حكايات شيموو الثالث والاخير
وقع الكلام عليا زي الصاعقة. استدعاء ليا أنا؟ في النيابة؟ وأبويا جوة الرعاية المركزة بين الحيا والموت، والشرطة مستنياه يفوق عشان يحققوا معاه!
الدموع جمّدت في عيني، وضربات قلبي بقت زي الطبول. بصيت لأمي وقلت لها بصوت مخنوق من الصدمة:
“استدعاء ليا أنا ليه يا أمي؟ أنا مالي؟ هو أنا كنت شفت جنيه واحد من الفلوس دي؟ ولا كنت أعرف مصدرها إيه أساساً؟”
أمي نزلت راسها في الأرض وما قدرتش تحط عينها في عيني، وقالت بصوت واطي ومكسور:
“أختك… أختك في التحقيقات لما انزنقت والخناق زاد عليها، المحامي بتاعها نصحها تقول إن الفلوس دي كانت بتتحول على حسابات مختلفة… وقالت إن جزء من مصاريف البيت والعيال كان بيطلع من تحت إيدك، وإنك كنتِ بتستلمي معاها المبالغ وبتقسميها!”
اتراجعت خطوتين لورا وأنا مش مصدقة. أختي؟ أختي اللي كنت بشيل أكلها وأكل عيالها، وأتحرم أنا وولادي عشان أوفر لها، بتلبسني تهمة نصب وتبييض أموال عشان تنقذ نفسها؟
بصيت لسقف المستشفى وأنا بحس بمرارة عمري ما حسيتها في حياتي. الممرضة خرجت من باب الرعاية المركزة وهي بتجري، وقالت بصوت عالٍ:
“دكتور! بسرعة! الحالة اللي جوة الضغط بتاعها بيقع والدقات بتضعف!”
أمي صرخت ولطمت على وشها، وأنا وقفت أراقب المشهد من بعيد… أبويا بين أيدي ربنا، وأختي باعتني في لحظة، وأمي واقفة مستنية مني أنقذ العيلة اللي هدّت حياتي!
عدّت ساعات الليل زي الدهر. على الفجر، الدكتور خرج ووشه مجهد، وقال إنهم قدروا يثبتوا حالة أبويا، بس هو محتاج رعاية مركزة مش أقل من أسبوع، وجنبه أمين شرطة واقف حراسة عليه.
خرجت من المستشفى والشمس بتشرق، ودموعي على خدي لكن رجلي كانت شيلاني بثبات غريب. ما رجعتش للعيال فوق السطوح، طلعت على النيابة مباشرة… لازم أواجه المصير ده بوش مكشوف، أنا معملتش حاجة تخوفني.
دخلت سرايا النيابة، المبنى كان يرهب والهدوء فيه يخنق. قعدت على الدكة المكسورة مستنية دوري، لحد ما العسكري نادى باسمي:
“المتهمة مريم أحمد… ادخلي لوكيل النيابة!”
دخلت الأوضة، وكيل النيابة كان شاب صغير ووشه جاد جداً، قدامه ملفات قد الجبل. بصلي بنظرة فاحصة، وحط إيده على الملف وقال:
“إنتي مريم أحمد؟ مدرسة؟”
قلت بثبات: “أيوه يا فندم.”
بدأ يسألني عن التحويلات، وعن ردودي في البيت، وعن أختي وجوزها… وقرا عليا أقوال أختي اللي كانت بتتهمني فيها إن أخدت مبالغ مالية كبيرة منها وكتبت بيها شهادات في البنك!
في اللحظة دي، طلعت من شنطتي الورق اللي كنت مجهزاه… كشف حساب بنكي بيثبت إن معنديش غير حسابي اللي بينزل عليه مرتب المدرسة، وإيصالات الجمعيات اللي كنت بداخلة فيها عشان أصرف على البيت، وشهادة من مديرة المدرسه بتثبت إن أيام امتحانات النصف الأول كنت باخد دروس إضافية وأشتغل باليومية عشان أوفي المصاريف.
حطيت الورق قدامه وقلت بدموع حابساها بالعافية:
“يا فندم… أنا مطلقة، وبقبض مرتب مدرسة على قد حالي. كنت بجيب الرز والزيت بشقايا ورزق ولادي وأديه لأمي. أختي دخلت البيت بشرها وفلوسها الحرام، ولما اكتشفت الحقيقة وسمعت أبويا بودني بيحكي عن جوزها المحبوس، أخدت ولادي وطفشت وعشت فوق السطوح وأكلت عيش وجبنة ولا إني ألمس قرش واحد من فلوسها! وتقدر حضرتك تسأل الجيران، وتسأل مديرة مدرستي، وتسأل الست اللي متأجرة عندها أوضتي فوق السطوح!”
وكيل النيابة مسك الورق، وبدأ يقلب فيه بتركيز شديد. السكوت في الأوضة كان مرعب… لحد ما رفع رأسه وبصلي وقال بلهجة هادية غيرت كل حاجة:
“أقوالك مطابقة لتقرير التحريات اللي وصلنا الصبح يا أستاذة مريم… التحريات أثبتت إنك مالكيش أي علاقة بنشاط جوز أختك، وإنك سبتي البيت فور علمك بالموضوع.”
اتنفست الصعداء والدموع نزلت من عيني زي المطر… الحمد لله، الحلال نصرني.
لكن وكيل النيابة كمل كلامه وقال:
“بس للأسف… الشقة اللي ساكن فيها أبوكي وأمك محجوز عليها رسمياً لأنها اشترت بأموال متحصلة من النصب، وخلال ٤٨ ساعة الشقة هتتشمع بالكامل… وفي نفس الوقت، وصلنا بلاغ جديد النهاردة من أهل النواحي اللي جوز أختك نصب عليهم…”
بصيت له بخوف: “بلاغ إيه يا فندم؟”
قال بصرامة: “البلاغ بيتهم أختك وأبوكي إنهم بيشغلوا الفلوس دي في تجارة آثار غير مشروعة مع ناس كبار في الصعيد… والشرطة رايحة دلوقتي تفتش أرض أبوكي القديمة في البلد!”
الكلمة نزلت عليا كأنها جبل اتطوح فوق دماغي. تجارة آثار؟! أبويا المدرس المتقاعد، وأختي اللي كانت عاملة فيها مظلومة، يدخلوا في سكة خطيرة زي دي؟!
خرجت من مكتب وكيل النيابة ورجلي مش شيلاني، الدنيا بتلف بيا. النيابة برأتني أنا من قض\ية النصب، بس اللي جاي كان أبشع بكتير. العيلة اللي كنت فاكرة إنها سندي وأماني، اتضحت إنها غرقانة في مستنقع ملوش آخر، وأنا وولادي كنا هنسحب معاهم للظلمات دي لولا فضل ربنا.
طلعت على المستشفى وأنا بجري. لقيت القوة الأمنية زادت قدام باب الرعاية المركزة، وبقى فيه ظباط بزي رسمي واقفين بيتكلموا بصوت واطي. أمي كانت قاعدة في زاوية على الأرض، عيونها مزغللة وزي اللي طالع منها الروح، وأول ما شافتني قامت تتطوح ورمت نفسها عليا:
“عملتي إيه يا مريم؟ النيابة سابتك؟ الحقيني يا بنتي… الشرطة أخدت مفاتيح الشقة وشيّعوا قوة للبلد يفتشوا بيت أبوكي القديم!”
مسكت أمي من إيديها وشدتها بعيد عن الظباط، وقلت لها بصوت واطي وهو بيترعش من الغضب والذهول:
“آثار يا أمي؟! أبويا اللي كان بيعلم الناس الفضيلة يتاجر في الآثار؟! أختي وجوزها جابوا الرتب دي كلها منين؟ اتكلمي يا أمي وما تخبيش عليا حاجة تاني، كفاية كذب لحد كدة!”
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم وهي بتعترف باللي استخبى سنين:
“والله ما كان قصدنا يا مريم! جوز أختك هو اللي ورط أبوكي… من سنتين لما قفل شركته وبدأ ينصب، أقنع أبويا إن فيه بيت قديم ورثنا في البلد تحت منه حفر، وقال له الفلوس دي هتخلينا فوق السحاب، وأبوكي ضعيف وطمع عشان يؤمن مستقبل أختك بعد ما جوزها اتقبض عليه! الفلوس اللي كانت في شنطة هدى ما كانتش بس فلوس نصب… دي كانت عربون صفقة آثار كبيرة كان المفروض تتسلم الأسبوع ده!”
حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة حجم البشاعة. أبويا وطمعه، وأختي وششرها، وأمي بسكوتها وتغطيتها عليهم… كلهم اشتركوا في الجري\مة دي، وكانوا مستعدين يضحوا بيا وبسمعتي وبمستقبل ولادي عشان يغطوا على القرف ده!
في اللحظة دي، باب الرعاية اتفتح، والدكتور خرج ومعه ممرضين بيجروا. الظابط قرب منه بسرعة، والدكتور هز رأسه بأسى وقال:
“المريض فاق ووعيه رجع… بس الحالة حَرِجة جداً والقلب ضعيف أوي، هو طالب يشوف بنته مريم بالاسم قبل ما يدخل في غيبوبة تانية.”
الظابط بصلي وسابلي السكة: “ادخلي يا أستاذة… بس معاكي خمس دقائق بس.”
دخلت أوضت الرعاية المركزة. ريحة المطهرات والأجهزة اللي بتطاطي بصوت رتيب كانت ترعب. أبويا كان راقد، الأجهزة متوصلة بكل جسمه، وشه كان دبلان وأصفر زي الشمع. أول ما شافني، عينيه دمعت وبدأ يحرك شفايفه بصعوبة شديدة وهو بيمد إيده المرتعشة ناحيتي.
قربت منه، مسكت إيده اللي كانت ساقعة زي الثلج، وقلت بصوت مكسور:
“ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كدة؟ ليه ذبحتني أنا وولادي وأنا اللي كنت تحت جزماتكم بأكلكم من عرقي؟”
أبويا بدأ يبكي بصوت مهدود، وقال بفتات صوت طالع بالعافية:
“سامحيني يا مريم… الشيطان عماني… كنت عاوز أأمن أختك وعيالها بعد ما جوزها يتسجن… افتكرت إن الفلوس هتسترنا… أثرها عرتنا وفضحتنا في آخر أيامنا… سامحيني يا بنتي، إنتي الوحيدة اللي طلعتي بنظافة قلبك وشقاكي الحلال…”
الدموع غلبتني، ورغم كل اللي عمله، ده في النهاية أبويا اللي رباني. مسكت إيده بقوة وقلت له:
“ربنا يسامحك يا بابا… ربنا يسامحكم كلكم.”
فجأة، جهاز نبضات القلب بدأ يصدر أصوات إنذار متسارعة، وأبويا مسك في إيدي بضغط شديد وهو بيبص لسقف الأوضة بعيون مفتوحة على آخرها، وصرخ بصوت طالع من أعمق نقطة في روحه:
“السر في الأرض يا مريم! الورقة… الورقة اللي تحت بلاطة الفرن في البلد… ما تخليش حد يأخدها… دي فيها…”
قبل ما يكمل الكلمة، إيده ارتخت فجأة، والجهاز أطلق صفارة مستمرة بطويلة تتعلن توقف القلب!
الدكاترة جيروا على الأوضة وزقوني لبرا وهم بيحاولوا يعملوا له إنعاش قلبي، وأنا واقفة ورا الزجاج مشايفة غير جهاز القلب اللي خطه بقى مستقيم… أبويا مات، ومات معاه السر!
لكن الكارثة ما انتهتش هنا…
وأنا طالعة من المستشفى في حالة ذهول وتعب مش قادرة أوصفه، تليفوني رن… كان رقم أم أمل اللي أنا قاعدة عندها فوق السطوح.
رديت وأنا بصوت ميت: “أيوه يا خالتي…”
أم أمل كانت بتتكلم وهي بتلهث وبتبكي بهستيريا وصوت صريخ العيال طالع في الخلفية:
“الحقي يا مريم! الحقيني يا بنتي! فيه ناس غريبة ومسلحين طالعين على السطوح عندك… ماسكين العيال وبيسألوا عن شنطة أبوكي القديمة، وبيقولوا لو مريم ما جابتش الورقة خلال ساعة… مش هتشوفي ولادك تاني!”
تجمد الدم في عروقي، والصرخة اتخنقت في زوري. الشارع تحت رجلي بدأ يلف، وصوت بكاء ولادي وصريخهم في التليفون كان بيقطع في قلبي زي السكاكين. أبويا مات وسابلي ورائه كابوس، وأمي غرقانة في دموعها في المستشفى، وولادي الخمسة بين إيدين عصابة مفيش في قلوبهم رحمة!
جمعت كل قوتي وقلت لأم أمل بصوت مرتجف بس قاطع:
“اثبتي يا خالتي… أوعي تحسسيهم إنك خايفة، أنا جاية فوراً!”
قفلت الخط، والتفت للظابط اللي كان واقف قدام باب الرعاية بيخلص أوراق وفاة أبويا. مسكت إيده بانهيار وقلت له:
“يا بيه! ولادي بيتخطفوا دلوقتي فوق السطوح! ناس مسلحين فوق بيتي مهددين يقتلوهم عشان ورقة أبويا سابها قبل ما يموت!”
الظابط وشه اتغير فوراً، ورفع التليفون وطلب الدعم. خلال دقائق كانت عربية شرطة متخفية ومصفحة بتجري بيا في شوارع القاهرة بسرعة الجنون، ومعايا قوة من المباحث والعمليات الخاصة.
طول الطريق كنت بدعي ربنا دعاء المظلوم اللي ملوش غيره: *”يا رب… أنا أكلتهم حلال، وصنت شرفي وشرفهم، ما تفجعنيش فيهم يا رب!”*
وصلنا الشارع. الظابط طلب مني أدخل لوحدي الأول وأتكلم معاهم عشان نضمن سلامة العيال، والقوة المسلحة تنزل من على الأسطح المجاورة وتعمل حصار.
طلعت السلم رجلي بتخبط في بعضها. الأوضة فوق السطوح كان بابها مفتوح، ولادي وعيال أختي محشورين في زاوية، وابني الكبير واقف قدامهم بيحاول يحميهم بظهره، وكان واقف فوق رأسهم راجلين شكلهم يقطع الخلف، واحد منهم ماسك طبنجة وموجهها ناحية العيال.
الراجل أول ما شافني ابتسم ابتسامة صفراء مرعبة وقال:
“أهلاً بالأستاذة… البركة في أبكي. بس أبوكي مات وخد السر معاه، وإحنا عاوزين الورقة اللي بتثبت ملكيتنا للآثار اللي اتضبطت، أو خريطة المقبرة اللي في البلد… فين الورقة يا مريم؟”
بصيت لولادي، دموعهم كانت نازلة في صمت، وبنتي الصغيرة عينها كانت بتستنجد بيا. مسكت نفسي وقلت له بثبات مزيف:
“الورقة مش معايا هنا… الورقة تحت بلاطة الفرن في بيتنا القديم في البلد، زي ما أبويا قال لي وهو بيموت! أوتعوا إيدكم عن العيال وأنا هروح أطولها لكم بنفسي!”
الراجل ضحك بشر وقرب مني:
“فاكرانا مغفلين؟ هتروحي وتجيبي الشرطة؟ إنتي هتمشي معانا دلوقتي، والعيال دول هيضلوا معانا رهن لحد ما نوصل للفرن ونطلع الخريطة!”
وفجأة… وفي اللحظة اللي مسك فيها دراعي، اتكسر شباك الأوضة، واقتحمت قوات العمليات الخاصة السطوح من كل اتجاه!
“اطرح في الأرض! الشرطة!”
الصوت كان زي الرعد. حركة سريعة، ضرب نار في الهواء، وفي ثواني كان الراجلين مربوطين ومطروحين في الأرض تحت إيدين رجال الشرطة. جريت على ولادي، ضميتهم لخضني بكل ما فيا من قوة، وبقيت أبكي وأبوس فيهم وأنا مش مصدقة إنهم بخير وسالمين.
عدت الأيام…
نزلت القوات لبيت أبويا القديم في البلد، وبحضور النيابة رفعوا بلاطة الفرن، ولقوا خريطة المقبرة والورق اللي بيثبت تورط شبكة كبرى لتهريب الآثار، كان يد فيها جوز أختي وناس كبار جداً. الق\ضية كبرت، وأختي اتلقى عليها حكم بالسجن، وأمي عاشت باقي عمرها في حسرة وندم على كل اللي عملوه فيا وفي نفسهم. الشقة المحجوز عليها راحت، والعيلة اللي كانت فاكرة إن الفلوس الحرام هتبنيها… اتهدمت فوق رؤوس أصحابها.
أما أنا…
بعد ما التحقيقات انتهت وظهرت برائتي الناصعة قدام الدنيا كلها، كرمتني وزارة التربية والتعليم على أمانتي وقوة تحملي، وتم ترقيتي لموجهة لغة عربية.
سبت السطوح، وأجرت شقة صغيرة دافية في حي هادي. شقة مفيهاش عفش فخم ولا دليفري غالي، بس فيها أمان… فيها راحة بال ملهاش تمن.
عيالي وعيال أختي التلاتة عاشوا معايا، كبرتهم برزقي الحلال، وعلمتهم إن اللقمة الناشفة بشرف وأمان أحسن من ألف مائدة مفروشة بفلوس الحرام.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي، وابني الكبير قرب مني، حط إيده على كتفي وطبع بوسة على رأسي وقال لي:
“ربنا يخليكي لينا يا أمي… تعبتي وشيلتي الجبل لوحدك، بس رفعتي رأسنا في السماء.”
ابتسمت، وبصيت للسماء الصافية وأنا حاسة برضا يملأ قلبي. افتكرت كلمة أبويا القديمة لما قال لي: “ربنا يعوضك يا بنتي”… وعرفت إن ربنا فعلاً عوضني، مش بالفلوس، بس بأعظم حاجة في الدنيا: **الستر، والحلال، وراحة الضمير.**