مين السبب صافى هانى الاول
جوزي حلف قدام العيلة كلها إن العيب مني وأني مابخلفش، 💔 كان يقولها في العزومات، وفي العَقائق، وقدام أمي نفسها: “هي اللي فيها حاجة غلط، إنما أنا من ناحيتي كله تمام وشغال وزي الفل”، وأنا كنت أطاطي راسي وأبلع دموعي ووجع قلبي وأسكت، تلات سنين بنحاول وهو عمال يعيد ويزيد في الكلام ده كأنه كسبان جايزة، والبيت لسه مفيش فيه أوضة أطفال، وأنا كنت بحس نفسي بصغر وبنطفي يوم عن يوم. 😰 بس اللي محدش كان يعرفه —ولا أنا حتى— إن في درج الكومودينو التحتاني بتاعه، تحت شوية شراباط متبهدلة عمره ما فكر يرتبها، كان فيه ظرف مكتوب عليه اسمه، عمره ما كان عايزني أفتحه أبدًا.. ظرف موجود هناك من قبل فرحنا أصلاً. 😱
أنا اتجوزته وأنا غرقانة في حبه لشوشتي، كنت كاتب أسامي العيال خلاص على الموبايل.
وكنت متخيلة جزامهم الصغيرة وهي متبهدلة في الصالة.
بس الشهور كانت بتعدي ومفيش أي حاجة بتطمن.
في الأول وائل كان بياخدني في حضنه ويقولي: “هتيجي يا حبيبتي، متقلقيش ومتحطيش في دماغك”.
بعد كده بدأ يتغير.. كل ما يشوف واحدة حامل كان يرمي نفس الكلمة: “بصي، واحدة تانية أهي.. الناس دي بتخلف عادي، مش زيك”.
وأنا كنت أبتسم عشان مانهارش قدامه.
الوحيدة اللي كانت بـتعاملني بحنية هي حماتي، طنط هدى.. كانت تعملي شاي بالنعناع، وتمسك إيدي في المطبخ وتقولي: “خلي أملك في ربنا كبير يا بنتي، كله بأوانه”.
بس على السفرة وقدام الكل، كانت بتقلب وشها التاني: “إحنا العيلة عندنا عمر ما كان فيها الكلام ده، العيب أكيد من ناحيتها هي”.
كنت بستغرب أوي من الوشين دول، بس الواحدة مننا لما بتبقى مكسورة مابتسألش.
عملت كل حاجة.. فيتامينات، تحاليل، وحقن غالية أوي كانت بـتزرقلي دراعي.
لحد ما في يوم الدكتورة كلمتني.
— يا مدام، تحاليلك طالعة زي الفل ومفيهاش الهوا.. كله تمام التمام.
وقفت مكاني ومبقتش ناطقة.
— أمال أنا عندي إيه يا دكتورة؟
وهي ردت عليا بمنتهى البساطة: — وجوزك مجابش تحليل السائل المنوي بتاعه ليه؟ اللي كان عامله من شهور.
جيت أرد عليها صوتي مطلعش.
— تحليل إيه؟ — ده اللي قدرت أقوله — وائل عمره ما عمل حاجة.
الناحية التانية سكتت خالص.
وهنا افتكرت.. المرة دي اللي راح فيها العيادة لوحده ورجع يقولي: “مشاوير على الفاضي، ومحقتش آخد دور”.
رجع يومها هادي زيادة عن اللزوم لواحد محقش دوره!
وافتكرت كمان وش حماتي طنط هدى كل ما أجيب سيرة إنه يعمل تحاليل.. كانت بتغير السيرة في ثانية: “يا بنتي سيبك من ابني، هو زي الجن ومفهوش الهوا”.
وافتكرت صورة.. شوفتها مرة في شقتهم: وائل وهو عيل عنده يجي حداشر سنة، على سرير مستشفى، وكان خاسس وضعيف أوي.. حماتي يومها خطفتها من إيدي وقالتلي: “متحشريش مناخيرك في اللي مالكيش فيه”.
الظهرية دي ماستحملتش.
وائل كان في الشغل، وحماتي كانت في السوق.
رحت علطول على الكومودينو.
فتحت الدرج التحتاني.. كله شرابات، وسلوك، مفيش حاجة.
مديت إيدي لآخر الدرج من جوه.
ورا خالص، ملزوق ببلاستر، في حاجة ناشفة.. علبة جزم مضغوطة.
صوابعي كانت بـتتشل، وحياة ربنا إيدي مكنتش طيعاني.
فتحتها.
لقيت الظرف هناك.. مكتوب عليه اسمه.. وعليه ختم مستشفى.
فتحته براحة أوي كأني بفتح على حاجة بتخوف.
طلعت الورقة.
كلمة واحدة بس اللي كلت عيني.
“عدم وجود حيوانات منوية تمامًا”.
رجيلي مأشلتنيش وقعدت على الأرض.
