا كان بيقول إنك أكتر واحدة هيقدر يثق فيها لو هو غاب فجأةبقلم منال عباس
وقفت مكاني وأنا ببص للطفل الصغير ودموعي نزلت من غير ما أحس كان شبه ياسين بطريقة تخلي أي حد يعرف إنه ابنه من أول نظرة ركع قدامي وقال بصوت بريء بابا كان دايمًا يقول لو غبت يوم هتلاقي ليلى هي الأمان ليك لأنها عمرها ما تخون ولا تبيع ضميرها
حضنته بقوة وأنا ببكي لأول مرة من يوم وفاة ياسين حسيت إنه لسه معايا وإن روحه سايبة ليا رسالة في صورة طفل بريء
هشام مد إيده وقال لازم نتحرك حالًا لأنهم قربوا
ركبنا العربية وانطلقنا بسرعة والرجالة كانوا بيجروا ورانا لكن هشام عرف يبعد عنهم لحد ما وصلنا لمكان آمن
أول حاجة عملناها إننا سلمنا الفلاشة والدفتر وكل العقود للجهات المختصة
وبعد أيام قليلة بدأت الحقيقة تظهر للناس
اتقبض على أفراد الشبكة واحد ورا التاني
وكل الأراضي والبيوت اللي كانوا سرقوها رجعت لأصحابها
أما الراجل الكبير فحاول يهرب لكنه اتقبض عليه قبل ما يخرج من البلد
واعترف بكل حاجة
واعترف إن ياسين رفض يبيع ضميره مقابل ملايين وإنه فضل يحارب لوحده لحد ما دفع حياته تمن للحقيقة
بعدها بأيام وصلتني رسالة رسمية بتثبت إن البيت والأرض وكل الممتلكات رجعت لورثة العيلة الشرعيين
وأنا وابني وكريم بقينا أصحاب المكان فعلًا
رجعت أصلح البيت حجر حجر
المكان اللي كان الناس بتخاف تقرب منه بقى أجمل بيت في المنطقة
زرعت الأرض
وجددت السقف
ورجعت الحياة لكل ركن فيه
وبعد شهور قليلة ولدت طفل جميل
سميته ياسين
عشان كل ما أنادي عليه أفضل فاكرة الراجل اللي اختار الشرف حتى وهو عارف إن تمنه حياته
وكريم كبر وهو شايل أخوه الصغير في كل مكان ويقوله إنت مش أخويا بس إنت أعظم هدية سابهالنا بابا
أما آدم ففضل أخ وصديق وسند لينا وكان بيزورنا كل يوم يساعدنا في الأرض والزرع لحد ما بقى واحد من العيلة
وفي يوم وأنا بنضف الأوضة القديمة لقيت آخر ورقة كانت مستخبية جوه إطار المرآة
فتحتها وأنا مستغربة
كان خط ياسين
بيقول
لو وصلتي للكلام ده يبقى عرفتي كل الحقيقة
أنا كنت أتمنى أعيش العمر كله جنبك لكن الأعمار بيد ربنا
أوعي تخلي الفلوس تغير قلبك
ولو الكنز بقى في إيدك افتكري إن قيمته مش في الدهب
قيمته إنه رجع الحق لأصحابه
وربي ابننا على إن الإنسان الغني مش اللي معاه كنوز
الإنسان الغني هو اللي ينام وضميره مرتاح
قفلت الرسالة وحطيتها على قلبي وبصيت للبيت اللي كان يوم من الأيام مجرد خرابة
وافتكرت أول ليلة دخلته فيها وأنا خايفة ووحيدة
دلوقتي بقى مليان ضحك أطفال وأمل وراحة
وعرفت إن ربنا أوقات بيخبي أعظم الأرزاق جوه أصعب الابتلاءات
وإن الإنسان ممكن يخسر بيت ومال وسند
لكن طول ما عنده صدق وصبر وإيمان
هيلاقي باب بيتفتح له من مكان عمره ما كان يتخيله
ومن يومها كل واحد كان يسألني إزاي اتغيرت حياتك
كنت أبتسم وأقول
الكنوز الحقيقية مش اللي بتلمع تحت التراب
الكنوز الحقيقية هي الأمانة والصبر والحق
لأن المال ممكن يبني بيت
لكن الأخلاق وحدها هي اللي تبني وطن وقلب وعيلة تعيش بسلام إلى آخر العمر
تمت ❤️ بقلم منال عباس