حماتى فى ليلة دخلتى بقلم منال عباس الاول

حماتى فى ليلة دخلتى بقلم منال عباس

الاول

ماكنتش ليلة العمر اللي حلمت بيها سنين، دي كانت ليلة “المذلة” اللي قرروا يدفنوا فيها كرامتي بالحيا.
كنت قاعدة في الأوضة، الفستان الأبيض اللي كنت بشوفه رمز للبراءة والبداية الجديدة، بقى حاساه كأنه كفن ملفوف على جسمي، وبرا الأوضة.. كان فيه أصوات “ستات” بيوشوشوا وضحكات رجالة مستنيين “النتيجة” زي ما يكونوا مستنيين نتيجة ماتش كورة، مستنيين حاجة تضمن لهم شرفي اللي مايعرفوش غيره، وكأن قيمتي كبني آدمة اتلخصت في “منديل” وشوية دم، وكأن التربية والأخلاق اتختصرت في عادات جاهلية عفنها الزمن.
كل ده بدأ لما “حماتي”، الست اللي قلبها ناشف وماتعرفش معنى الرحمة، وقفت قدامي يوم ما جولي البيت يخطبوني، وبصتلي من فوق لتحت وكأنها بتفحص بضاعة في سوق، وقالتلي بصوتها اللي زي السك..ينة المسمومة: “بصي يا حلوة، إحنا ولاد أصول، وماعندناش ياما ارحميني، الدخلة عندنا لازم تبقى بلدي، ومين عارف؟ يمكن تكوني معيوبة والطبق مكسور قبل ما توصلي بيتنا.. ما إحنا عارفين زمن العجايب ده، والتربية بقت على كف عفريت!”.
كلماتها نزلت على قلبي زي الرصاص، حسيت الدنيا بتلف بيا، بصيت لـ”خالد”، حبيبي اللي كنت فاكراه سند، اللي وعدني ببيت دافي ورجل يحميني من غدر البشر، لقيته منكس راسه للأرض، وبصوت مكسور ومهزوز قال: “أمي كلامها قانون يا نور، ومش عايز أزعلها في ليلة زي دي، عديها عشان خاطري”.
في اللحظة دي، مات كل حاجة حلوة في قلبي تجاهه.. انكسرت الحتة اللي كنت بدلع فيها عليه، وبصيت لأهلي، لقيت أبويا اللي عمره ما نزل دموعه، مكسور ومحني الظهر من الخجل، وأمي المسكينة اللي كانت بتمسح دموعها بطرف طرحتها وبتقولي بضعف: “معلش يا بنتي، عديها عشان خاطر الناس، بكرة ينسوا، عشان مايفتحوش بقهم علينا ويشمتوا فينا”.
وافقت.. بس مش لأني ضعيفة، ولا لأني خايفة من كلام الناس التافهين، أنا وافقت لأني وقتها أدركت إني وسط “قطيع” من الجهل المقدس، ناس بيقدسوا العرف على حساب كرامة البني آدمة. دخلت الحمام، غسلت وشي من الدموع، وبصيت لنفسي في المراية، لقيت “نور” القديمة اللي بتحب وبتضحي ماتت، واللي واقفة قدامي دلوقتي ست تانية خالص، ست قررت إنها مش هتعديها بالساهل.
أنا هعمل اللي هما عايزينه، هخضع لجهلهم وتخلفهم، هكون العروسة المطيعة اللي مستنيينها عشان “ينبسطوا”، بس ليلة بكرة مش هتكون زي ما هما فاكرين.. أنا هرسم لهم الدرس اللي هيفضلوا يفتكروه طول عمرهم، هخليهم يعرفوا إن “الطبق” اللي بيفتشوا فيه ده مايساويش نكلة قدام الكرامة اللي حاولوا يدوسوا عليها، وإن اللي بيكسر خاطر بنت الأصول، بيفتح على بيته نار هتاكل الأخضر واليابس.
دخلت الأوضة وخالد كان قاعد بيستنى، عينه مافيهاش أي حب، فيها بس نظرة “امتلاك” رخيصة، قرب مني وكأنه بيستلم أمانة، وأنا في سري كنت بقول: “يا خالد، أنت ماجوزتش ست، أنت جوزت نفسك كابوس هيدفعك تمن اللي عملته فيا.. اصبر عليا، هخليك تتمنى لو الأرض انشقت وبلعتك قبل ما تفكر تذلني تاني”.
غمضت عيني، وابتديت السيناريو اللي هيغير حياتهم.. مش بالطريقة اللي هما راسمينها، لأ.. بالطريقة اللي “نور” قررت تكتبها بدموعها اللي اتحولت لنار بتحرق صمتي وبتستعد للانفجار.
بقلم منال عباس
عدت الساعات تقيلة ومقبوضة كأنها سنين، وطلعت شمس يومنا الجديد وأنا حاسة إن اللي جوايا مش دموع، ده بركان بيغلي ومستني اللحظة المناسبة عشان ينفجر في وش كل واحد فيهم، خرجت من الأوضة وشعري منكوش وعيوني وارمة، ولقيت “الحماة” واقفة في الصالة، بترقبني بعيونها اللي بتدور على أي ثغرة، وبصتلي نظرة كلها استحقار وهي بتقول ببرود: “العروسة صاحية؟ يارب تكوني شرفتينا ورفعتي راسنا، ولا طلعتي خايبة زي ما كنت خايفة؟”.
ماكنتش قادرة أرد، الخنقة في زوري كانت بتزيد، بس كنت شايفة نظرات الناس اللي كانوا قاعدين مستنيين “النتيجة” في الصالون التاني، ونظراتهم اللي كلها تطفل وتلذذ بخصوصيتنا، بصيت لخالد اللي كان واقف بيبصلي من بعيد بنظرة باردة، وكأنه مستني تقرير عن حالة بضاعة هو اشتراها، دخلت المطبخ وكأن شيئاً لم يكن، بدأت أجهز الفطار وكأن إيدي مش بتترعش من الغضب، وفي الوقت ده، كنت بحط في عقلي كل كلمة، كل إهانة، كل نظرة كسرة اتكسرتها، وبحولها لخطوات مدروسة، أنا ماكنتش ناوية أصرخ ولا أعمل دوشة، الوجع الحقيقي مش بالصوت العالي، الوجع الحقيقي هو اللي بيخلي الواحد يحس بضياع كل حاجة كان بيفتكرها أمان.
في نص اليوم، ناديت على خالد في أوضتنا، وقفت قدامه، نظراته كانت لسه بتحمل نفس الغرور بتاع ليلة امبارح، سألني بنبرة مليانة تعالي: “أيوة، عايزة إيه؟ خلصتي ولا لسه هتعملي فيها دور المظلومة؟”، بصيت في عينيه مباشرة، لأول مرة، من غير خوف، ومن غير دموع، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت ملامحه تضطرب شوية، قولتله بصوت واطي بس حاد زي السك..ينة: “يا خالد، أنت فاكر إنك أخدت اللي كنت بتدور عليه، وفاكر إن أمك انتصرت بجهلها، بس الحقيقة إنك من اللحظة دي، مابقتش جوزي، أنت بقيت مجرد حد غريب في حياتي، حد أنا هعلم عليه علامة مش هتمحيها الأيام”، اتخض من طريقتي، حاول يمسك إيدي بس أنا بعدت عنه بسرعة، خرجت للصالة، والبيت كله كان متجمع، وقفت قدامهم كلهم، قدام حماتي اللي كانت بتسمع، وقدام أهلي اللي كانوا قاعدين مكسورين، وبدأت أتكلم بصوت مسموع، مش بدموع الضعف، بس بصرامة اللي ماعادش عنده حاجة يخاف عليها، قولت لهم جملة واحدة قلبت موازين البيت كله: “أنا النهاردة مش بس بقدم التحية لعاداتكم اللي بتحتقر المرأة، أنا بفتح صفحة جديدة، صفحة هتعرفوا فيها قيمة اللي كسرتوه، وهتعرفوا إن اللي بيعيش على “الشك” في مراته، بيعيش في جحيم هو اللي بيصنعه بإيده”.
سكتت لحظة، والبيت كله خيم عليه صمت رهيب، حتى أنفاسهم كنت سامعاها، حماتي وشها اتغير، وعيونها بدأت تلمع بالخوف لأول مرة، خالد وقف متسمر في مكانه، كان بيحاول يلقط أي كلمة يرد بيها بس لسانه كان مربوط، في اللحظة دي عرفت إن أول خطوة في درسي القاسي نجحت، أنا بدأت اللعبة، وهما لسه مش عارفين قواعدها، بس الأكيد إنهم هيدفعوا تمن كل لحظة ألم عشتها، وهتكون ليهم بداية لرحلة من الندم مش هيعرفوا يهربوا منها، لأنهم ببساطة، اتحدوا كرامة واحدة مابقتش تملك غير كرامتها سلا..ح. بقلم منال عباس
البيت كله بقى مشحون بطاقة سلبية تخنق، صمت مريب خيم على المكان وكأننا في سرادق عزاء مش في بيت عريس وعروسة، حماتي كانت بتبصلي بعيون كلها شرر، بتحاول تجمع شتات هيبتها اللي اتهزت بكلمتين، وخالد كان واقف في النص، عيونه تايهة بين طاعة أمه اللي غاسلة عقله، وبين الكسرة اللي شافها في عيني واللي بدأت تتحول لثقة غريبة ومخيفة في نفس الوقت، دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا بهدوء، صوت “التكة” بتاعة القفل كان أعلى من أي صرخة ممكن أصرخها، قعدت على السرير وفردت ضهري، لأول مرة من سنين أحس إني مش محنية، كنت بسمع أصواتهم ورا الباب، همس حماتي الحاد وهي بتقول لخالد: “دي شكلها ناوية على نية سودة، لم مراتك يا واد وإلا هتدفعنا التمن غالي”، ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة مليانة وجع قديم بيتحول لقوة، هي فاكرة إن تهديدها ليا هيخوفني، لكنها نسيت إن اللي مابيفضلش عنده حاجة يخاف عليها، بيتحول لكتلة من نار بتحرق اللي يلمسها، بدأت أنفذ خطتي، مش بالخناق ولا بالصوت العالي، لأ، اللعبة اللي هما اختاروها هما اللي هيدفعوا تمنها، بدأت أقطع كل خيط بيوصلني بيهم، بقيت أتعامل معاهم كأني ضيفة في فندق، لا بكلمة زيادة ولا بابتسامة مصطنعة، كنت بنزل المطبخ أعمل أكلي لوحدي، بمسح الأرض، بخلص اللي ورايا ببرود أعصاب يجنن، وفي الوقت ده، بدأت أطبق “سياسة الصمت المريب”، كل ما خالد يقرب مني، كنت بسكت، نظراتي ليه كانت فارغة تماماً، ولا عتاب، ولا خناق، ولا أي رد فعل يخليهم يمسكوا عليا غلطة، والهدوء ده كان أكتر حاجة بتجننهم، خصوصاً حماتي اللي كانت بتستنى مني أي رد فعل عشان تطلع فيا القطط الفاطسة، بس أنا كنت ببتسم ابتسامة هادية وأنا شايفة وشها بيحمر من الغيظ، خالد بدأ يحس إنه فقد السيطرة، حاول يفتح معايا كلام، حاول يمثل دور الزوج الحنين، بس كنت بصدّه بكلمة واحدة “تمام” أو “حاضر”، لدرجة إنه بدأ يتجنن، وبدأ يلاحظ نظرات الناس اللي بدأت تتردد في الشارع والمنطقة، الناس بدأت تلاحظ التغيير، بدأت تحس إن “العروسة” اللي كانوا مستنيينها تترجى رضاهم، بقت هي اللي مسيطرة على البيت بهدوئها، ووسط كل ده، كنت كل يوم بالليل بكتب في مذكراتي مش وجعي، لا، كنت بكتب كل خطوة وكل غلطة بيعملوها، كنت بجمع كل تفصيلة صغيرة، من معاملة حماتي لأمي، لإهانة خالد ليا، لكل كلمة جرحت كرامتي، كان عندي يقين إن “الدرس” اللي هعلمهولهم مش هيكون بس ليهم، هيكون عبرة لكل واحدة بتتهان في بيتها تحت مسمى العادات والتقاليد، كنت بجمع خيوط اللعبة، وعارفة إن اللحظة اللي هينفجر فيها كل ده قربت، وبدأت ملامح الانهيار تظهر عليهم، مش انهيار مادي، لأ، انهيار في الثقة اللي كانوا بيحاولوا يداروا بيها جهلهم، واليوم اللي كنت مستنياه، اليوم اللي هيتمنوا فيه لو الزمن يرجع لورا عشان يغيروا “شرطهم البلدي”، كان بيقرب مني خطوة بخطوة، وأنا كنت جاهزة، بقلب ميت وعقل بيفكر في انتقام هادي، انتقام بيوجع أكتر من ألف قلم، انتقام بيفضحهم قدام نفسهم قبل ما يفضحهم قدام الناس. بقلم منال عباس

بدأت التشققات تظهر بوضوح في جدران البيت اللي اتبنى على الظلم، ملامح حماتي اللي كانت دايمًا شايلاها على وشها من تكبر وغرور بقت ذابلة، وبقت تراقبني وهي خايفة، مش خايفة مني أنا، لكن خايفة من الهدوء اللي حواليا، الهدوء اللي بقا عامل زي العاصفة اللي بتسبق الإعصار، خالد بقا زي الغريب في بيته، بيحاول بكل الطرق يسترجع “نور” اللي كانت بتترعش من نظرة عين منه، لكن اللي قدامه دلوقتي كانت نسخة تانية، نسخة صلبة ومستحيلة الكسر، بقيت أتعمد إني أخرج من البيت وأرجع في أوقات متأخرة، مش لأني بعمل حاجة غلط، لأ، بس عشان أشوف حالة التخبط والجنون في عينيهم، كانوا بيقضوا ساعات يراقبوا تحركاتي، بيحاولوا يلمحوا أي غلطة يمسكوها عليا عشان يرجعوا يمارسوا سلطتهم من تاني، لكنهم كانوا بيخبطوا في حيطة سد، بقيت أشوف خالد وهو بيكلم أمه في أوضتهم، صوتهم بيعلى ويهبط، وبدأت أسمع كلام عن “نور اتغيرت، نور ما عادتش بتسمع الكلام، نور بقى ليها شخصية تانية”، كنت ببتسم لنفسي وأنا بسمعهم، وبقول في سري: “يا ريتكم كنتوا عرفتوا اللي جاي، دي مجرد البداية”، في يوم من الأيام، قررت أتصرف بطريقة تخلي البيت ده يقلب رأساً على عقب، نزلت الصبح بدري، ورحت عند “الستات” اللي في منطقتنا، الستات اللي دايمًا بيحبوا يعرفوا أخبار الناس، وبدأت أرمي كلام في وسط القعدة، كلام مسموم ومدروس، بدأت أحكي عن “البيت اللي بيحكموا فيه بالجهل”، وعن “الناس اللي لسه عايشة في عصور الظلام”، من غير ما أذكر أسماء طبعاً، بس الكل كان عارف أنا بتكلم عن مين، الكلمة انتشرت في المنطقة زي النار في الهشيم، بدأت نظرات الناس تتغير، نظرات الشفقة والشماتة اللي كانوا بيبصولي بيها اتحولت لنظرات استغراب وإعجاب بـ “العروسة اللي قلبت الطاولة على جوزها”، حماتي بدأت تحس بالضغط الاجتماعي، بدأت الناس في الشارع تسألها: “إيه اللي بيحصل عندكم؟ وليه نور بقت قوية كده؟”، ده غير النظرات اللي كانت بتلاحق خالد في كل حتة، نظرات بتسأله: “أنت راجل ولا مراتك اللي ماشية كلمتها عليك؟”، الضغط ده كان بيخليهم يجنوا أكتر، بقوا بيحاولوا يضيقوا عليا الخناق أكتر، بقوا بيحاولوا يمنعوني من الخروج، يمنعوني من الكلام، لكنهم نسوا إن الكرامة لما بتتصان بالذكاء، مفيش قوة في الأرض تقدر تحبسها، بدأت أشوف خيبة الأمل في عينين والدي لما بيشوفوني، خيبة أمل مش مني، لكن منه هو لأنه وافق على المهزلة دي، وبدأت أشوف نظرات الاعتذار الصامت في عينين أمي، وكل ده كان بيزود إصراري، إني مش بس هخرج من التجربة دي بكرامتي، أنا هخرج وأنا حاطة نقطة النهاية للأسلوب ده في التعامل معانا، كنت بجهز الضربة القاضية، الضربة اللي هتخليهم يندموا على كل لحظة فكروا فيها إنهم يذلوني، كنت بستنى اللحظة اللي يقعوا فيها في الفخ اللي نصبتهولهم بإيدي، وكنت عارفة إن اللحظة دي مش بعيدة، لإن الغرور هو أكتر حاجة بتعمي البني آدم، وهما كانوا غارقين في غرورهم لحد ودنهم، ومش حاسين إن الأرض بتتهز من تحتهم، وإن كل اللي عملوه فيا، كان بيزود السهم اللي هييجي في يوم من الأيام ويصيبهم في مقتل، وكنت أنا اللي شادة الوتر، ومستنية بس إشارة صغيرة، عشان أطلق السهم، وأشوفهم بيتساقطوا واحد ورا التاني، من غير ما ألمسهم حتى بصباعي.
بقلم منال عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *