أخطر رجل نفوذ حكايات ميراا
.
قررت أن تمنحه بالضبط ما يظن أنه وظّفها من أجله.
سكرتيرة فقط.
لا أكثر.
لاحظ كمال التغيير في الساعة التاسعة وسبع عشرة دقيقة صباحًا.
كانت قهوته فوق مكتبه، بدرجة الحرارة نفسها التي اعتادها.
وجدوله أعيد ترتيبه بسبب اجتماع طارئ.
وتقرير المعلومات أمامه مرتب بعلامات ملونة كما اعتاد.
كل شيء…
كان مثاليًا.
لكن…
منى لم تعد تدندن وهي تعمل.
ولم تدخل مكتبه في العاشرة والنصف لتقول مازحة
كفاية قهوة… معدتك هتعلن العصيان.
ولم تعترض عندما ألغى الغداء.
ولم تعد تطل من الباب قائلة
قدامك ست دقايق للاجتماع… وبصك للساعة مش هيخليهم سبعة.
كانت تنجز كل مهامها…
ولا تمنحه أي شيء من نفسها.
عند الظهر…
وقف كمال أمام مكتبها.
منى.
رفعت رأسها.
اتفضل يا أستاذ كمال.
لم تعجبه الكلمة.
فهي عادة كانت تناديه باسمه عندما يكونان وحدهما… إلا إذا كان هناك شخص ينزف… أو تحقيق جارٍ… أو أحد يحمل سلاحًا.
سألها
في حاجة مضايقاكي؟
لأ.
إنتِ هادية أوي.
بشتغل.
ما إنتِ طول عمرك بتشتغلي.
حاضر يا أستاذ كمال.
ها هو الحاجز مرة أخرى…
ثلاث كلمات فقط…
لكنها كانت جدارًا كاملًا.
ظل ينظر إليها.
بينما انتظرته بنظرة موظفة تؤدي عملها ليس إلا.
كان كمال قادرًا على إجبار رجال أعمال على تغيير قراراتهم، وعلى إخافة خصومه بكلمة واحدة…
لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع امرأة تؤدي عملها بإتقان…
بعد أن سحبت منه كل ما كان تقدمه بقلبها.
من داخل مكتبه، كان نادر الشافعي يراقب الموقف بنظرة لم تعجب كمال.
عرف نادر كمال منذ أن كانا في السادسة عشرة من عمرهما، يتسللان لسرقة الطعام من خلف أحد المحال الشعبية.
قاتلا معًا.
ودخلا معًا في أصعب الأزمات.
وشهدا جنازات كثيرة.
وبنيا إمبراطوريتهما خطوة بخطوة، خلف شركات عقارات وأمن ونقل تبدو قانونية أمام الجميع.
كان نادر يعرف جيدًا متى يصمت.
ويعرف أيضًا…
متى يصبح الصمت خطيرًا.
قال بهدوء بعدما غادرت منى
هي سمعت كلامك.
رفع كمال رأسه فجأة.
سمعته كله… وهي واقفة بره قاعة الاجتماعات.
لم يتغير وجه كمال…
لكن عينيه فضحتا صدمته.
أكمل نادر
دلوقتي فهمت ليه المكان بقى كأنه عزا.
رد كمال ببرود
أنا قلت الحقيقة.
هز نادر رأسه.
لأ… إنت خوفت… فجرحتها.
أغلق كمال الملف الذي أمامه.
وقال بنبرة حادة
خلي بالك من كلامك.
ابتسم نادر ابتسامة خفيفة وقال
أخلي بالي من إيه؟… من إني بقولك الحقيقة؟
أعرف أنكم متحمسون لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك، فإذا أردتم الجزء التالي، اكتبوا في التعليقات مُشوِّق.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا الجزء الثاني
أغلق كمال الملف بعنف حتى ارتجت الطاولة الزجاجية.
نظر إلى نادر نظرة حادة، ثم قال
إنت مكبر الموضوع.
رد نادر بهدوء
لأنك مصمم تصغره.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أضاف نادر وهو يشير إلى مكتب منى خلف الزجاج
إنت فاكر إنها مجرد سكرتيرة… وأنا بقولك إن البنت دي شايلة نص الإمبراطورية دي على كتفها.
ابتسم كمال بسخرية.
متبالغش.
تنهد نادر.
طيب… جرب.
مر أسبوع.
وفي أول يوم…
نسي كمال توقيع عقد كان يجب أن يُرسل قبل الثانية عشرة ظهرًا.
اعتاد أن يجد العقد مفتوحًا أمامه، مع ورقة صفراء صغيرة كتب عليها بخط منى
التوقيع قبل 1200 حتى لا تُفرض غرامة.
هذه المرة…
العقد كان موجودًا.
لكن الورقة لم تكن.
وتذكره لم يأتِ إلا بعد الثالثة عصرًا.
كانت الغرامة نصف مليون جنيه.
دخل مكتبها غاضبًا.
ليه ما فكرتينيش؟
رفعت عينيها عن شاشة الكمبيوتر.
