عمران وليلى سيلا وليد الثامن

نهض علي والتقط هاتفه، فأوقفه عمران و قال:
— عايز كل الكاميرات اللي في بيت شهاب. كل حاجة حصلت هناك، كله حتى لياليهم الحمرا
حدق علي فيه.
— إنت ناوي على إيه؟
رفع عمران عينيه إليه.
لم يكن فيهما سوى وجع وغضب.
— لما أعرف اللي حصل لها… هقرر.
تحرك علي.
وبمجرد خروجه، جلس عمران وحده.
فتح التسجيل مرة أخرى.. ثم مرة ثانية.
وعاشرة.
كل مرة يسمع كلمة اتفاق، خطوبة، رفضاه، ضحك عليها، كان قلبه يزداد تمزقًا.
كان يظن أنه خسرها لأنها اختارت رجلًا آخر.
والآن اكتشف…
لعبة ابنة عمه وابن خاله، ياالله، كيف تكون القرابة بهذا الانحطاط، ولقد وقع في فخهم ليلى، الفتاة البريئة التي جاءت تستنجد به، بينما هو كان يعاقبها على جري\مة لم ترتكبها.
مرت ساعات.. دلفت السكرتيرة.
— عمران بيه… الاجتماع بعد دقائق.
رفع عينيه إليها.. نظر إلى ساعته.
كانت السادسة مساءً.
لم يكن لديه طاقة للحديث مع أحد، ولا حتى للوقوف.. لكنه تذكر كلمات شهاب.. بقلم سيلا وليد
أشار إليها بيده.
— خليهم يحضروا العربية.
مرت ساعات أخرى…
حتى جاء علي أخيرًا.
وضع أمامه كل ما استطاع جمعه.
استمع عمران لكل شيء.
كل تفصيلة عن ليلى.. عن والدها.
عن إجبارها.. عن الزواج الذي لم يتم.
عن حالتها..اتهامات الناس،ورميها بالباطل، وعندما انتهى علي…
ظل عمران صامتًا.
ثم خرج السؤال من بين شفتيه كأن كل حرف يؤلمه:
— يعني… ما كتبوش الكتاب؟
هز علي رأسه.
— لأ.
أطرق عمران رأسه.
أغمض عينيه، وانسابت دمعة وحيدة على خده.
همس:
— وأنا… كنت فاكر إنها اختارت واحد غيري.
رفع رأسه، ينظر بااركان المكتب، وكأنه يرى المشهد أمامه من جديد.
ليلى وهي تأتي إليه…تستنجد باعترافه حتى تهرب اليه، وتطلب منه أن يحميها.وهو تركها وظن بها السوء.
نهض بصعوبة.. استند إلى مكتبه للحظات.
كان يشعر أن قدميه لا تحملانه.
— هي جت لي…
خرجت الجملة مبحوحة.
— جت لي وأنا طردتها.
نظر علي إليه بحزن، لكنه لم يجد ما يقوله.
تحرك عمران نحو الباب.
خطواته كانت ثقيلة، كأنه يحمل فوق ظهره جبالًا من الندم.

وصل بعد دقائق أمام منزل فريد
ورغم أن المسافة لم تكن طويلة، شعر عمران وكأن الطريق امتد بين الشرق والغرب.
أوقف السيارة.. ظل للحظات يحدق في المنزل.
هنا كان يوصلها…هنا كانت تضحك.
وهنا كانت تودعه أحيانًا وهي تقول له
أما الآن…فكل ذكرى أصبحت س\كينًا.
أغمض عينيه بقهر، ثم ترجل.
صعد الدرج بخطوات متثاقلة.
بالداخل وضعت وفاء ذهبها أمام ابنها
_خدهم بيعهم ياحبيبي، عارفة علاج اختك غالي، وقبل ان يرد استمع الى طرق الباب.
بعد لحظات، فتح فريد.
تجمد مكانه عندما رأى عمران.
— عمران بيه؟
لم يرد.
كانت عيناه تبحثان في أرجاء المكان بجنون.
— فين ليلى؟
ارتبك فريد.
— نعم؟
تقدم عمران خطوة.
— ليلى فين؟
اشتعل الغضب في عيني فريد.
— ليه؟ الوقت اللي كان بينكم مكنش كفاية؟ أنا مصدوم فيك… إزاي تبقى شخص منحط بالشكل ده؟
لم يرد عمران.. لم يسمع أصلًا.
كل ما كان يسمعه داخله:
ليلى.
تحرك إلى الداخل.
— اطلع برة يا عمران بيه!
توقف أمام وفاء التي تطالعه بااستفهام، التفت الى فريد
_فين ليلى
_اطلع برة ياعمران بيه، لكنه، ظل يبحث عنها، فتح باب الغرفة الأولى
حتى وصل إلى الغرفة التي كانت فيها.
فتح الباب… وتوقف، انطفأ كل شيء داخله.كانت ممددة على الفراش.
وجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه.
جسدها الصغير ساكن بصورة موجعة.
المحلول معلق بجوارها.
والهدوء المحيط بها كان أشبه بهدوء القبور.
لمعت الدموع في عيني عمران.