تلات سنين.. تلات سنين بشيل أنا الذنب، ومستحملة يتقال عليا “أرض بايرة” قدام القريب والغريب.. واللي فيه العيب كان هو، طول عمره هو!
طلعت مني ضحكة مش ضحكة، طلعت من كتر الغل والقهر.
وفي اللحظة دي افتكرت كلمة حماتي طنط هدى من كام شهر وهي بتعصر على إيدي في المطبخ: “هاتي عيل لوائل يا بنتي بأي طريقة.. بأي طريقة”.
بأي طريقة! كانت عارفة إنه مابيخلفش، ومع ذلك كانت بتطلب مني كده!
بس وأنا باجي أطبق الورقة، لمحت إن وراها ورقة ثانية.
أقدم.. ومسفرة.. وحروفها دايبة من كتر الركنة.
نفس الكلمة.. “عدم وجود حيوانات منوية”.
بس التاريخ مكنش بتاع اليومين دول.
التاريخ كان من اتنين وعشرين سنة فاتوا.
لما وائل كان عنده حداشر سنة!
ساعتها فهمت كل حاجة فجأة.
وائل مِعرفش لما كبر.. ده عارف من وهو عيل صغير.
#حكايات_صافي_هاني
اتجوزني وهو عارف إنه عمره ما هيخلف، وعشان كده الظرف كان متشال من قبل الفرح.. وعشان كده سابني أشيل الشيلة تلات سنين كاملين.. كان محتاج شماعة يعلق عليها ذنبه، والشماعة دي كانت أنا.
بس الورقة القديمة دي مش هو اللي شالها.
عيل عنده حداشر سنة مش هيحتفظ بالتشخيص بتاعه متطبق بالمنظر ده وبكل العناية دي لاتنين وعشرين سنة.
مش عارفة إيه اللي منعني إني أقطعها مية حتة.. في حاجة جوايا قالتلي: اقريها كلها الأول.
قلبت الورقة وصوابعي بـتترعش.
فوق في الـجِـنب، كان فيه كلمة مكتوبة بخط الإيد.. والخط ده أنا عارفاه كويس.. هو نفس الخط اللي على كل كروت أعياد ميلادي.. نفس الخط اللي كتبلي “خلي أملك في ربنا كبير يا بنتي”.
خط حماتي.
قبل اتنين وعشرين سنة من ما أنا أحط رجلي في البيت ده، طنط هدى كانت كاتبة على الورقة دي جملة واحدة بس:
#حكايات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات 🌹🌹🌹♥♥♥🌹🌹❤
“خطة التبديل جاهزة لما يتجوز”.. الجملة كانت مكتوبة بخط إيدها الواضح، وجنبها اسم دكتور نسا مشهور وتاريخ قديم جداً، كأنها كانت بترسم المستحيل من وهو لسه عيل صغير!
دموعي نشفت في ثانية والغل اتقلب لبرود مرعب.. تلات سنين بيموتوني بالبطيء، بيشيلوني ذنب مش ذنبي، والست اللي كانت بتبطبط عليا في المطبخ كانت مرتبة كل حاجة من قبل ما أدخل حياتهم أصلاً، كانت مستنية اللحظة اللي تكسرني فيها كفاية وتخليني أوافق على أي مصيبة عشان “أجيب حتة عيل” يداري على ابنها!
شيلت الورقتين في شنطتي، رجعت كل حاجة مكانه بالملي، وقفلت الدرج براحة وبمنتهى الهدوء.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
قعدت في الصالة مستنية، وساعتين بالظبط والباب اتفتح.
دخل وائل وهو وشايل أكياس فاكهة، وورا منه أمه طنط هدى وهي بتضحك وبتقول: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، مالك قاعدة في الضلمة كده ليه يا بنتي؟”
وائل رما المفاتيح على الترابيزة وبصلي بنظرة السخرية المعتادة بتاعته: “تلاقيها كانت بتعيط كالعادة.. اجهزي يا هانم عشان بالليل عازمين عمي وعياله، ومش عايز نكد ولا مبرطمة قدام الناس، وطبعاً أنتي عارفة الأسئلة اللي هتتسأليها، جهزي بقا الضحكة البلاستيك بتاعتك”.
وقفت على رجلي، وبصيتلهم هما الاتنين ونظراتي كانت غريبة عليهم، غريبة لدرجة إن حماتي ضحكتها اختفت فجأة، ووائل عقد حواجبه واستغرب من برودي.. قربت منهم خطوتين، وبمنتهى الثبات والهدوء اللي عمري ما حسيته في حياتي، حطيت إيدي في جيبي وطلعت الموبايل وقولتله: “طبعاً يا حبيبي جاهزة.. بس قبل العزومة، لازم تشوف الفيديو ده الأول.. فيديو هيفرحك أوي أنت وماما”.
شغلت الفيديو اللي صورته للورق جوه الدرج، ورفعت عيني في عينيهم.. وفي اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح الباب بيلف، وعمي وحمايا وكل العيلة اللي بره كانوا بيفتحوا الباب ويدخلوا فجأة!
