اتزوجت مسجون الاول

أنا اتجوزت يونس وهو في السجن عشان الفلوس، كان محكوم عليه بـ 12 سنة.. بس بعد ما براءته ظهرت والحكم اتلغى، جالي الشقة ومعاه علبة سودا وقال لي: “دلوقتي جه دوري أنا في الصراحة”.

​لما وافقت أتجوز يونس، ما كانش هاممني هو مظلوم ولا لأ، هو كان متهم بإنه سرق فلوس الجمعية الخيرية بتاعة عيلته.

​أنا كان عندي 27 سنة، غرقانة في الديون ووصولات الإيجار وبتنطط من مكان لمكان عشان أربّي أخويا الصغير. عشان كده لما مامت يونس عرضت عليا ألفين جنيه في الشهر (وكانوا وقتها ينقذوني) عشان بس أكون مراته على الورق، وافقت علطول وقبل حتى ما أحس بالذنب أو الكسوف من نفسي.

​قالت لي: “هتزوريه مرتين في الشهر، وتكتبيله جوابات، وتخلي المحكمة تحس إن لسه ليه ضهر وعيلة بتسأل عليه”.

​كتب كتابنا وجوازنا تم من ورا لوح إزاز مخربش، والعسكري واقف عينه في الساعة. كنت فاكرة يونس هيبقى غضبان، بارد، أو يمكن قاسي.. بس طلع حنين أوي.

​كان بيفتكر عيد ميلاد أخويا، وبيسألني أكلت ولا لأ، وكان بيبعتلي جوابات على الهامش بتاعها رسومات بإيديه.

​في الأول، كنت بمثل إني مهتمة.. بعدين مبقتش أمثل.

​بقيت بسهر بالليل أقرأ ورق القض..ية بتاعته. إمضاءات ناقصة، تواريخ مش راكبة على بعض، وشاهد غيّر مكان سكنه وسافر المحافظة تانية علطول بعد ما شهد ضده.

​في الوقت اللي الناس كلها كانت بتقول عليه حرامي، كنت أنا بقف قدام المحاكم وشايلة ملفات بين إيديا، وبتحايل على المحامين يبصوا في القض..ية تاني. ويونس عمره ما سألني بعمل كده ليه.

​لأني وقتها.. كنت خلاص حبيتّه.

​بعد تلات سنين من جوازنا في السجن، الحقيقة ظهرت. ابن عمه هو اللي كان بيلعب في فلوس الجمعية، وزوّر إمضاء يونس، وسابه يشيل الليلة مكانه.

​اليوم اللي يونس خرج فيه للدنيا، كنت فاكرة إنه هيجري ويترمي في حضني. بس ملامحه اتشدت، وكأن الحرية نفسها هي اللي وجعاه.

​مسك إيدي وقال لي: “تعالي معايا على بيتنا”.

​ولمدة أسبوع كامل، كنت مصدقة إننا عدينا الصعب كله وخلاص اللي جاي أحسن.

​لحد ما جت الليلة التامنة.. يونس حط علبة سودا على ترابيزة المطبخ.

​”إيه ده؟”

​”دلوقتي جه دوري أنا في الصراحة”.

​حاولت أبتسم وقلتله: “يونس، متخوفنيش”.

​نظرة عينيه اتغيرت تماماً، وجسمي كله قشعر.

​همس وقال لي: “لأ، لازم أخوفك.. عشان إنتي لما اتجوزتيني، وافقتي على حاجة أكبر بكتير أوي من مجرد اسم على الورق”.فتحت العلبة السودا براحة، وأنا إيديا بتترعش ونبضات قلبي بتزيد لدرجة إني كنت سامعة صوتها في وداني. كنت متوقعة أشوف دهب، ورق قض..ية قديم، أو حتى فلوس.. بس اللي شفته جوه العلبة خلّى ريقي ينشف.

​جوه كانت فيه سبحة عقيق أسود غامق، ومصحف صغير جداً بتجليد قطيفة قديم، وجنبهم مسد..س أسود صغير، وتحتهم ورق مطبوع عليه كشوفات حسابات بنكية برقم مهول، وبطاقة شخصية تانية خالص ليونس.. بس باسم وصورة تانية!

​بصيت للعلبة وبعدين بصيت ليونس وأنا مش قادرة أستوعب، قولتله بصوت متقطع: “يونس.. إيه ده؟ إيه الاسم التاني ده؟ وإيه المسد..س ده؟ أنت قولتلي إن ابن عمك هو اللي لبّسك القض..ية!”

​يونس قعد على الكرسي اللي قصادي، شبك صوابعه في بعض، وهدوءه المرعب ده كان بيقتلني. قال بصوت واطي وموزون: “ابن عمي كان فاكر إنه بيلبسني القض..ية، وأنا سبته يعيش الوهم ده تلات سنين كاملين بمزاجي.. الجمعية الخيرية دي مكنتش مجرد جمعية يا بسمة، دي كانت الستار اللي بنغسل تحتها فلوس شغل تاني خالص.. شغل لولاد الحوت الكبار في البلد. وأنا دخلت السجن عشان أحمي الشغل ده، وعشان كان لازم أختفي من المشهد لفترة لحد ما الرؤوس الكبيرة تهدأ، والعيون تتشال من عليا.”

​جسمي كله ساب، رجعت خطوة لورا وقولتله: “يعني أنت مش مظلوم؟ يعني كل الوقفات والمحامين والدموع اللي نزلتها عشانك كانت كدبة؟”

​قرب مني ومسك إيديا الاتنين، وعينيه كان فيها لمعة غريبة، مزيج بين حزن حقيقي وقوة تخوف، وقال: “دموعك ووقفتك قدام المحاكم هي اللي نجدتني يا بسمة.. مامتك مكنتش بتديكي الألفين جنيه من معاها، دي كانت فلوسي أنا.. أنا اللي اخترتك بالاسم من وسط مية واحدة.. اخترت البنت الشريفة، الغلبانة اللي بتجري على أخوها الصغير وملهاش في اللف والدوران، عشان لما تقفي تدافعي عني قدام الدنيا، الكل يصدق إن يونس مظلوم، لأنك كنتي بتتكلمي بقلب وصدمة بجد.. أنتِ كنتي أكبر وأقوى حماية ليا من غير ما تعرفي، وكنتي الطُعم اللي خلاهم يطمنوا إن السر هيموت جوه السجن.”

​دموعي نزلت، وحسيت بنغزة في قلبي.. الراجل اللي حَبِيته وكنت بشوفه أنقى إنسان في الدنيا، طلع مخطط لكل حاجة، حتى مشاعري وخوفي عليه كانوا متفصلين في سيناريو هو اللي كاتبه.

​سحبت إيدي منه بحدة وقولتله: “أنت استغليتني.. استغليت فقري وحاجتي عشان تحمي نفسك وتداري على قذارة شغلك؟ ودلوقتي جاي تقولي إيه؟ عايز مني إيه تاني بعد ما خرجت وبقيت حر؟”

​يونس قام وقف، طوله وهيبته في المطبخ الضيق بتاعنا كانوا يقبضوا القلب، أخد المسد..س من العلبة وحطه في جيب جاكيته، وأخد كشف الحساب والبطاقة المزورة وحطهم في إيدي، وبص في عيني بجمود وقال الجملة اللي هزت طوب الحيطة:

​”جاي أقولك إن اللعبة مخلصتش بخروجي يا بسمة.. بالعكس، اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ بكره الصبح. ابن عمي مش في البيت دلوقتي، ابن عمي مقتول من ساعتين، والشرطة بتدور على اللي قتله.. والاسم التاني اللي في البطاقة دي، هو الاسم اللي هنسافر بيه أنا وأنتِ وأخوكي بره مصر كمان كام ساعة.. يا إما هتيجي معايا وتشاريكيني الملايين دي والاسم الجديد، يا إما البوكس زمانه على أول الشارع عشان يقبض عليكي أنتِ.. بتهمة التستر والاشتراك في كل حاجة من الأول!”الكلام نزل عليا زي الصاعقة، رجليا مكنتش شايلاني، ساندت على الرخامة بتاعة المطبخ وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب من الأوضة. بصيت للبطاقة المزورة اللي في إيدي، الاسم مكتوب بوضوح، وصورته هو.. يونس.. بس بملامح حادة، وعينين باردة مفيهاش أي حنية من اللي عرفتها فيه ورا الإزاز.

​”أنت بتقول إيه؟” صوتي طلع حشرجة مكتومة، “ابن عمك مقتول؟ وأنا مالي؟ أنا مالي ومال القرف ده كله؟ أنا كنت بجري ورا المحامين عشان فاكراك مظلوم! ربنا يعلم إني مكنتش أعرف!”

​يونس قرب مني خطوة، الهوا اللي طالع منه كان دافي بس كلامه كان بيتكتك من البرود: “ومين هيصدقك يا بسمة؟ المحامين اللي كنتِ بتروحيلهم؟ ولا الورق اللي كنتِ بتشيليه في حضنك؟ الفلوس اللي كنتِ بتاخديها كل شهر من أمي مكنتش بتدخل حسابك من بوستة ولا بنك عادي.. دي كانت بتتحول من حسابات بره باسم شركات وهمية، نفس الشركات اللي ابن عمي اتقتل بسببها. لو البوليس وصل هنا، أول خيط هيمسكوه هو أنتِ.. هيقولوا الزوجة الوفية كانت هي حلقة الوصل اللي بتنقل الأوامر من جوه السجن لبره.”

​”أنت شيطان..” همست والدموع بتعمي عيني، “أنا حبيتك.. أنا كنت بصلي الفجر وادعي ربنا يفك كربك، كنت بقول لأخويا الصغير يونس ده أجدع راجل في الدنيا.. أنت طلعت بتستخدمني زي العروسة اللعبة؟”

​ملامحه اتهزت لثانية، حتة من يونس القديم ظهرت في عينيه، بس اختفت بسرعة ورجع القناع الجليدي تاني: “أنا مكدبتش عليكي في مشاعري يا بسمة. أنا فعلاً حبيتك.. وحنيتي معاكي كانت حقيقية. بس الشغل شغل، والدنيا مبترحمش الضعيف. أنا دلوقتي بحميكي.. بس بطريقتي. السفرية دي هي طوق النجاة الوحيد لينا إحنا التلاتة.. أنا، وأنتِ، وأخوكي.”

​في اللحظة دي، سمعت صوت حركة بره في الصالة.. صوت خطوات صغيرة وخايفة.

قلبي سقط في رجليا.. أخويا الصغير!

بصيت ناحية باب المطبخ، وشفته واقف، لابس بيجامته، وماسك ميكي ماوس في إيده، وعينيه منفوخة من النوم.. باين عليه سمع كل حاجة.

​يونس لفت نظره الحركة، وبص للواد الصغير، وبعدين بصلي، ومد إيده يمسك دراعي وقال بنبرة آمرة مفيهاش فصال: “معندناش وقت للدموع.. قدامنا بالظبط نص ساعة، تلمي فيها هدومك وهدوم أخوكي، والورق ده يتحرق في الحوض حالا.. يلا!”

​قبل ما أتحرك أو أنطق بكلمة، النور قtech.. الشقة كلها ضلمت كحل، والهدوء اللي حل في المكان بقا مرعب لدرجة إني كنت سامعة نفس يونس السريع جنبي.

​وفجأة.. من الشباك اللي بيبص على الشارع الرئيسي، ظهرت إضاءة حمراء وزرقاء بتلف وتنعكس على حيطة المطبخ.. صوت سارينة البوليس مكنش جاي من بعيد.. الصوت كان عالي جداً، والعربيات وقفت بالظبط تحت بيتنا، وسامعين صوت رزع أبواب العربيات وصوت دبة بيادات عساكر بتجري على السلم!

​يونس سحب المسد..س من جيبه في ثانية، وعمرّه بصوت “تكة” خلت ركبي تخبط في بعضها، ومسكني من دراعي جامد وهو بيهمس في وداني وعينيه بتلمع في الضلمة: “الباب الوراني بتاع المطبخ اللي بيفتح على منور العمارة.. هننزل منه حالا. لو فتحتي بوقك أو صرختي.. مش هيرحمونا.. ولا هيرحموا أخوكي.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *