نور بنت بسيطه
نور كانت بنت بسيطة جدا من شبرا، أبوها كان سواق ميكروباص بيصحى الفجر يلف طول النهار عشان يجيب اليومية، وأمها ست بيت أصيلة بتعمل محشي وملوخية وتبيع للجيران والستات في المنطقة عشان تساعد في مصاريف البيت، ونور كانت الكبيرة في اخواتها وكانت شايلة الحمل كله على كتافها من وهي عيلة صغيرة، كانت بتذاكر على لمبة جاز أيام ما النور كان بيقطع وكانت بتحلم تلبس بدلة وتدخل شركة كبيرة، اتخرجت من كلية تجارة بتقدير جيد جدا وكانت الأولى على دفعتها في مادة إدارة الأعمال، وكانت بتحلم تشتغل في شركة كبيرة عشان ترفع راس أهلها وتثبت لنفسها انها تقدر تعمل حاجة كبيرة رغم الفقر اللي اتولدت فيه، وكانت صاحبتها يارا من أيام الجامعة بنت جدعة وبميت راجل وبتحبها جدا وبتشجعها دايما، ويارا كانت ساكنة جنبها وكانت بتقولها يا بنتي انتي مخك دهب والله وهتوصلي وهتبقي حاجة كبيرة قوي، ونور فعلا قدمت في شركات كتير ولفت على مكاتب التوظيف لحد ما رجلها ورمت، لحد ما جالها فرصة في شركة استيراد وتصدير كبيرة في وسط البلد اسمها شركة النور جروب وكان صاحبها شاب اسمه كريم، كريم ده كان وارث الشركة عن أبوه اللي كان راجل اعمال كبير ومات وسابله كل حاجة على الجاهز، وكان شايف نفسه حبتين، لابس بدل غالية من زارا وساعة رولكس وعربيته مرسيدس آخر موديل، وكان مغرور وبيحب يهين اللي تحتيه عشان يحس انه قوي ومسيطر، ونور أول ما دخلت الشركة انبهرت بالمكان والتكييفات الساقعة والمكاتب الازاز والسكرتيرة اللي بتتكلم انجليزي وكانت حاسة ان حلمها بيتحقق أخيرا، واتعرفت على لينا اللي كانت زميلتها في نفس القسم، لينا كانت بنت شيك وطيبة وبنت ناس وبتحب تساعد أي حد، وكمان اتعرفت على آدم المحاسب الطيب اللي كان دايما بيضحك معاها ويقولها شدي حيلك يا نور انتي شاطرة، وعلي مدير الموارد البشرية اللي كان راجل كبير ومحترم في الخمسينات وكان بيعاملها زي بنته، ونور اشتغلت بضمير جدا فوق ما أي حد يتخيل، كانت بتيجي بدري قبل الكل بساعة وتمشي متأخر بعد الكل بساعتين، تراجع الفواتير وتظبط الشيتات وترد على العملاء بأدب يخلي الكل يحبها ويثق فيها، وكانت بتاخد شغل البيت معاها تكمله بالليل، وفي خلال ست شهور بس بقت هي اللي شايلة قسم المبيعات كله على دماغها، والعملاء بقوا يطلبوها بالاسم ويقولوا عايزين الآنسة نور، وكريم كان ملاحظ ده بس عمره ما شكرها بالعكس كان دايما يقولها انتي بتعملي شغلك مش بتعملي جميلة يعني ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل، ونور كانت بتسكت وتبلع الإهانة وتقول معلش أكل العيش مر ولازم أستحمل عشان أهلي، لحد ما جه اليوم الاسود اللي عمرها ما هتنساه طول حياتها كان فيه صفقة كبيرة جدا مع عميل سعودي تقيل اسمه الشيخ أبو عبد الله، والصفقة كانت بمليون جنيه ولو تمت هتاخد الشركة بونص كبير وتتنقل نقلة تانية، ونور هي اللي تعبت فيها شهر كامل سهر واتصالات وايميلات رايحة جاية ومكالمات لحد نص الليل، كانت بتحضر العرض التقديمي وتترجمه للانجليزي وتظبط الأسعار مع الموردين، ولينا كانت شاهدة على تعبها وكانت بتساعدها وتقولها هتنجحي والله، ويوم توقيع العقد الشركة كلها كانت على أعصابها، وكريم لابس بدلته الجديدة ومستني العميل في قاعة الاجتماعات، والورق اللي راح للعميل كان فيه غلطة في السعر، غلطة مطبعية من السكرتيرة بتاعة كريم اللي اسمها