العقد كان على مكتب حضرتك من الساعة تسعة.
بس إنتِ عارفة إن…
قاطعته بأدب
مهمتي تسليم الملفات يا أستاذ كمال… وده اللي عملته.
توقف.
لأنها كانت محقة.
وفي اليوم الثالث…
وصل أحد المستثمرين قبل موعده بساعة.
اعتادت منى أن تستقبله، وتعرف نوع القهوة الذي يفضله، وتُشغله في جولة قصيرة حتى ينتهي كمال من اجتماعه السابق.
هذه المرة…
استقبله موظف الاستقبال فقط.
انتظر الرجل خمسين دقيقة.
ثم غادر غاضبًا.
وخسروا صفقة بمئات الملايين.
استدعى كمال منى فورًا.
ليه المستثمر خرج؟
قالت بهدوء
أنا لم يُطلب مني استقباله.
بس إنتِ كنتِ بتعملي ده كل مرة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تحمل أي دفء.
تطوعًا.
وفي نهاية الأسبوع…
بدأ الجميع يلاحظ.
الموظفون كانوا ينجزون أعمالهم…
لكن المكتب فقد روحه.
لم يعد أحد يسمع ضحكة منى في الصباح.
ولا يرى علبة الحلوى التي كانت تضعها كل خميس.
ولا الرسائل الصغيرة التي كانت تتركها لمن يمر بيوم سيئ.
حتى عامل النظافة قال لزميله
المكان بقى بارد.
أما كمال…
فبدأ يشعر بشيء لم يفهمه.
كل شيء يسير.
لكن بصعوبة.
وكأن آلة ضخمة فقدت قطعة صغيرة…
فاختل توازنها كله.
وفي مساء الخميس…
دخل نادر مكتب كمال، وألقى أمامه ملفًا سميكًا.
عارف ده إيه؟
فتح كمال الملف.
كانت قائمة.
صفحات طويلة.
كتب في أعلاها
مهام إضافية كانت تقوم بها منى دون أن يطلب منها أحد.
بدأ يقرأ.
متابعة مواعيد أدوية والدته.
تذكيره بعيد ميلاد ابن أخيه.
مراجعة العقود قبل وصولها للمحامين.
التأكد من سلامة سيارات الموكب.
التواصل مع أسر الموظفين عند وقوع أي حادث.
إرسال هدايا للشركاء.
تحديث ملفات القضايا.
مراجعة كاميرات المقر بنفسها كل ليلة.
تنسيق سفر المديرين.
إدارة الأزمات قبل أن تصل إليه.
كانت القائمة تمتد لعشرات الصفحات.
رفع رأسه ببطء.
هي كانت بتعمل كل ده؟
أجابه نادر
وده اللي أنا عرفته.
ثم اقترب منه وقال بصوت منخفض
في حاجات تانية محدش يعرفها غيرها.
شعر كمال لأول مرة بثقل في صدره.
ليس لأنه خسر أموالًا…
بل لأنه اكتشف أنه كان يعيش داخل نظام كامل…
دون أن يرى الإنسان الذي كان يُديره.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف منى.
نظرت إلى الشاشة.
ثم وقفت بهدوء.
دخلت مكتب كمال.
وضعت فوق مكتبه ظرفًا أبيض.
وقالت بنفس النبرة الرسمية
حضرتك… ده خطاب استقالتي.
ساد الصمت.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم يجد كمال كلمة واحدة يقولها الجزء الثالث
ظل كمال ينظر إلى الظرف الأبيض كأنه لا يفهم ما يراه.
ثم رفع عينيه إليها.
إنتِ بتهزري؟
هزت رأسها بهدوء.
لا يا أستاذ كمال.
فتح الظرف بسرعة.
قرأ السطور الأولى.
ثم الثانية.
ثم أعاد القراءة مرة أخرى.
كل كلمة كانت مكتوبة باحترام شديد…
لكن القرار كان نهائيًا.
رفع رأسه وقال
أنا مش هقبل الاستقالة.
ابتسمت منى ابتسامة هادئة.
من حق حضرتك ترفضها… لكن من حقي أقدمها.
أنا محتاجك.
خرجت منها ضحكة قصيرة خالية من أي دفء.
حضرتك محتاج موظفة… ودي هتلاقوها بسهولة.
قال بانفعال لم يعتده أحد منه
أنا محتاج منى.
لأول مرة…
اهتزت نظراتها.
لكنها تماسكت.
للأسف… منى اللي حضرتك كنت محتاجها كانت بتدي أكتر من شغلها، ودي انتهت.
ثم استدارت وغادرت.
بعد ثلاثة أيام…
بدأت الكارثة الحقيقية.
كان هناك اجتماع مع وفد استثماري أجنبي، وهو أكبر مشروع في تاريخ الشركة.
دخل كمال قاعة الاجتماعات بثقة.
وبعد عشر دقائق فقط…
اكتشف أن الملف المالي الذي اعتمد عليه يحتوي على أرقام قديمة.