— يا الله…
خرجت منه كأنها استغاثة.
اقترب منها، كل خطوة كانت تؤلمه.
انحنى أمامها.
مد يده المرتجفة إلى وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.
— ليلى…
همس باسمها.
وكأن مجرد نطقه سيعيد إليها الحياة.
صرخ فريد خلفه:
— متقربش منها!
لكن عمران لم يسمعه.
اقترب أكثر، ثم نزع المحلول من يدها بحذر، وحملها بين ذراعيه.
صرخت وفاء من الصدمة.
— إنت بتعمل إيه؟!
وقف فريد أمامه.
— نزلها حالًا!
رفع عمران عينيه إليه.
كانت عيناه غارقتين في الدموع، لكن صوته خرج حاسمًا:
— هاخدها أعالجها.
اقترب فريد وحاول انتزاعها من بين ذراعيه.
— مستغنين عن خدماتك! روح شوف لك ضحية تانية بعيد عن أختي… وياريت وإنت بتشوفها، تفتكر إن ليك أخت!
شد عمران ذراعيه حول ليلى أكثر.
— ابعد يا فريد… علشان متزعلش.
صُدم فريد من رده.
— أنا هتصل بالشرطة!
توقف عمران لحظة.
ثم قال ببرود:
— اتصل.
تحرك نحو الباب، ثم استدار إليه.
— وهقولهم إن دي مراتي.
شهق فريد.
— إنت مجنون!
—مادام انت عرفت،أنا مضيت ليلى على ورقة عرفي، يعني هي مراتي
ثم نظر إلى ليلى بين ذراعيه.
— دي مراتي
اقترب فريد منه بغضب: بقلم سيلا وليد
— إنت كذاب!
رفع عمران رأسه اليه، وقال بصوت خافت لكنه قاطع:
— اثبت… ثم أضاف:
— ولولا إن ليلى بين إيديا… كنت عرفت المجنون ده ممكن يعمل فيك إيه.
تحرك نحو الباب وهو يقول
— الحقني، علشان أوثق جوازنا
تجمد فريد.. وهو يرى اخته بين ذراع ذاك المجنون… استدار عمران اليه
—متتأخرش علشان تكون وليّها…ماهي لسة تحت السن
ضمها إلى صدره أكثر:
— ولا أخدها بعقد عرفي…، مش هسيب مراتي لحظة بعد كدا بعيد عني
ضربت وفاء صدرها وهي تبكي:
— يا لهوي! … إيه اللي بيحصل لبنتي؟! الراجل دا واخد بنتي فين؟!
التفت إليها فريد سريعًا.
— ماما اهدي… هجيبها.
ثم نظر إلى عمران الذي غادر المنزل، بعينين مليئتين بالغضب والخوف.
— الراجل ده شكله مش سهل. وكونه ييجي ياخدها كده… يبقى فعلًا ممكن يكون في ورقة ماضية عليها.
— اخرس! قطع لسانك ولسانه! بنتي متربية وماتعملش كده!
ارتدى فريد ملابسه على عجل.
— بنتك عملت أكتر من كده يا ماما… ولازم ألحقها.
— استنى! أنا مش هسيب بنتي… هاجي معاك.
— ماما لو سمحتي، مش ناقص. خليكي هنا وأنا هتصرف. مصر كبيرة، وممكن تتوهي مني، وأنا مش عارف هو رايح بيها فين ولا ناوي يعمل إيه.
عند عمران
كان جالسًا في السيارة، وليلى بين ذراعيه.
نظر إلى وجهها.. لم يستطع منع دموعه.
مد يده، وأزاح خصلة شعر عن جبينها.
وقال بصوتًا مكسورًا، وكأنه يعتذر لها عن كل ما حدث:
— حبيبتي…
ابتلع غصته.
— أنا هنا.
اقترب منها أكثر.. يهمس بجوار أذنيها
— سامعاني يا ليلى؟
لم تجبه… ارتجفت شفتاه ومازال يهمس
— افتحي عيونك بس…
انحنى وقبل جبينها قبلة مرتعشة.
— افتحيهم وقوليلي إنك زعلانة مني… اشتميني حتى.. أنا موافق
مرر انامله على وجهها
— متفضليش ساكتة كده.
ضمها إلى صدره
—آسف… عارف إنك زعلانة
أغمض عينيه، وأسند جبهته إلى رأسها.
— محدش هيأذيك تاني يا ليلى…
ثم همس، بصوت محطم:
— هرجعلك حقك.. حتى لو مني
بعد دقائق قليلة، وقبل أن يصل فريد اليهم.. رفرفت أهدابها وفتحتهم ببطء
كان يراقبها، ليبتسم وهو يمرر اصابعه على وجنتيها
فتحت عيناها، لتلتقي بعيناه، حركت رأسها بعيدًا عن صدره، تستكشف المكان، تظن أنها تحلم.
ولكنها وجدت نفسها بسيارته، وبين ذراعيه
حاولت أن تتحدث، ولكن لم تقدر، كان يتابعها بعينًا لامعة بالدموع
_وحشتيني يانبض قلب عمران..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *