يا باشا محتاجة شغل
يا باشا… محتاج شغالة؟ والله أشتغل أي حاجة… بنتي بقالها يومين ما داقتش لقمة.
قالتها الست وهي واقفة قدام الفندق، مستخبية تحت المظلة من مطرة نوفمبر، هدومها مبلولة، وحاضنة طفلة نايمة على صدرها.
كنت هعدي من جنبها كأني ما شفتهاش…
لكن أول ما رفعت وشها…
الدنيا كلها وقفت.
منى؟!
شفايفها كانت بتترعش، وكدمة صفرا باينة على خدها، وشعرها مقصوص بعشوائية. البنت الأنيقة الهادية اللي كنت أعرفها… اختفت، وما فضلش منها غير إنسانة مكسورة.
بصتلي بخوف وهمست
يا يوسف… ماتبينش إنك عرفتني. أمك حاطة ناس بيراقبوني.
وقلبي وقع.
بنتي.
كان عندها سنة واحدة بس…
وده معناه إن منى كانت حامل وقت ما اختفت.
دخلتهم الفندق من غير ما ألفت نظر حد، ولما طلعنا للجناح وقفلت الباب…
الحقيقة نزلت عليّ زي الصاعقة.
منى حطت البنت بين إيديا وقالت وهي بتعيط
اسمها رحمة… بنتك.
كل حاجة قدامي اتشقلبت…
العربية اللي قالوا إنها اتحرقت…
العزا اللي حضرته…
والدموع اللي نزلتها على واحدة افتكرتها ماتت.
كل ده كان كدب.
بعدين قالت الجملة اللي هدت حياتي كلها
أمك خطفتني… وزورت كل حاجة. ولما عرفت إني حامل، حبستني وخبتني عن الدنيا.
في اللحظة دي…
تليفوني رن.
أمي.
يا يوسف… إنت فين؟ العشا هيبدأ دلوقتي.
رديت بهدوء
جاي.
لكن الحقيقة…
إني ماكنتش رايح أتغدى…
كنت رايح أبدأ الحرب… وأرجع حقي أنا ومراتي وبنتى
فضلت باصص لرحمة وهي نايمة بين إيديا.
وشها الصغير كان هادي…
ولا تعرف إن حياتها كلها اتبنت على كدبة.
رفعت عيني بصيت لمنى.
كانت قاعدة على طرف الكنبة، إيديها بترتعش، وكل
شوية تبص ناحية الباب كأنها مستنية حد يقتحمه.
قعدت قدامها بهدوء.
وقلت
احكيلي من الأول… من غير ما تخبي حاجة.
منى أخدت نفس طويل.
وبعدين قالت
فاكر يوم ما خرجت من عندك قبل الفرح بأسبوع؟
هزيت راسي.
إزاي أنساه؟
كان آخر يوم شفتها فيه.
قالت
أول ما ركبت العربية… عربية سوداء وقفت قدامي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
نزل منها اتنين… قالولي إن والدتك تعبت وعايزاني بسرعة.
ابتسمت بسخرية وهي بتمسح دموعها.
صدقتهم… لأني ماكنتش متخيلة إن أمك ممكن تعمل فيا كده.
سكتت ثواني.
وبعدين كملت.
أول ما ركبت… حطوا منديل على وشي.
غمضت عينيها.
ولما فوقت… كنت في أوضة مقفولة.
إيدي اتقبضت.
ولقيت والدتك واقفة قدامي.
الكلام بقى تقيل على صدري.
قالتلها
يوسف هيتجوز بنت من مستواه… وإنتي هتختفي من حياته.
منى قالت وهي بتبكي
افتكرتها بتهددني وخلاص.
لكن اللي حصل بعد كده…
كان أسوأ.
فضلت محبوسة أيام.
موبايلها اتكسر.
وكل ورقها اتاخد.
ولما حاولت تهرب…
اتضربت.
الكدمة اللي في خدها…
ماكانتوش أول واحدة.
ولا آخر واحدة.
سألتها بصوت مخنوق
ولما عرفتي إنك حامل؟
بصت على رحمة.
وابتسمت لأول مرة.
ابتسامة كلها وجع.
كنت فرحانة.
قلت أول ما والدتك تعرف… قلبها هيلين.
سكتت.
لكنها قالت إن الطفل ده لازم يختفي هو كمان.
الدم غلى في عروقي.
وقفت مرة واحدة.
كفاية.
لكن منى مسكت إيدي.
لا… لازم تعرف كل حاجة.
حكتلي إنها فضلت محبوسة شهور.
ولما بطنها كبرت…
نقلوها لمزرعة قديمة برة القاهرة.
مكان بعيد.
مافيهوش غير راجل عجوز وست كبيرة كانوا بياخدوا فلوس علشان يراقبوها.
وهناك…
ولدت رحمة.
من غير مستشفى.
ولا دكتور محترم.
كانت بتموت.
والبنت كمان.
لكن ربنا كتب لهم عمر جديد.
بعد الولادة…
طلبت تشوفني.
كل يوم.
لكن أمي كانت تدخل الأوضة وتقول لها
يوسف نسيكي.
يوسف اتجوز.
يوسف هو اللي طلب مني أخفيكي.
منى كانت بتصدق.
لحد ما بعد سنة…
سمعت الراجل العجوز بيتكلم في التليفون.
وعرفت إني لسه بدور عليها.
وإني عمري ما بطلت أسأل.
من ساعتها…
بدأ عندها أمل.
واستغلت أول فرصة.
هربت.
فضلت تلف من مكان لمكان.
تشتغل يوم.
وتنام في الشارع يوم.
وتستخبى يوم.
لأن الناس اللي كانوا بيراقبوها…
لسه بيدوروا عليها.
سألتها
عرفتيني إزاي النهارده؟
قالت
كنت واقفة قدام الفندق بدور على شغل.
ولما شوفتك… افتكرت إني بحلم.
بصيت للبنت.
ولمسِت شعرها.
أنا ضيعت سنة كاملة من عمر بنتي.
سنة.
أول ضحكة.
وأول كلمة.
وأول خطوة.
كل ده…
اتسرق مني.
رن تليفوني تاني.
أمي.
قفلت الرنة.
بعدها بثانية…
بعتت رسالة.
لو ماجتش دلوقتي هزعل.
ضحكت.
أول ضحكة طالعة من القهر.
وقلت
المرة دي… الدور عليها تزعل.
فتحت اللاب توب.
دخلت على الملفات القديمة.
كل التحقيقات اللي اتعملت وقت اختفاء منى.
كلها كانت غريبة.
العربية المحروقة…
مالقوش فيها جثة.
وقالوا يمكن النار أكلت كل حاجة.
وقتها استغربت.
لكن صدقت.
دلوقتي…
كل حاجة بقت واضحة.
كان لازم يبقى فيه حد ساعد أمي.
لوحدها مستحيل تعمل كل ده.
اتصلت بأقرب واحد بثق فيه.
صاحبي عمر.
كان محامي.
رد بسرعة.
خير يا يوسف؟
قلت
عايزك عندي حالًا.
من غير أسئلة.
قال
ربع ساعة وأكون عندك.
قفلت.
منى اتوترت.
مين ده؟
قلت
الوحيد اللي هيثبت إنك لسه عايشة.
بعد نص ساعة.
خبط الباب.
فتحت.
أول ما عمر شاف منى…
رجع خطوة لورا.
ولون وشه اتغير.
مستحيل…
منى نزلت رأسها.
عمر فضل يبصلها ثواني.
وبعدين قال
إحنا حضرنا عزاكي بإيدينا.
قلت
وده أول دليل إن في جريمة.
دخل وقعد.
وسمع كل كلمة.
من غير ما يقاطع.
ولما خلصت…
قال بهدوء
لازم نتصرف بعقل.
أي خطوة غلط… هتخليهم يهربوا.
سألته
نعمل إيه؟
قال
أول حاجة… منى وبنتها يختفوا في مكان محدش يعرفه.
تاني حاجة… نبلغ النيابة.
تالت حاجة… نجمع أدلة قبل ما نواجه أي حد.
هزيت راسي.
كان معاه حق.
لكن جوايا…
كان في نار.
كنت عايز أروح دلوقتي.
وأقف قدام أمي.
وأقولها
ليه؟
لكن عمر وقف قدامي.
وقال
لو عملت كده… هتضيع مراتك وبنتك.
الكلمة دي فوقتني.
بصيت لرحمة.
كانت لسه نايمة.
ومسكة صباعي الصغير بإيدها.
أول مرة…
بنتي تمسك إيدي.
ووعدتها في سري.
مهما حصل… عمري ما هسيبك تاني.
الليلة دي…
ما حدش فينا نام.
منى كانت كل شوية تقوم تبص من الشباك.
ورحمة صحيت أكتر من مرة وهي بتعيط.
كنت أول مرة أشيل بنتي وهي صاحية.
بصتلي بعينيها الواسعة.
وفي الأول خافت.
لكن بعد دقيقة…
مدت إيدها الصغيرة ولمست دقني.
وبعدين ضحكت.
ضحكة بسيطة…
لكن بالنسبة لي كانت أغلى من الدنيا كلها.
حسيت إن سنة كاملة من عمري اتسرقت.
سنة كان المفروض أكون فيها أول واحد يسمع ضحكتها.
وأول واحد يشيلها.
وأول واحد يناديها باسمها.
لكن اللي حصل…
كان أكبر من مجرد ظلم.
كان جريمة.
…
الصبح بدري…
عمر رجع تاني.
كان معاه ملف كبير.
وقعد قدامي وقال
قلبت في كل الأوراق القديمة.
سألته
ولقيت إيه؟
فتح الملف.
وأخرج صور العربية المحترقة.
وقال
بص كويس.
بصيت.
العربية كانت متفحمة.
لكن حاجة شدت انتباهي.
قلت
دي مش عربيتي.
ابتسم عمر.
أخيرًا خدت بالك.
استغربت.
إزاي؟
قال
العربية نفس اللون والموديل… لكن رقم الشاسيه مختلف.
وقعت في صمت.
يعني من البداية…
العربية اللي اتحرقت ما
لمحة نيوز
كانتش عربيتنا.
يبقى حد بدلها.
والمحضر اتزور.
سألته
إزاي الشرطة ما خدتش بالها؟
قال بهدوء
لأن اللي كان ماسك القضية وقتها… اتنقل بعدها بأسبوع.
طلع ورقة تانية.
وده توقيعه.
بصيت للاسم.
افتكرته.
كان ظابط محترم.
مات بعدها بشهور في حادث طريق.
عمر قال
واضح إنه كان شاكك في حاجة.
حسيت إن الخيوط بتزيد.
وكل خيط بيفتح باب جديد.
…
في نفس الوقت…
في فيلا والدتي.
كانت قاعدة على السفرة.
قدامها الأكل كله.
لكن عينها على الكرسي الفاضي.
قالت للخدامة
يوسف لسه مردش؟
الخدامة هزت رأسها.
لا يا هانم.
مسكت الموبايل.
اتصلت بيا.
للمرة الخامسة.
ما رديتش.
وشها بدأ يتغير.
وقالت بصوت منخفض
أكيد في حاجة حصلت.
دخل عليها سكرتيرها.
يا هانم… الراجل اللي كان بيراقب الفندق بيتصل.
ردت بسرعة.
قول.
جالها الصوت من الناحية التانية.
يا هانم… الست اللي كنا بندور عليها دخلت الفندق.
سكتت.
ولأول مرة…
لون وشها اختفى.
قالت بعصبية
خرجت؟
لا… لسه.
قفلت المكالمة.
وقامت واقفة.
إزاي وصلت له؟
…
في الفندق…
كنا لسه بنتكلم.
وفجأة…
موبايل عمر رن.
رد.
وبعدين بصلي.
في خبر وحش.
قلبي وقع.
إيه؟
قال
حد سأل في الاستقبال عن الجناح.
بصينا لبعض.
يعني…
مكاننا اتكشف.
قمت بسرعة.
قفلت الستاير.
وطفيت النور.
عمر قرب من الباب بهدوء.
وبص من العين السحرية.
رجع وهو بيهمس.
في اتنين واقفين برة.
منى وشها اصفر.
وقالت بخوف
هما دول.
قربت منها.
متخافيش.
لكن الحقيقة…
أنا كنت قلقان.
خبط.
خبطتين هاديتين.
ولا حد رد.
الخبط زاد.
افتح يا فندم… خدمة الغرف.
بصيت لعمر.
ما كناش طالبين أي حاجة.
يبقى كدب.
عمر طلع موبايله.
واتصل بأمن الفندق.
بعد دقيقتين…
سمعنا صوت رجالة في الممر.
وبعدين…
صوت جري.
اللي كانوا واقفين قدام الباب…
هربوا.
…
نزلنا مع أمن الفندق.
طلبنا نشوف كاميرات المراقبة.
مدير الأمن شغل التسجيل.
ظهر راجلين.
لابسين كابات.
واقفِين قدام باب الجناح.
لكن قبل ما يخبطوا…
واحد منهم شال الكاب ثانيتين.
منى صرخت.
ده هو.
سألتها
مين؟
قالت وهي بتترعش
اسمه شوقي.
كان بيحرس المكان اللي كنت محبوسة فيه.
يبقى الموضوع انتهى.
بقينا عندنا شاهد.
وصورة.
ودليل.
…
عمر خد نسخة من التسجيل.
وقال
دلوقتي هنبلغ النيابة.
وأثناء ما كنا خارجين…
وصلني إشعار على الموبايل.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة.
صورتي…
وأنا واقف من شوية شايل رحمة قدام الفندق.
وتحتها مكتوب
لو عايز بنتك تعيش… ابعد عن اللي بتعمله.
جسمي كله تلج.
ورحمة كانت وقتها نايمة على كتفي…
من غير ما تعرف إن الحرب الحقيقية…
لسه بدأت.
فضلت باصص في الرسالة.
إيدي شدت على الموبايل لدرجة إن صوابعي وجعتني.
عمر أخد التليفون من إيدي.
قرأ الرسالة مرة…
وبعدين قال بهدوء
دي مش مجرد تهديد.
دي معناها إنهم بيراقبونا من أول ما خرجنا.
ولأول مرة من ساعة قابلتها…
شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
قالت وهي بتترعش
قلتلك… هما في كل مكان.
قربت منها.
وقلت بثبات
لا.
المرة دي مش هسيبهم يكسبوا.
أول حاجة عملها عمر…
إنه ودانا لشقة قديمة كان بيستخدمها وقت ما يبدأ يجهز لقضايا حساسة.
مكان بسيط.
في عمارة قديمة.
ومحدش يعرف إنه يملكه.
أول ما دخلنا…
قفلت الباب بنفسي.
ولفيت على كل الشبابيك.
اتأكدت إنها مقفولة.
رحمة كانت بدأت تلعب على السجادة.
ولا كأن فيه حرب شغالة حوالين أهلها.
بعد ساعتين…
كان عمر رجع من النيابة.
وشه ماكانش مطمن.
سألته
خير؟
قال
البلاغ اتسجل.
لكن…
وقفت مكاني.
لكن إيه؟
قال
القضية القديمة كلها تقريبًا اختفت.
حسيت إن الأرض بتميل بيا.
إزاي اختفت؟
فتح الملف اللي معاه.
في أوراق ناقصة.
وتقارير مش موجودة.
وصفحات كاملة متشالة.
يعني…
حد لعب في القضية من سنين.
وبدقة.
في نفس الليلة…
قررت أرجع الفيلا.
عمر حاول يمنعني.
لكن كنت محتاج أشوف أمي بعيني.
دخلت.
لقيتها قاعدة في الصالون.
أول ما شافتني…
ابتسمت.
وقالت
أخيرًا افتكرت إن ليك بيت.
بصيتلها من غير ما أقعد.
فين منى؟
الابتسامة اختفت.
لكنها رجعت بسرعة.
وقالت
لسه بتحلم بيها؟
طلعت من جيبي صورة رحمة.
وحطيتها قدامها.
لأول مرة…
لون وشها اتغير فعلًا.
بصت للصورة…
ثانيتين…
تلاتة…
وبعدين رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت
جبت الصورة دي منين؟
قلت بهدوء
عرفتيها.
ما ردتش.
لكن سكوتها…
كان أكبر اعتراف.
قربت منها خطوة.
منى عايشة.
ورحمة بنتي.
وأنا عرفت كل حاجة.
فضلت باصة في وشي.
وفجأة…
ابتسمت.
ابتسامة غريبة.
وقالت
يبقى اتأخرت يا يوسف.
استغربت.
يعني إيه؟
قالت بمنتهى البرود
في ناس أقوى مني أنا شخصيًا.
الكلمة دي خلتني أسكت.
لأول مرة…
حسيت إن أمي مش هي اللي بتحرك كل الخيوط.
يمكن…
هي مجرد جزء من الموضوع.
قبل ما أمشي…
قالتلي
اسمع نصيحتي.
خد مراتك وبنتك وسافر.
واعتبر إن اللي فات انتهى.
بصيتلها.
وقلت
ولو ماعملتش؟
ردت وهي مغمضة عينيها
هتدفنهم بإيدك.
وسبتها ومشيت.
وأنا خارج من الفيلا…
لفت نظري راجل كبير في السن.
كان واقف بعيد.
أول ما شافني…
قرب بسرعة.
وقال بصوت واطي
أنت يوسف؟
قلت بحذر
أيوه.
بص حواليه.
وبعدين طلع ظرف بني صغير.
وحطه في إيدي.
وقال
أبوك الله يرحمه سلمني ده.
اتجمدت.
إيه؟!
قال
قالي لو حصله أي حاجة… ما أديهوش ليك غير بعد سنين.
ولما سمعت إن مراتك ظهرت… عرفت إن الوقت جه.
ولف ومشي بسرعة.
ناديت عليه.
لكنه اختفى بين العربيات.
ركبت عربيتي.
وقلبت الظرف.
كان جواه فلاشة…
وورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط أبويا
يا يوسف… لو بتقرا الرسالة دي، يبقى الحقيقة اللي حاولت أحميك منها خرجت للنور… واعرف إن اللي عملته أمك، ماكانش بإرادتها كلها.
وقفت أنفاسي.
وشغلت الفلاشة…
وفي اللحظة اللي ظهر فيها أول فيديو…
عرفت إن كل اللي اكتشفناه لحد دلوقتي…
ماكانش غير بداية الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل الفلاشة في اللاب توب.
منى كانت قاعدة قدامي، ورحمة نايمة على رجلها.
وعمر وقف ورايا من غير ما يتكلم.
ظهر الفيديو.
كان أبويا.
قاعد في مكتبه.
وشكله مرهق بشكل عمري ما شفته قبل كده.
بص للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل… يبقى أنا غالبًا مش موجود.
سكت ثواني.
يوسف… سامحني.
حسيت بقلبي بينقبض.
أبويا كمل
أنت هتكرهني بعد اللي هتعرفه… لكني عملت كل اللي قدرت عليه.
ظهر إنه بيبص في ورق قدامه.
وقال
أمك ما كانتش ست شريرة في يوم من الأيام.
منى بصتلي باستغراب.
وأنا كمان.
أبويا كمل
كل اللي حصل بدأ لما دخلنا في شراكة مع رجل أعمال كبير.
اكتشفنا بعدين إنه بيغسل فلوس وبيشتغل مع عصابات بتزوير الأوراق وتهريب البشر.
اتسعت عيني.
ولما قررت أنسحب… هددونا.
سكت لحظة.
وقال بصوت مكسور
قالولي يا تنفذ اللي نطلبه… يا يوسف هيدفع التمن.
بصيت لعمر.
كان مركز في كل كلمة.
أبويا كمل
أمك ضعفت.
خافت عليك.
ووافقت تنفذ أوامرهم.
لكن…
كان في جملة غيرت كل حاجة.
قال
أنا ماكنتش أعرف إنهم هيخطفوا منى.
قعدت مكاني مصدوم.
يعني…
حتى أبويا ماكانش يعرف.
أكمل
لما عرفت… حاولت أرجعها.
لكن كان فات الأوان.
بقوا ماسكين على أمك مستندات وتسجيلات، ولو اتكلمت كانوا هيدمروكوا كلكم.
انتهى الفيديو.
وساد صمت طويل.
عمر هو أول واحد اتكلم.
إذن… اللي خطف منى مش والدتك لوحدها.
هزيت راسي.
كان في شبكة كاملة.
في اللحظة دي…
رن موبايل منى.
استغربنا.
لأن
الرقم ده محدش يعرفه.
بصت للشاشة.
وشها شحب.
وقالت
الرقم ده…
كان بيتصل بيا وأنا محبوسة.
ردت وهي فاتحة السماعة.
ماحدش اتكلم.
لكن بعد ثواني…
سمعنا صوت راجل كبير في السن.
قال بهدوء
يوسف معاك؟
خدت الموبايل.
مين؟
قال
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة… تعالى لوحدك.
ولو جبت الشرطة… هتموت ناس مالهاش ذنب.
وقفل.
وبعت عنوان.
عمر اعترض فورًا.
ده فخ.
قلت
عارف.
منى مسكت إيدي.
أوعى تروح.
بصيتلها.
لو ما رحتش… عمرنا ما هنعرف مين ورا كل ده.
قبل ما أخرج…
كانت أول مرة تحط راسها على كتفي وهي صاحيه.
ابتسمت.
ونادت بصوت صغير
بابا.
الكلمة دي…
خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.
وعدتها.
هرجع.
وصلت العنوان.
كان مخزن قديم على أطراف المدينة.
دخلت بحذر.
الدنيا كانت هادية بشكل غريب.
وفجأة…
نور المخزن اشتغل.
ولقيت راجل عجوز قاعد على كرسي.
أول ما شافني…
قال
اتأخرت يا يوسف.
قلت
إنت مين؟
ابتسم.
وقال
أنا الشخص اللي كان بيحاسب الناس اللي خربوا حياتك.
وقبل ما أسأله أي حاجة…
دخلت قوة من الشرطة إلى المخزن بعد أن كانت تراقب المكان سرًا بناءً على البلاغات والأدلة التي جمعها عمر، وأمرت الجميع برفع أيديهم.
العجوز رفع إيده بهدوء وقال
الحمد لله… جه الوقت اللي الحقيقة تتقال فيه.
بصيت له باستغراب.
قال
أنا هسلم كل المستندات.
وأشار إلى خزنة حديدية في آخر المخزن.
ولما الشرطة فتحتها…
لقوا ملفات، وتسجيلات، وعقود مزورة، وأدلة تثبت أسماء كل المتورطين في خطف منى وتزوير اختفائها.
وسط الملفات…
كان فيه اسم واحد خلاني أقف مكاني من الصدمة.
اسم الشخص…
اللي ماكانش حد فينا يتوقع أبدًا إنه يكون متورط.
كل العيون اتجهت ناحية الملف.
الظابط فتحه بهدوء.
وبدأ يقلب الصفحات.
وفجأة وقف.
وبصلي.
وقال
الاسم ده… تعرفه كويس.
مدلي الملف.
أول ما بصيت…
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
الاسم كان
محمود السيوفي.
شريك أبويا القديم.
الراجل اللي كان بيزورنا في البيت.
واللي حضر جنازة أبويا.
وبكى قدام الناس كلها.
وكان كل شوية يطمني ويقول
اعتبرني مكان والدك.
في الحقيقة…
هو كان العقل المدبر لكل اللي حصل.
العجوز بص للظابط وقال
أنا كنت شغال معاه سنين.
ولما عرفت إنه خطف بنت بريئة علشان يضغط على عيلتها. .. قررت أجمع الأدلة.
الظابط سأله
وليه استنيت كل ده؟
رد بحزن
لأني كنت خايف.
كل واحد حاول يتكلم… اختفى.
لكن بعد وفاة يوسف الكبير، ضميري مبقاش مستحمل.
الشرطة بدأت تراجع المستندات.
كان فيها تحويلات مالية.
وتسجيلات صوت.
وصور.
وأوامر مكتوبة بخط الإيد.
كلها بتثبت إن محمود هو اللي خطط لخطف منى، وزور حادث العربية، واستغل خوف والدة يوسف علشان ينفذ جريمته.
أما والدة يوسف…
فكانت متورطة فعلًا في إخفاء الحقيقة، لكنها لم تكن صاحبة الخطة الأساسية.
وده ما أعفاهاش من المسؤولية القانونية.
بعد ساعات…
تحركت قوة أمنية للقبض على محمود.
حاول يهرب من الفيلا.
لكن تم القبض عليه قبل ما يخرج من البوابة.
ولما شافني…
ابتسم بسخرية.
وقال
كل ده علشان واحدة فقيرة؟
قربت منه.
وبصيت في عينيه.
وقلت
لا.
علشان العدل.
الظابط أخده.
وانتهى المشهد.
بعد أيام…
استدعوني أنا ومنى للشهادة.
كانت أول مرة منى تدخل مكان رسمي وهي حاسة إن محدش هيقدر يأذيها.
حكت كل اللي عاشته.
من غير زيادة.
ولا نقصان.
ولما خلصت…
القاضي شكرها على شجاعتها.
أما أمي…
فطلبت تشوفني.
روحتلها.
كانت قاعدة لوحدها.
شكلها اتغير جدًا.
كبرت سنين في أيام.
أول ما دخلت…
قالت وهي بتبكي
أنا ظلمتك.
ما رديتش.
كملت
كل يوم كنت بقول لنفسي إني بحميك.
لحد ما اكتشفت إني دمرت حياتك.
سكتت شوية.
وقالت
منى تستحق اعتذار عمري كله.
رديت بهدوء
الاعتذار مهم.
لكن اللي انكسر… مش كله بيتصلح.
نزلت رأسها.
ولأول مرة…
ماكانش عندها أي رد.
مرت ستة شهور.
بدأنا حياة جديدة.
استأجرت بيت بسيط.
بعيد عن الفيلا.
وبعيد عن الذكريات.
منى رجعت تدرس من جديد.
وقالت إنها نفسها تفتح حضانة للأطفال.
وأنا بدأت أركز في شغلي.
لكن المرة دي…
كنت برجع البيت بدري.
علشان ألحق أقعد مع رحمة.
رحمة كبرت شوية.
وبقت أول ما تسمع صوت مفتاح الباب…
تجري وهي تضحك.
وتصرخ
بابا جه!
وأوقات كتير…
كنت بحمد ربنا في سري.
لأني لحقت أعوض ولو جزء صغير من اللي فات.
وفي يوم ممطر…
شبه اليوم اللي شوفت فيه منى أول مرة بعد اختفائها…
وقفنا إحنا التلاتة قدام نفس الفندق.
منى ابتسمت وقالت
فاكر اليوم ده؟
ضحكت.
وقلت
فاكره كويس.
اليوم اللي افتكرت إني هقابل شغالة…
واكتشفت إني لقيت مراتي… وبنتي… وحياتي كلها.
مسكت إيدي.
ومسكت رحمة إيدها التانية.
ومشينا مع بعض.
المطر كان بينزل.
لكن لأول مرة…
ماكانش بيعلن بداية مأساة.
كان بيغسل آخر أثر ليها.
تمت.