توقف العرض.
بدأ المستثمرون يتبادلون النظرات.
وحاول المدير المالي تدارك الموقف.
لكن الضرر وقع.
انتهى الاجتماع دون توقيع.
وخسروا الصفقة.
عاد كمال غاضبًا.
صرخ في المدير المالي
إزاي يحصل كده؟
رد الرجل بتوتر
أستاذ كمال… منى كانت كل مرة بتراجع الملفات النهائية بنفسها قبل أي اجتماع… إحنا افتكرنا إنها لسه بتعمل كده.
ساد الصمت.
لأن الجميع أدرك الحقيقة.
لم يكن أحد قد طلب منها ذلك أصلًا.
في المساء…
جلس كمال وحده في مكتبه.
فتح البريد الإلكتروني.
ووجد عشرات الرسائل التي كانت منى تعالجها بصمت كل يوم.
طلبات عاجلة.
شكاوى.
مواعيد.
تحذيرات.
كلها كانت تصل إليه الآن.
لأول مرة شعر بحجم الحمل الذي كانت تحمله وحدها.
مد يده إلى درج مكتبه.
فوجد دفترًا صغيرًا.
فتح أول صفحة.
كان خط منى.
في حالة غيابي… هذا الدفتر يحتوي على كل ما قد تحتاجه الشركة خلال الأشهر الثلاثة القادمة.
توقف طويلًا.
قلب الصفحات.
كل شيء مرتب بدقة مذهلة.
ملاحظات.
أرقام.
بدائل.
خطط للطوارئ.
حتى المشكلات التي لم تحدث بعد…
كانت قد كتبت حلولها.
أغلق الدفتر ببطء.
وهمس لنفسه
إزاي ما شفتش كل ده؟
وفي اللحظة نفسها…
دخل نادر، ونظر إلى الدفتر، ثم إلى وجه كمال الشاحب.
وقال بهدوء
دلوقتي فهمت ليه قلتلك إن إمبراطوريتك مش هتقع لما منى تمشي…
توقف لحظة.
ثم أكمل
…هتقع لأنها كانت بتحميها كل يوم، وإنت ما كنتش شايف الجزء الرابع
مر أسبوعان…
ولم تعد منى.
ورغم أن الشركة عيّنت ثلاث سكرتيرات لتقسيم مهامها…
فشلن جميعًا.
ليس لأنهن غير كفؤات…
بل لأن أحدًا لم يكن يعرف كل ما كانت تفعله من تلقاء نفسها.
أما منى…
فكانت قد بدأت حياة جديدة.
قبلت عرضًا من شركة استثمار دولية كانت تحاول استقطابها منذ عامين.
كانت ترفض دائمًا.
وفاءً لكمال.
أما الآن…
فلم يعد هناك سبب للرفض.
في أول يوم عمل…
استقبلها رئيس مجلس الإدارة بنفسه.
صافحها مبتسمًا وقال
أخيرًا وافقتِ تنضمي لينا.
تفاجأت.
حضرتك كنت عارفني؟
ابتسم الرجل.
من زمان.
ثم فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا.
كان يحتوي على عشرات التقارير.
قال
كل مرة كنا ندرس شركة كمال… كنا بنلاقي بصمة واحدة وراء نجاح أغلب القرارات.
نظر إليها مباشرة.
بصمتك.
اتسعت عيناها بدهشة.
أكمل
إحنا ما كناش بنراقب كمال… إحنا كنا بنراقب الشخص اللي بيخلي كمال ينجح.
شعرت منى لأول مرة منذ سنوات…
أن أحدًا رأى قيمتها.
في الجهة الأخرى…
كان كمال يعيش أسوأ شهر في حياته.
صفقة أُلغيت.
عميل كبير انسحب.
ثغرة أمنية كادت تكلفه ملايين.
وموعد مهم نسيه لأول مرة منذ عشر سنوات.
وقف أمام نافذة مكتبه المطلة على القاهرة.
وقال لنادر بصوت منخفض
أنا كنت فاكر إني ببني الإمبراطورية دي لوحدي.
رد نادر
وده كان أكبر غلط.
استدار كمال نحوه.
عايز أقابلها.
تنهد نادر.
علشان ترجع؟
هز كمال رأسه بالنفي.
علشان أعتذر.
ابتسم نادر لأول مرة منذ أيام.
لو ده بجد… يبقى اتأخرت، لكن لسه عندك فرصة.
في مساء اليوم التالي…
وصل كمال إلى مبنى الشركة الجديدة.
طلب مقابلة منى.
استقبلته موظفة الاستقبال باحترام.
حضرتك عندك موعد؟
لا.
اتصلت الموظفة بالداخل.
ثم عادت بعد دقيقة.
الأستاذة منى مشغولة في اجتماع.
قال بهدوء
هستنى.
مرّت ساعة…
ثم ساعتان…
ثم ثلاث ساعات.
ولم يغادر.
وعندما انتهى الاجتماع
لمحة نيوز