شيماء، طبعت صفر زيادة في خانة التكلفة تخلي الشركة تخسر نص مليون جنيه مرة واحدة، والعميل السعودي أول ما شاف الرقم اتعصب جدا ووشه احمر وقال انتو بتهزروا معايا ولا ايه، وكريم دخل زي الطور الهايج المكتب ووشه أحمر وعينه بتطق شرار من الغضب والإحراج قدام العميل، وصرخ بأعلى صوته وقال مين الحمار اللي عمل كده مين الغبي اللي بوظ الصفقة، ونور قامت مخضوضة وقلبها بيدق بسرعة وقالت والله يا مستر كريم أنا مراجعة الورق ثلاث مرات وكان مظبوط ودي مش غلطتي، بس هو ما سمعش ولا اداها فرصة تدافع عن نفسها، كان عايز كبش فدا قدام العميل عشان يبان انه حازم، ومسك الورق ورماه في وشها قدام كل الموظفين اللي كانوا واقفين يتفرجوا، وقال بصوت عالي يهز الحيطان انتي فاشلة وفقيرة وجاية من ورا الجاموسة فاكرة نفسك هتعرفي تشتغلي في شركات كبيرة زي دي، انتي آخرك تبيعي محشي زي أمك في الحارة، انتي لا تصلحي حتى تمسحي جزم الموظفين هنا، وكل الموظفين سكتوا من الصدمة، لينا دمعت وعينيها احمرت، وآدم وطى راسه في الأرض من الكسوف، وعلي حاول يتكلم ويقول يا مستر كريم مايصحش كده بس كريم شخط فيه وقاله اخرس انت كمان، ونور حست ان الأرض بتتشق وتبلعها، ودانها صفرت وعينيها اتملت دموع، كبريائها اللي حافظت عليه وسط الفقر والجوع اتكسر ميت حتة قدام الناس، شالت شنطتها بإيد بترتعش وخرجت وهي بتعيط في الشارع بصوت عالي والناس بتبص عليها ومش فاهمة مالها، روحت البيت مقهورة ومكسورة وأمها أول ما شافتها حضنتها وقالت لها مالك يا بنتي ايه اللي حصل، وحكت لها وهي بتشهق من العياط، وأمها قالت لها معلش يا بنتي ربنا كبير وربنا ما بيسيبش حق حد، وأبوها لما رجع من الشغل قال لها حقك هيرجع يا نور ولو بعد حين، بس نور قعدت شهر كامل في أوضتها مش بتخرج ولا بتاكل ولا بتكلم حد، قافلة على نفسها الباب وكانت حاسة انها ولا حاجة وان كلام كريم صح يارا كانت بتجيلها كل يوم تخبط عليها وتقولها قومي يا نور انتي أقوى من كده بكتير، انتي مش هتقعي عشان واحد مغرور زي ده، قومي ووريله انتي مين، ولينا كانت بتبعتلها رسايل تقولها حقك عليا أنا عارفة انك مظلومة، وآدم كان بيبعتلها بوستات تحفيزية، لحد ما في يوم يارا دخلت عليها الأوضة وشدتها من ايدها وقالت لها بقولك ايه ما تيجي نشتغل سوا من البيت، احنا بنتين شاطرين ونعمل صفحة أونلاين نبيع فيها منتجات مستوردة صغيرة ونبدأ واحدة واحدة، ونور في الأول رفضت وقالت لها أنا خلاص كرهت الشغل والناس، بس يارا فضلت تزن عليها لحد ما وافقت، بدأت بقرشين كانت محوشاهم من شغلها القديم حوالي خمس تلاف جنيه، جابت شوية اكسسوارات وطرح وشنط من العتبة والموسكي وباعتهم على النت على صفحة عملتها على الفيسبوك والانستجرام سمتها يارا ونور، وربنا كرمها والصفحة كبرت في شهر واحد بقت خمس تلاف متابع، والناس بقت تطلب منها عشان ذوقها حلو وأسعارها رخيصة، وبعدها اتعرفت على مورد كبير من الصين عن طريق لينا اللي كانت لسه بتكلمها في السر من ورا كريم، لينا قالت لها ان كريم بعد ما انتي مشيتي اكتشف ان اللي غلطت في الطباعة كانت السكرتيرة بتاعته شيماء اللي هي قريبة صاحبه وكان بيجاملها، وانه عرف انه ظلمك ظلم كبير بس كبريائه وغروره منعه يتصل يعتذرلك، ونور سمعت الكلام وسكتت بس جواها نار كانت بتكبر وبتقول جواها هوريك يا كريم الفقيرة دي هتعمل ايه، وآدم كمان ساب الشركة بعد خناقة مع كريم وجه اشتغل مع نور لما شاف اصرارها وقال لها أنا مصدقك من الأول وعايز أساعدك بأي حاجة، أنا بعرف حسابات كويس وهظبطلك الدنيا، ونور وآدم ويارا بقوا تيم صغير بيشتغل ليل نهار من أوضة صغيرة في بيت نور فوق السطوح، أوضة حر في الصيف تلج في الشتا بس مليانة أحلام كبيرة، أبوها باع التوكتوك اللي كان جايبه جديد بالتقسيط واداها فلوسه وقال لها خدي يا بنتي اعملي اللي نفسك فيه أنا واثق فيكي، ونور كانت بتعيط وتقوله هردهولك أضعاف يا بابا والله، وعدت سنة كاملة والتيم الصغير بقى شركة صغيرة بجد اسمها لينا ستور على اسم لينا صاحبتها اللي وقفت جنبها وكانت بتسربلها معلومات السوق، وآدم كان شاطر جدا في الحسابات ويارا شاطرة جدا في التسويق والكلام الحلو ونور عقلها تجاري ابن لذينة بتعرف تشم الصفقة من على بعد كيلو، بدأت تستورد هي كمان شوية حاجات من الصين وتعمل صفقات صغيرة مع محلات في القاهرة، وكل صفقة تكسبها تحوش مكسبها وتكبر راس المال، وكانت بتتعلم انجليزي بالليل من اليوتيوب من قناة ذا أمريكان انجلش عشان تعرف تتكلم مع الموردين الأجانب بدون مترجم، وكانت بتنام أربع ساعات بس وتقوم تكمل شغل، يارا كانت بتقولها حرام عليكي نفسك بس هي كانت بتقولها عايزة أنجح بأي تمن لحد ما جت لها فرصة عمرها اللي غيرت حياتها كلها، نفس العميل السعودي الشيخ أبو عبد الله اللي ساب شركة كريم بسبب معاملته الوحشة وكذبه، شاف شغل نور على الانستجرام بالصدفة وبعتلها رسالة قال لها أنا فاكرك انتي البنت المجتهدة المحترمة اللي كانت في شركة النور جروب، أنا عايز أتعامل معاكي انتي شخصيا مش مع شركتك القديمة، ونور ما صدقتش نفسها من الفرحة، قعدت تعيط هي ويارا وآدم، حضرت عرض محترم جدا قعدت فيه ثلاث أيام متواصلة ما نامتش، وراحت قابلته في فندق الفورسيزون في القاهرة وكانت لابسة بدلة بسيطة بس شيك جدا كانت مستلفاها من لينا وثقتها في نفسها رجعت ألف مرة، والراجل انبهر بيها وبشطارتها ووافق يديها صفقة بمليون ونص جنيه مرة واحدة، ومن هنا الدنيا اتفتحت لها على البحري، الفلوس جابت فلوس والصفقة جابت صفقة والشركة كبرت وبقت في مكتب كبير في التجمع الخامس ازاز في ازاز، وجابت لينا تشتغل معاها مديرة مبيعات بمرتب ثلاث أضعاف اللي كانت بتاخده عند كريم وقالت لها انتي تستاهلي أكتر، وعلي الراجل الطيب جابته مستشار قانوني واداري للشركة بمرتب محترم، وشركتها بقت اسمها نور امبورت للاستيراد والتصدير، وبقت منافس قوي جدا لشركة كريم، لدرجة انها بقت بتاخد منه العملاء واحد ورا التاني عشان هي أرخص وأصدق ومعاملتها أحسن وبتخاف ربنا في شغلها، وكريم في نفس الوقت شركته كانت بتنزل لتحت بسرعة الصاروخ لأنه كان بيعتمد على اسم أبوه ومش بيتطور ولا بيتعلم حاجة جديدة وكان لسه مغرور وبيهين الموظفين فالناس الكويسة كلها سابته، والديون بدأت تتراكم عليه والبنك بيطالب بالقروض، وعدت سنتين بالظبط من يوم ما اتطردت واتهانت، ونور بقت مليونيرة بجد، عندها عربية بي ام دبليو ومعاها تيم كبير من خمسين موظف، بس لسه فاكرة اليوم اللي اتهانت فيه كأنه امبارح، وفجأة في يوم الصبح جالها تليفون من سكرتيرتها الجديدة قالت لها شركة النور جروب طالبة اجتماع ضروري جدا عشان عايزين يدخلوا معانا في مناقصة كبيرة لوزارة كبيرة والمناقصة دي بعشرة مليون جنيه، ونور ضحكت ضحكة فيها وجع سنين ومرارة وقالت خليهم يجوا بكرة الساعة عشرة، ويوم الاجتماع لبست أحلى بدلة عندها وحطت برفان غالي وكانت داخلة الشركة بتاعتها زي الملكة، دخل كريم الشركة وهو مش عارف انها بتاعتها، كان داخل متشيك بس وشه باين عليه التعب والديون والدقن الطويلة وعينه داخل لجوة، وأول ما دخل قاعة الاجتماعات الكبيرة وشاف نور قاعدة على كرسي رئيس مجلس الإدارة وحاطة رجل على رجل اتصدم ووقف مكانه متجمد، وشه جاب ألوان وشفايفه بتترعش وقال انتي، معقولة انتي، نور صاحبة نور امبورت، ونور قالت له بهدوء شديد أهلا يا مستر كريم، اتفضل اقعد، أنا مستنياك من بدري، وكريم كان هيقع من طوله من الصدمة، قعد وهو مش مصدق ومش عارف يبص في عينها من الكسوف ونور كانت هادية جدا من بره بس من جوه قلبها بيدق جامد، قالت له سمعت ان شركتك بتخسر جامد وعليك ديون كتير وعايز تدخل معانا في المناقصة عشان تنقذ ما يمكن انقاذه، كريم وطى راسه في الأرض وقال لها أيوه، أنا عارف اني غلطت في حقك غلط كبير، احنا محتاجين الشراكة دي جدا والا الشركة هتفلس وهتحجز عليها، ونور بصت له وافتكرت كل كلمة قالها لها من سنتين، افتكرت الورق وهو بيترمي في وشها قدام الكل، افتكرت كلمة فقيرة وبتاعة محشي وبتاعة مسح جزم، ودموعها اللي نزلت في الشارع وهي ماشية لوحدها، وحست للحظة انها عايزة تقوم ترميه بره زي ما عمل فيها وتقوله دوق من نفس الكاس يا كريم، بس في نفس اللحظة افتكرت أبوها وهو بيقولها المسامح كريم يا بنتي وربنا بيرفع اللي بيسامح، وافتكرت أمها وهي بتدعيلها كل ليلة وتقولها ربنا ينصرك، وافتكرت انها مش عايزة تبقى زيه في يوم من الأيام، هي نجحت عشان قلبها نضيف مش عشان قلبها اسود، قامت بهدوء جابت كوباية مية ساقعة وادتهاله في ايده وقالت له اشرب الأول اهدى، أنا مش هنسى اللي عملته فيا طول عمري، انت كسرتني قدام الناس كلها ووجعتني وجع عمري ما هنساه ولا هنسى نظرتك ليا وانا ماشية مكسورة، بس أنا مش هنتقم منك بالطريقة الرخيصة بتاعتك، أنا هساعدك عشان أنا اتربيت على الأصل، بس بشروطي أنا، هنشارك في المناقصة وانت هتاخد نسبة صغيرة عشرة في المية بس وهتتعلم تشتغل باحترام مع الناس اللي حواليك، وهتعتذر ل لينا وآدم وعلي وكل واحد شافك وانت بتهيني وتكسر بخاطري، وهتروح لأبوك في قبره تقوله انك اتعلمت الدرس، وكريم عينه دمعت لأول مرة في حياته، دموع ندم حقيقية نزلت على خده وقال لها أنا آسف يا نور، أنا كنت مغرور وحمار وابن كلب، انتي علمتيني درس عمري ما هنساه، انتي أحسن مني ميت مرة وانا استاهل كل اللي جرالي، ونور ابتسمت ابتسامة نصر بس نصر نظيف وقالت له يلا نبدأ شغل ونشوف هنعمل ايه في المناقصة، ويارا اللي كانت واقفة بره الباب بتسمع كل حاجة دخلت جري حضنت نور وقالت لها أنا فخورة بيكي يا صاحبتي انتي بنت بمية راجل، وآدم دخل وقال لها انتي فعلا انتقمتي بس انتقام الشرفاء، انتقام النجاح والجدعنة، ولينا عيطت من الفرحة وقالت ربنا عوضك خير يا نور، ونور روحت البيت بالليل وحكت لأبوها وأمها اللي كانوا بيزغرطوا ويعيطوا من الفرحة، وقالت لهم أنا انتصرت مش عليه أنا انتصرت على ضعفي وعلى فكرة ان الفقير لازم يفضل مكسور طول عمره، الفقير ممكن يبقى أقوى واحد في الدنيا لو عنده حلم وإصرار وعزيمة وما بيستسلمش، وكريم بعدها اتغير فعلا وبقى يعامل الموظفين كويس جدا وشركته بدأت تقف تاني على رجلها بمساعدة نور وبتعاونها، ونور فهمت ان التسامح مش ضعف أبدا
