مرات اخويا رومانى مكرم الثاني والاخير

مرت ساعات الليل ثقيلة زي الدهر. البرد كان ينخر في العظام، وأحمد رافض يتحرك من مكان، رافض يشرب بق مية أو يقعد على كرسي. مسك سبحته وبقى يقعد ويقوم ويدعي ويستغفر. وأنا كنت قاعدة جنبه، شايلة الطفل الصغير بين إيديا، بدمعه وبدعي ربنا يرد لإخويا وعقله روحه وثباته.

على الفجر، خرج دكتور العناية وهو بيعدل نظارته، ملامح وشه كانت أهدى كتير من بالليل. أحمد اتصلب في مكانه وجري عليه وهو حاطط إيده على قلبه: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إنها فاقت!”.

ابتسم الدكتور أخيرًا وهز رأسه: “الحمد لله يا أستاذ.. المعجزة تحققت ونبضها استقر والضغط نزل للمعدل الطبيعي. المدام فاقت وبدأت تتكلم وتسترد وعيها، وحالتها بقت مستقرة تماماً وتقدر تتنقل لأوضة عادية بعد ساعة”.

أحمد سجد على أرض المستشفى، وش حطه في التراب وبقى يبكي بصوت عالي ويحمد ربنا بصراخ، الدموع غسلت كل وجع السنين اللي فاتت في اللحظة دي.

بعد ساعتين، كانت هناء نقلت لأوضة عادية، وشها كان أصفر ودبلان من التعب، بس عينيه فيها نور الرضا والسلام. دخلت أنا الأول ومعايا البيبي، حطيته في حضنها، دموعها نزلت ببطء وباست رأسه وهي بتهديه.

وبعدها، استأذن أحمد ودخل الأوضة. كان يجر رجليه بالعافية، كأنه خايف يخطو خطوة تقلق الهدوء اللي في الأوضة. وقفت قدام السرير، ودموعه نازلة من غير صوت، وبص لـ هناء ونزل على ركبتيه جنب السرير، مسك إيدها الضعيفة وباسها بكسرة ونخوة راجل عرف إنه كان هيخسر روحه: “حقك عليا يا هناء.. حقك عليا يا نور عيني. أنا شفت الموت بعيني الليلة دي لما خفت تروحي مني. العيل ده مالوش أي قيمة عندي لو إنتِ مش جنبه ومش معايا.. أنا مستعد أقضي باقي عمري تحت جزمتك خدام ليكي بس تسامحيني”.

هناء بصت لـ أحمد، ولأول مرة من شهر الفرح، النظرة اللي في عينيها مكنتش جمود ولا قسوة.. كانت نظرة شفقة وحنان أصلها الطيب. مسحت دموعه بإيدها الضعيفة وقالت بصوت مبحوح: “أنا شفتك وإنت واقف برة بتدعي يا أحمد.. وسمعت صوتك. أنا سامحتك عشان ربنا يبارك في الولد ده.. بس محتاج وقت عشان يلم”.

أحمد رفع رأسه بلهفة وباس إيدها تاني وتالت: “أنا معاكي للآخر، ومش هضغط عليكي، وإن شالله ياخد عمر كامل عشان يلم.. المهم إنك معايا وفي أحضاني”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *