قوة المظلوم بقلم منال عباس الثاني والاخير
قوة المظلوم بقلم منال عباس
الثاني والاخير
بصت هنية في عيون أخواتها اللي انكسرت هيبتهم ومبقتش فيها غير لمعة انكسار ممزوجة بذهول، عتمان حاول يلملم كرامته المهدورة وقال بصوت مبحوح: “انتي اشتريتي ديونا يا هنية؟ يعني بقيتي انتي اللي بتتحكمي في لقمة عيشنا؟”، هزت هنية راسها بهدوء وقالت: “يا خوي الديون ما بتنشرش غير لما صاحبها ييأس من السداد، وأنا كنت متابعة حالكم من بعيد، وشفت كيف ضيعتوا رزق أبوي في صفقات خسرانة، أنا ما اشتريتش الديون عشان أذلكم، أنا اشتريتها عشان أحمي اللي باقي من اسم أبوي اللي أنتوا كنتوا هتمسحوه بالأرض، الأرض دي اللي كانت بتطعم غريب وقريب، بقيتوا أنتوا بتستلفوا حق بذورها”، دخل حمدان في الكلام بصوت مهزوز وقال: “يا أختنا إحنا غلطنا، والشيطان شاطر، وطمعنا عيونا عن الحقيقة، سامحينا وفتحي صفحة جديدة”، ضحكت هنية ضحكة خفيفة مافيهاش فرحة، لكن فيها وجع سنين، وقالت: “المسامحة عند ربنا يا حمدان، بس في الدنيا الحقوق لازم تتوزع بميزان العدل، أنا مش طمعانة في قرش زيادة، بس الأراضي اللي اتباعت عشان تسددوا ديونكم، أنا رجعت اشتريت الجزء الأكبر منها باسمي، والبيوت اللي كانت رهينة للبنوك بقت ملكي، أنتوا دلوقتي ضيوف في بيت كنتوا فاكرين إنه ملككم ومحدش ليه حق فيه غيركم”، كان كل حرف بتنطقه هنية بيقع على قلبهم زي الجمر، حسوا بجد بمرارة الكأس اللي سقتوهولها زمان، هنية قامت وقفت، لبسها وحضورها كانوا مالين المكان، وقالت وهي بتبص للحيطان اللي كانت شاهدة على طردها: “الليلة دي هتباتوا فيها، وبكرة الصبح كل واحد فيكم هيعرف طريقه، مش هطردكم زي ما طردتوني، لأني مش من طينتكم، بس هحطكم قدام حقيقتكم، هشتغلوا في الأرض اللي كانت ملككم، بس بأجرة زيكم زي أي أجير، ولو أثبتوا صدق ندمكم، يمكن الحقوق ترجع لأصحابها”، سابتهم هنية في حيرتهم وخوفهم من المجهول، وطلعت لغرفتها القديمة اللي كانت بتنام فيها وهي بتعيط، دخلتها وهي حاسة إنها قفلت كتاب وفتحت كتاب جديد، بس المواجهة ما انتهتش، لأن لسه في قلوبهم غل مدفون، ولسه الحكاية فيها فصول تانية من الصراع بين الطمع والندم، والحق اللي بيفرض كلمته في أخر المشوار.بقلم منال عباس
مرت الأيام والبيت الكبير اللي كان بيضج بصوت جبروت عتمان وحمدان، تحول لمكان خيم عليه سكون غريب ومريب، الأخين بقوا بيصحوا مع الفجر، يلبسوا جلابيبهم المشقوقة ويطلعوا للغيط اللي كان في يوم من الأيام ملكهم، دلوقتي بيشتغلوا فيه بأجر يومية تحت عين “هنية” اللي بتراقب كل شاردة وواردة، كانت واقفة في الشرفة اللي بتطل على الأرض، لابسة عبايتها المطرزة بوقار، ماسكة مفكرتها وبتحسب حسابات الموسم، لا بتشمت فيهم بكلمة، ولا بتبص ليهم بنظرة استعلاء، بس نظراتها كانت بتحرقهم أكتر من أي لوم، في المندرة بالليل، كان عتمان بيمسح عرقه بيده الخشنة ويقول لحمدان: “يا خوي البت دي كبرت، مابقيتش هنية اللي بنكسر خاطرها، دي بقت بتفهم في الحساب أكتر من تجار البندر، كل ما نزرع حاجة ونفكر نغش في الميزان، نلاقيها واصلة قبلينا”، حمدان كان بيرد عليه بقلب مكسور: “يا عتمان ده مش ذكاء وبس، دي بركة الحق اللي رجعت لصاحبته، إحنا كنا بننهش في لحم أختنا، والنهش في الدم ما بيجيبش غير الفقر والذل”، وفجأة، وفي نص ليلة مقمرة، قرر عتمان إنه ينهي الوضع ده، كان فاكر إن الحل في القوة اللي نسيوا إنها ولت زمان، دخل على هنية في مكتبها وهي بتراجع دفاتر الشركة، وقبل ما تنطق، صرخ: “كفاية لحد كده يا هنية، إحنا مش هنفضل خدامين تحت إيدك في أرضنا، إما ترجعي لينا حقنا وتفضّي السيرة، أو…”، سكت عتمان لما شاف هنية بتقوم ببطء، ملامحها ثابتة زي الجبل، وطلعت من الدرج ورقة كبيرة مختومة بختم المحكمة، رميتها قدامهم على المكتب وقالت بصوت هادي كأنه رعد في سكون الليل: “أنا ما جيتش عشان أخد أرضي منكم، أنا جيت عشان أعلمكم إن الأرض اللي ما تترويش بدم العرق، ما بتطرحش غير شوك، الورقة دي بتثبت إن كل قرش دخلتوه في ديونكم كان من مال أبويا اللي سرقتوه، وأنا بملك كل أصولكم، بس في حاجة تانية أنتوا ما تعرفوهاش”، اتسعت عيونهم من الخوف، وهنية كملت كلامها اللي وقع عليهم كالصاعقة: “أنا لقيت ورق قديم لأبويا، ورق بيثبت إن في حتة أرض في آخر حدود البلد، كانت مكتوبة باسمي وباسم أمي، وأنتوا كنتوا بتزرعوها سنين وبتخفوا عني خراجها، حساب الأرض دي لوحده يكفي يسجنكم سنين، بس أنا مش عايزة حبسكم، أنا عايزة أعرفكم إنكم طول السنين اللي فاتت، ما كنتوش بتاكلوا حقكم، كنتوا بتاكلوا حق اليتيمة اللي كانت بتدعي لكم بالهداية”، في اللحظة دي، انهار عتمان على الكرسي، وبدأ حمدان يبكي زي العيل الصغير، اللحظة دي كانت أشد من أي طرد، كانت لحظة مواجهة الحقيقة اللي مفيش بعدها مفر، وهنية كانت عارفة إن لسه في فصول تانية للدراما دي، لسه الخيوط متشابكة، ولسه الأرض اللي تحت رجليهم بتشهد على خيانات ما انطوتش صفحتها بالكامل، كانت بتشوف في عيونهم بريق طمع أخير بيحاول يتجمع، وعارفة إن الذيب لما بيحس بالخطر بيكشر عن أنيابه، وهي كانت مستعدة، مش بس بمالها ولا بقوتها، لكن بحقها اللي بقى درعها الحصين.بقلم منال عباس
بينما كان عتمان وحمدان غارقين في دوامة الندم والانكسار، قرر شيطان الطمع اللي مازال بيسكن نفوسهم يهمس ليهم بآخر خيط من خيوط الضلال، ففي ليلة كانت السما فيها مربدة بالسحب والريح بتصفر في نواحي الدار، اتجمع الأخين في زاوية ضلمة من المندرة، عتمان بص لأخوه بعيون مليانة حقد وقال بصوت واطي ومبحوح: “هنية ناوية تذلنا وتخلينا خدامين عندها لآخر العمر، والورق اللي معاها ده لو طلع للمأمور هيودونا في داهية، مالناش حل غير إننا نرجع الأرض اللي سرقناها منها بالقوة قبل ما القانون يثبت كلامها”، حمدان تردد في الأول بس الخوف من السجن والخزي خلاه يطاوع شيطانه، وبدأوا يخططوا لعملية “ليلة الحصاد المر”، كانوا مفكرين إنهم ممكن يسرقوا الأوراق من خزانة هنية ويهددوا حياتها عشان تتنازل عن كل شيء، ما كانوش عارفين إن هنية اللي عاشت في الغربة واتعلمت من قسوة الأيام بقت أذكى من إنها تسيب ثغرة ليهم، في اللحظة اللي كانوا بيحاولوا فيها يتسللوا لأوضة المكتب بقلوب بتدق زي الطبول، فوجئوا بهنية قاعدة على الكرسي، والضوء خافت، وفي إيدها دفتر صغير وقلم، بصت ليهم بهدوء مرعب وقالت: “كنت عارفة إنكم جايين، لأن الطبع يغلب التطبع، وكنت عارفة إنكم مش هتتعلموا الدرس غير لما تشوفوا نهايتكم بإيدكم”، في اللحظة دي خرج من ضلمة المكتب اتنين من حراسها اللي جابتهم من المدينة، وأطبقوا على عتمان وحمدان اللي تجمدت الدماء في عروقهم، هنية قامت وقفت، طولها وهيبتها كانوا بيملوا الأوضة، وقربت منهم خطوة وبصت في عيونهم اللي بتهرب من نظراتها وقالت: “يا إخواتي، أنا ما جيتش عشان أنتقم، أنا جيت عشان أرد اعتبار روحي، والنهارده الورق اللي أنتوا جايين تسرقوه ده، هو نفسه اللي بيبرئكم من تهم السرقة اللي كنت هرفعها عليكم، أنا سجلت كل تنازلاتكم وكل اعترافاتكم بصوتكم وبشهود، ولو فكرتوا تعملوا حركة تانية، السجن مش هيكون بعيد عنكم، بس أنا هديكم فرصة أخيرة، فرصة تعيشوا بكرامتكم بعيد عني، هتاخدوا مبلغ يكفيكم تبدأوا حياة تانية بعيد عن البلد، بس بشرط، تخرجوا منها وما ترجعوش تاني، والأرض دي والدار دي هيبقوا وقف للغلابة والمحتاجين من أهل بلدنا، عشان الحق اللي اتاكل يرجع لأهله الحقيقيين”، سكتت هنية وسابتهم يواجهوا الحقيقة المرة، حقيقة إن جبروتهم انتهى، وإن البنت اللي استضعفوها بقت هي اللي بتحدد مصيرهم، وبكده بدأت خيوط النهاية تترسم بوضوح، خيوط بتقول إن الظلم مهما طال ليله، لا بد من فجر يجي يكشف المستور، والحكاية قربت توصل لمبتغاها، مش بانتقام، لكن بدرس قاسي بيخلي الكل يعرف إن الحق ما بيضيعش، وإن الدنيا دي دايرة، واللي يزرع الشوك ما يحصدش غير العذاب.بقلم منال عباس
في الصباح الباكر وقبل ما تشرق الشمس، كان عتمان وحمدان بيحزموا ما تبقى من متاعهم القليل بعد ما سلموا مفاتيح الدار والدار اللي كانت يومًا رمز لجبروتهم وطمعهم، هنية وقفت عند باب الدار العتيق، لابسة توبها الأسود الفاخر، عيونها كانت بتلمع ببريق الانتصار اللي مش قايم على جثث الناس، لكن قايم على إعمار الحق في مكانه الصحيح، قبل ما يخطوا خطوة واحدة خارج حدود الأرض اللي شهدت ظلمهم، ناديتهم هنية بصوت هادي وقوي رسخ في مسامعهم: “يا أخواتي، الأرض اللي طردتوني منها عشان كنت بنت ضعيفة، هي اللي علمتني إن القوة مش في الدراع، لكن في القلب اللي بيعرف يغفر وهو قادر، وفي العقل اللي بيعرف يزرع البذرة في مكانها الصح، خدوا القرشين اللي اديتهم ليكم، مش عطية مني، لكن حقكم في اللي فضل من مال أبوي، ابدأوا حياة جديدة، بس افتكروا إن كل شجرة بتكبر في الغيط ده، وكل لقمة عيش بيأكلها محتاج من ريع الأراضي دي، هي شاهدة عليكم وعلى اللي عملتوه، الدنيا دوارة يا خوي، والرزق اللي بيجي بالظلم بيدوب زي الملح في المية، والبركة ما بتنزلش في دار بنيت على دموع اليتيم”، مشي الأخين مطأطئي الرؤوس، الخطوات كانت تقيلة عليهم مش بس من حمل الشنط، لكن من حمل الخزي اللي طوق رقابهم، هنية بصت على الغيطان الخضراء اللي بدأت تطرح خير بعد ما رجعت لها الروح، وأمرت بتحويل جزء كبير من أرباح الأرض لدار أيتام ومستوصف للغلابة، بقت هنية في نظر أهل البلد “ست الناس” اللي علمت الكل إن الضعف عمره ما كان عيب، والفقر عمره ما كان قلة حيلة، العيب في اللي ينسى أصله ويبيع أهله عشان شوية طين، والضعيف بيبقى قوي لما يسلح نفسه بالعلم وبالصبر، والحكاية انتهت بدار مليانة عمار، وأرض بتطرح خير، ودرس اتكتب بحروف من نور على جدران الصعيد، إن الحق دايماً بياخد مجراه حتى لو طال الزمان، وإن اللي بيسيب حقه لله، ربنا بيعوضه باللي يخليه سيد في قومه، وما بين جدران المندرة اللي بقت دلوقتي مدرسة للتعليم، فضل ذكرى هنية محفورة، مش كست غنية وبس، لكن كـ “حكيمة” عرفت إن الحياة مش بس أكل وشرب، لكن أمانة بنشيلها، والجزاء دايماً بيجي من نفس العمل، ومن زرع الشوك ما بيحصدش غير الندم، ومن زرع الحب والعدل بيحصد رضا ربنا وراحة البال، وهكدا قفلت هنية كتاب الماضي، وبدأت تكتب بمداد الخير فصل جديد في حياة البلد، وبقت سيرتها على لسان كل صغير وكبير، حكاية بتتحكي لكل مظلوم، بتقوله اصبر، فالحق شمس لا تغيب، والعدل ميزان لا يميل إلا بيد الله.
الخاتمة روايات منال عباس
“يا أخواتي، الأرض اللي طردتوني منها عشان كنت بنت ضعيفة، هي اللي علمتني إن القوة مش في الدراع، لكن في القلب اللي بيعرف يغفر وهو قادر، وفي العقل اللي بيعرف يزرع البذرة في مكانها الصح، والرزق اللي بيجي بالظلم بيدوب زي الملح في المية، والبركة ما بتنزلش في دار بنيت على دموع اليتيم.”
تمت ❤️😍😍❤️❤️