فى جنازة ابوه

في جنازة أبوه… كل الناس كانت بتعيط، إلا الولد اللي عنده 8 سنين. يا لهوي… الواد قلبه حجر، ولا نزلت منه دمعة! قالتها عمته وهي واقفة قدام النعش الفاضي.
الولد ما ردش.
كل اللي كان بيدور في دماغه ساعتها… الدوناتين اللي أبوه كان سايبهم في العربية.
وبعد تسع أيام بس… العيلة كلها اتصدمت لما عرفت ليه ما عيطش من الأساس.
الجزء الأول
الواد ده معندوش قلب… أبوه مات ولسه ولا دمعة نزلت من عينه.
قالتها عمته منى وهي موطية صوتها، لكنها ما كانتش تعرف إن آدم سمع كل كلمة.
آدم كان عنده تمن سنين.
واقف قدام نعش مقفول، والمطر الخفيف بينزل على مقابر العيلة في أطراف القاهرة.
أمه ريم كانت منهارة من العياط.
وجدته الحاجة أمينة ماسكة السبحة ومش بطلت استغفار.
وزمايل أبوه واقفين ساكتين، محدش قادر يبص للتاني.
أما آدم…
فما كانش بيعيط.
مش لأنه ما بيحبش أبوه…
لكن لأنه كان متأكد إن أبوه لسه عايش.
قبل تسع أيام، أحمد خرج من البيت عشان يستلم نبطشية الليل.
كان سواق إسعاف، عنده أربعة وتلاتين سنة.
وكان عنده عادة عمره ما كسرها.
كل يوم جمعة وهو راجع الصبح، يعدي يجيب اتنين دونات بالشوكولاتة…
واحدة ليه…
وواحدة لآدم.
قبل ما ينزل، بص لابنه اللي كان قاعد بيحل

واجب الحساب.
وقال وهو بيبتسم
خلّص جدول الضرب قبل ما أرجع يا بطل.
بعدها باس مراته، ولخبط شعر ابنه كعادته…
وقفل الباب.
وكانت دي آخر مرة يشوفوه.
في الأول، ريم افتكرت إنه اتأخر في الشغل.
اتصلت بالإسعاف…
وبكل زمايله…
وبكل مكان ممكن يكون راحله.
محدش كان عارف عنه أي حاجة.
تاني يوم الصبح…
الشرطة لقت عربيته القديمة واقفة جنب ترعة بعد ليلة مطر شديدة.
باب السواق مفتوح.
والمفتاح لسه مكانه.
وفي الكنبة اللي ورا…
كان فيه كيس عيش…
ولبن…
وكرتونة فيها اتنين دونات بالشوكولاتة.
وعلى حافة الترعة…
لقوا فردة جزمة بتاعته.
وفي آثار رجلين نازلة ناحية المية.
فرق الإنقاذ فضلت تدور تلات أيام.
غطاسين…
وكلاب بوليس…
ودوران في كل حتة.
لكن…
ولا جثة.
ولا أي دليل جديد.
ظابط المباحث قال لريم بمنتهى الهدوء
غالبًا كان مرهق… الأرض كانت زحلقة… واتزحلق في الترعة، والتيار خده.
لكن ريم هزت راسها بعنف.
لأ… أحمد لو مات… أنا هحس.
إنما أخته الكبيرة منى أصرت يعملوا عزا وجنازة رمزية.
وقالت
الناس لازم تودعه… مينفعش نفضل معلقين نفسنا على أمل مالوش دليل.
الحاجة أمينة اعترضت.
عمرنا ما ندفن راجل من غير جثته.
لكن منى ردت
نستنى كام سنة يعني؟ أحمد يستحق إننا نودعه.
وبالفعل…
بعد أسبوع…
اتعملت صلاة الجنازة…
ونعش فاضي…
ودفن رمزي.
وطول الوقت…
آدم واقف مكانه.
سمع صوت التراب وهو بينزل على النعش.
وسمع أمه وهي بتنهار.
وسمع عمته وهي بتقول إنه قلبه ميت.
بس ما نطقش.
بالليل…
بعد ما الناس خلصت العزا واتجمعوا في بيت الجدة، كانت الستات بتتكلم.
وفجأة قالت الحاجة أمينة
طيب… مين هيبقى يروح البيت القديم بتاع جدكم في البلد؟ أحمد كان كل شوية يروح يطمن عليه بعد المطر.
آدم رفع راسه فجأة.
وافتكر يوم من سنتين…
كان راكب مع أبوه بالعربية.
ووقفوا قدام بيت صغير بسقف أخضر وسط الزراعات.
أبوه يومها ابتسم وقال
لما الدنيا بتضيق بيا… باجي أقعد هنا شوية. ده مكاني اللي محدش يعرفه… ومن النهارده بقى مكانك إنت كمان.
آدم بص لطبقه…
وسابه زي ما هو.
ولأول مرة من ساعة اختفاء أبوه…
حس إن فيه حاجة أهم من كل كلام الكبار.
أبوه عمره ما كان يمشي…
من غير ما يودعه.
ولو ما ودعوش…
يبقى أكيد…
ما راحش.
وفي آخر الليل…
ولما كل اللي في البيت ناموا…
آدم أخد قرار عمره ما حد في العيلة كان يتخيل إنه ياخده.
كان رايح يدور على المكان السري…
من غير ما يعرف إن اللي هيلاقيه هناك…
هيقلب حياة الكل رأسًا على عقب.
الظلمة كانت مالية البيت، والساعة كانت تلاتة الفجر. آدم نزل على أطراف صوابعه، لبس كوتشيه القديم بصمت تام، واتسلل من باب البيت. فلوس المحفظة اللي كان محوشها من العيدية كفّت تكاسي ومواصلات لحد الأراضي الزراعية في أطراف المحافظة التانية.
طول الطريق، كان بيكلم نفسه بصوت مسموع جوه عقله أنت يا بابا علمتني أحل مسائل الحساب الصعبة… مش معقول تتوه في المية وتنسى الدوناتين!
بعد ساعتين سفر وسير على الأقدام بين الطين والزراعات، ظهر قدامه البيت الصغير بسقف أخضر قديم ومصدّئ، محاط بشجر ليمون كثيف. قلبه بدأ يدق بعنف. هل ممكن يكون أبوه جوه؟ ولا ده مجرد وهم طفل بيحاول يتعلق بأي خيط؟
قرب من الباب الخشبي الموارب، وبحذر شديد زقه بإيده الصغيرة.
عيييك… صوت زقزقة الباب الخشبي كسر سكون الصباح.
البيت كان هادي، ريحة تراب رطبة مخلوطة بريحة قهوة قديمة. آدم دخل باحثًا، لحد ما وصل لأوضة صغيرة في آخر الصالة، الباب بتاعها كان مقفول بمسقط خشب. وفجأة… سمع صوت أنفاس خافتة، وصوت كحة خفيفة مألوفة جدًا لقلبه!
أعصابه اتشدت، ودموعه اللي حَبَسها تسع أيام تحجرت في عينيه من الصدمة والفرحة مع بعض. زق الباب بكل قوته.
ولقى المفاجأة اللي هزت روحه!
الحقيقة المرة. .. والنجاة المستحيلة
أحمد، أبوه، قاعد على كرسي خشب قديم، ووشه باهت وشعره أطول، ورجله الشمال مربوطة بجبيرة
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *