القايمه الضايعة منى السيد الثالث والاخير

## الفصل الخامس والأخير
الدنيا اسودت في عيني تاني، بس المرة دي مكنتش غيبوبة من الوجع، دي كانت صدمة الحقيقة اللي نزلت فوق دماغي ودمرت كل اللي باقي من ثقتي في البشر. بصيت لبابا اللي كان منزل راسه في الأرض وعينيه مش قادرة تيجي في عيني، وبصيت لأمي اللي شهقت وحطت إيدها على بوقها بذهول، وأحمد أخويا واقف متنح مش فاهم حاجة.
زعقت بأعلى صوتي والدموع نازلة زي الشلال: “الكلام ده بجد يا بابا؟ الشقة اللي عشت فيها سنة ونص، الشقة اللي كنت فاكرة إن محمود شقا وتعب وجابها من ماله الخاص.. طلعت بتاعتك؟ طلعت ملكنا إحنا من عشر سنين؟”
بابا أخد نفس طويل وصوته كان بيطلع برعشة تقطع القلب: “يا بنتي افهمي.. الحكاية مش زي ما البت دي بتقول.. أبوا محمود الله يرحمه كان يمر بأزمة مالية كبيرة زمان، وكان محتاج فلوس لعملية خطيرة، وأنا كنت مخوش قرشين، وقفت جنبه واشتريت منه الشقة دي بعقد ابتدائي عشان أفك زنقته، بس اتفقنا إن الموضوع يفضل سر عشان كرامته قدام عياله.. ومحمود مكنش يعرف حاجة عن العقد ده أصلاً! أنا اللي شيلت العقد في الملف مع القايمة بتاعتك، والظاهر وائل الكلب هو اللي لقاه وفهم الموضوع غلط!”
“مي” مراته لوائل ضحكت بشر وغل وقالت: “لا يا حج! متغطيش على الحقيقة بقا! محمود كان عارف.. وائل لما لقى الورقة كلم محمود وصورها له، ومحمود قاله م تفتحش بوقك وأنا هخلصك من ورطتك.. بس لما وائل اتمسك، محمود باع الكل وباع وائل عشان يداري على نفسه! جوزك الحنين الشريف مطلعش شريف يا منى.. دا كان بيخطط ياخد الشقة والورق ويسافر بره!”
أحمد أخويا جِري عليها ومسكها من دراعها وزقها بره الباب وهو بيزعق: “امشي غوري في داهية! إنتي وجوزك عيلة لصوص وعايزين تخربوا اللي باقي من البيت! بره!” وقفل الباب في وشها بعنف.
البيت بقا عامل زي الحلبة اللي الكل فيها مضروب بالضربة القاضية. قعدت على الرصيف بتاع الصالة وأنا بصرخ من كل قلبي: “أنا ضعت.. أنا حياتي كانت كدبة.. عيلتي بتخبي عليا، وجوزي طلع بوشين، وخالتي سرقتني.. أنا عملت إيه في دنيتي عشان يحصلي كل ده؟”
بابا قرب مني وقعد في الأرض جنبي، مسك إيدي وباسها وهو بيبكي: “سامحيني يا منى.. أنا خبيت عليكي عشان أحافظ على شكل أبو محمود قدام عياله.. ولما محمود جه يتقدم لك، هو قالي يا عمي أنا معايا شقة أبويا الله يرحمه كاتبها باسمي، وأنا م رضيتش أكسر فرحته وأقوله إنها بتاعتي.. قلت سيب الواد يبدأ حياته وهو فاكر إنه مستور بشقاه.. والله العظيم محمود ما كان يعرف حاجة.. البت دي بتكذب عشان تحرق قلبك زي ما جوزها اتمسك!”
أحمد قال بغضب: “وحتى لو محمود عرف من وائل.. تفتكروا محمود هيسكت؟ محمود لو كان عارف وكان بتاع حوارات، مكنش جاب المأذون وطلق وساب القايمة بضعف تمنها ومشي! محمود كرامته وجعته بجد.. البت دي جاية ترمي سمها وتمشي عشان نرفع قضايا على محمود ونشغله عن ابن خالتي وائل!”
الكلام كان يدخل الدماغ، بس الشك كان خلاص بقا زي السرطان في دمي.. مبقتش عارفة أصدق مين وأكذب مين.. الورقة اللي ضاعت في الأول فتحت أبواب جهنم على العيلة كلها.. وخلت الكل في نظر الكل متهم.
مرت تلات أيام، والبيت م دخلتهوش لقمة.. الفضيحة بقت على كل لسان في المنطقة.. وائل وصاحبه اتجدد حبسهم ١٥ يوم على ذمة التحقيق في قض..ية التزوير الجنائية، وخالتي كريمة بقت تلف على البيوت تعيط وتدعي علينا وتقول إننا حبسنا ابنها.. وبابا ضغطه مكنش بيبطل يعلى.. وأنا؟ أنا كنت مستنية ورقة طلاقي.. مستنية النهاية الرسمية لقصة كنت فاكراها أجمل قصة حب في حياتي.
في اليوم الرابع، تليفون أحمد رن.. وكان المحامي بتاع محمود.. قاله: “يا أحمد بيه، محمود بيه السيوفي مسافر مرسى علم بكرة الصبح، وهو ساب ورقة الطلاق الرسمية عندي في المكتب، وساب شيك بمؤخر الصداق بتاع المدام، وبيقولكم الشقة مقفولة زي ما هي، والمدام تقدر تروح تاخد كل هدومها وحاجتها الشخصية بكرة، وهو سايب المفتاح مع حارس العمارة.. عشان نقفل الصفحة دي نهائي بالمعروف.”
أحمد بصلي ودموعه في عينيه وقال للمحامي: “تمام يا فندم.. إحنا هنيجي ناخد الورق بكرة.”
لما أحمد قفل، وقفت وقلت بحسم: “أنا مش هروح أخد هدومي يا أحمد.. أنا هروح أقابل محمود.. لازم أشوفه لآخر مرة.. لازم أبص في عينيه وأسأله عن حكاية الشقة والعقد.. لو طلع عارف ومخبّي، يبقا يستاهل ينساني وأنساه.. ولو طلع مظلوم والبت دي كانت بتتبلى عليه، يبقا لازم أعتذر له لآخر مرة حتى لو مش هيرجعلي.”
أحمد قالي: “محمود مش هيقابلك يا منى.. دا مسافر الصبح بدري وشقته مقفولة.”
قلتله: “أنا عارفة هو فين.. محمود لما بيبقا مخنوق وعنده سفر، بيروح يقعد في كافيه قديم على النيل في الزمالك.. كان دايماً يقولي المكان ده بيفصلني عن الدنيا.. أنا هروح لهناك الليلة.. ومش هرجع غير لما أرتاح.”
لبست عبايتي السودا وطرحتي، ونزلت من البيت وأنا حاسة إني رايحة لإعدامي. الشوارع كانت زحمة، والأنوار بتاعة القاهرة كانت بتلمع في النيل، بس الدنيا كلها في عيني كانت ضلمة. وصلت الكافيه على الساعة عشرة بالليل.. دخلت وبقيت أدور بعيني بين الترابيزات.. وقلبي دق بعنف لما شفته!
كان قاعد لوحده على ترابيزة قريبة من المية، لابس قميص أزرق غامق، ومشغل سيجارة وعمال يبص للمية بسرحان وحزن.. وشه كان دبلان وفيه علامات وجع عمري ما شفتها فيه.. محمود اللي كان دايماً بيضحك ويهزر، بقا عامل زي الشجرة اللي الخريف نشف ورقها.
قربت منه ببطء.. صفي النعل بتاع جزمتي عمل صوت.. محمود رفع راسه وبصلي.. شفت في عينيه لمحة لهفة سريعة اتمطفت في ثواني ورجعت تالت مكانها النظرة الباردة اللي بتموتني.
وقف وقال بنبرة جافة: “منى؟ إيه اللي جابك هنا؟ المحامي قايل لأخوكي إن الورق كله في المكتب.”
قعدت على الكرسي اللي قدامه من غير ما يطلب مني، وقلتله وصوتي مكسور: “أنا مش جاية عشان ورق ولا قايمة يا محمود.. أنا جاية عشان أسألك سؤال واحد.. وجاية وأنا كلي جروح.. وبموت في الدقيقة مية مرة.”
محمود قعد تاني، طفى السيجارة في الطفاية وبصلي وقال: “سؤال إيه؟ مش خلاص عرفتوا الحرامي ووائل هيروح ورا الشمس؟ والقايمة المضروبة اتمسكت؟ لسه في إيه تاني؟”
قلتله وأنا ببص في عينيه جامد: “مي مراته لوائل جت بيتنا.. وقالت إن وائل لقى عقد بيع الشقة القديم اللي بين أبوك وأبويا.. وقالت إن وائل كلمك وصورلك العقد، وإنك كنت عارف إن الشقة ملك لأبويا من عشر سنين ومخبي عليا عشان تاخد الشقة وتضحك علينا.. محمود.. بحق الأيام الحلوة اللي عشناها.. بحق كل لقمة أكلناها سوا.. قولي الحقيقة.. إنت كنت عارف؟”
محمود بصلي ثواني.. ولقيت ضحكة سخرية مريرة طلعت من بوقه.. حط راسه بين إيديه ورجع بصلي وعينيه املت دموع وقال بصوت هز قلبي: “يعني بعد ما شكتوا فيا إني حرامي وسرقت ورق بمليون جنيه.. دلوقتي جايين تشكوا فيا إني نصاب وراسم عليكي عشان أسرق شقة؟ إنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش فرملة للشك؟ مفيش مرة عقلك يقولك محمود مستحيل يعمل كدا؟”
بكيت وقلتله: “أنا بسألك يا محمود عشان أرتاح.. عشان البت دي خربت دماغي وبابا كان مخبي العقد فعلاً في الدرج!”
محمود وقف وزعق بصوت مكتوم وهو بيخبط على الترابيزة: “أبوكي مخبي العقد لأني أنا نفسي مكنتش أعرف! وائل الكلب لما كلمني من أسبوعين، مكلمنيش عشان يقولي العقد مع أبويا.. دا كلمني يبتزني! قالي أنا معايا ورقة تثبت إن شقتك دي أبوك بايعها لعمي من عشر سنين، ولو مدفعتليش ميتين ألف جنيه هروح أقول لمنى وأخرب بيتك وأفضح أبوك الميت إنه كان مديون! أنا سكت ومردتش عليه، ورحت لأبوكي وسألته بالراحة من وراكي.. وأبوكي حكالي الحكاية وقالي يا بني الشقة دي شقتك وأنا شاريها من أبوك عشان أفك زنقته بس، والعقد ده أنا هقطعه ومالكش دعوة بوائل.. أنا كنت بحمي سِمعة أبويا الميت من ابن خالتك الندل! كنت بحافظ على شكلي قدامك عشان متشوفيش أبويا المحترم وهو مديون ومزنوق! فهمتي يا منى؟”
الكلام نزل عليا كأنه مية تلج فوقتني من الكابوس.. محمود مطلعش خاين.. محمود كان بيحمي عيلته وبيحمي شكل أبوه.. ووائل كان بيبتزه!
وقفت وجريت عليه، مسكت إيديه وبقيت أبوسها وأنا بنهار: “سامحني يا محمود.. والله العظيم أنا غبية وظلمتك وظلمنا عيلتك.. حقك عليا.. متمشيش وتسيبني.. أنا بموت من غيرك.. الشقة تولع والورق يولع.. أنا عايزاك إنت!”
محمود سحب إيديه من إيدي بالراحة.. دموعه نزلت على وشه، وقال بصوت مليان حزن وأسى عمري ما هنساه: “خلاص يا منى.. السهم لما بيطلع من القوس م بيرجعش.. إنتي ظلمتيني مرة، وأهو النهاردة جاية تظلميني تاني وتصدقي فيا كلام صايع ورد سجون.. إنتي عيلتك كلها مبنية على الأسرار والشك والكذب.. خالتي تسرق، وابن خالتي يزور ويبتز، وأبوكي يخبي، وأنتي أول ما تهب الريح بتبيعي جوزك وتدوري وراه.. أنا مش هقدر أعيش في الجو ده يا منى.. أنا راجل بحب الأمان، والأمان معاكي ومع عيلتك اتدبح.”
قعدت في الأرض وبقيت أتشعلق في رجله: “عشان خاطر ربنا يا محمود.. طلقة أولى نقدر نرجع منها.. بلاش تسافر وتسبني!”
بصلي بنظرة أخيرة.. نظرة فيها حب مدبوح.. وطأطأ راسه وقال: “ورقة الطلاق هتوصلك بكرة.. والفلوس بتاعتك في الحفظ والصون.. مع السلامة يا منى.. ويا رب تلاقي الأمان اللي مشفتيهوش معايا.”
سابني ومشي.. ركب عربيتو واختفى وسط زحمة شوارع القاهرة.. وأنا فضلت قاعدة في أرض الكافيه، والناس بتبص عليا بشفقة.. النيل كان بيجري قدامي هادي، بس حياتي كانت خلاص وقفت عند اللحظة دي.
بعد مرور ست شهور..
الدنيا هديت بكتير عن الأول، بس الهدوء ده كان عامل زي هدوء المقابر. وائل وصاحبه اتكم عليهم بخمس سنين سجن مشدد بتهمة التزوير الجنائي وسرقة أوراق رسمية، وخالتي كريمة جالها جلطة وبقت قعيدة الفراش، ومحدش من العيلة بقا يدخل بيتها ولا يكلمها.. الفضيحة كلت الأخضر واليابس.
بابا صحته اتحسنت شوية، بس بقا ساكت دايماً، بيقعد في البلكونة يبص في الفراغ ويدعي ربنا يسامحه على السر اللي خباه وكان السبب في خراب بيت بنته. أحمد أخويا اتجوز وسافر يشتغل في السعودية عشان يبعد عن سيرة العيلة والمشاكل اللي حصلت.
أما أنا.. فرجعت شقتي القديمة.. الشقة اللي شهدت على أيامنا الحلوة.. بابا كتبهالي رسمي والتنازل بقا في إيدي، بس الشقة كانت فاضية وموحشة من غير صاحبها. رتبت الهدوم، وحطيت القايمة الجديدة والقديمة اللي النيابة رجعتها في درج الكومودينو.. الورق اللي كنا فاكرينه بيضمن الحقوق، طلع هو السك..ينة اللي دبحت السعادة.
كل يوم بالليل، بقعد في الصالة، بمسك الموبايل وأبص على صور محمود.. عرفت من أخته إنه مستقر في مرسى علم، وشغله كبر، وبقا ناجح جداً.. بس لسه متجوزش ومقفل على نفسه.
ساعات بكتبله رسائل طويلة ومببعتهاش.. بسيبها في المسودات.. بكتبله فيها إني لسه بحبه، وإني اتعلمت الدرس بس بعد ما الفأس وقعت في الرأس.. اتعلمت إن البيوت م بتبنيش بالورق والقوايم، البيوت بتبني بالثقة والأمان والعشرة.. والورقة اللي ضاعت من بيت أبويا مكنتش قايمة منقولات.. دي كانت الأمان اللي ضاع من حياتنا ومستحيل يرجع تاني.
بصيت من الشباك على أنوار الشارع، وأخدت نفس طويل وقلت في بالي: “الحكاية خلصت يا منى.. الحقيقة ظهرت.. بس الثمن كان بيتك وحبيبك.. ويا ريت الحقيقة دي ما كانتش ظهرت أبدًا…!!!”
### تمت الحكاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *