حماتى فتنت عليا منى السيد الثاني

والستر، وركبت مع أحمد العربية. طول الطريق كان الصمت سيد الموقف، أحمد كان كل شوية يبصلي بطرف عينه، يحاول يمسك إيدي، بس كنت بسحبها بهدوء وأبص من الشباك على الطريق الزراعي. كسر هو السكوت وقال بصوت مخنوق مش هتسامحيني يا أميرة؟ والله العظيم كنت أعمى، الشيطان عمى قلبي، بس والله لما البيت فضي عليا حسيت إن روحي اتسحبت مني، عرفت قيمتك وعرفت إنك كنتي شايلاني وشايلة أهلي فوق طاقتك وإحنا مكناش بنحمد ربنا على النعمة.
بصيتله ورديت ببرود قاطع المسامحة مش كلمة بتتقال يا أحمد، المسامحة أفعال بتتشاف. الشرخ اللي في قلبي محتاج سنين عشان يلتئم، إنت مهنتنيش لوحدك، إنت خليت اللي يسوى واللي ميسواش يتفرج على كرامتي ويهزأني. أنا راجعة عشان شارية بيتي وعيالي اللي هيجوا، وراجعة عشان أخدت حقي تالت ومتلت، بس أميرة القديمة اللي كانت بتضحي وتيجي على نفسها عشان ترضي الكل دي… ماتت ودفنتها في بلدنا قبل ما أركب معاك العربية.
أحمد بلع ريقه وهز راسه بيأس اللي تشوفيه يا أميرة، المهم إنك معايا وتحت سقفي، وأنا هثبتلك كل يوم إنك اخترتي صح.
وصلنا الشقة الجديدة، كانت في عمارة نضيفة، في الدور التالت، فيها أسانسير وهواها بحري يشرح القلب. دخلت الشقة، لقيت عفشي القديم مترتب وممسوح، وفيه صالون جديد مودرن كان حاطه في الصالة، والمطبخ واسع وفيه كل الأجهزة الحديثة اللي اتحرمت منها سنين وأنا بخدم تحت.
حطيت شنطتي، وقعدت على الكنبة وأنا بتنفس براحة حقيقية لأول مرة. حسيت إن القيود اللي كانت رابطة رقبتي اتفكت، مفيش حد هيصحيني الفجر عشان أخبز، مفيش حد هيرميني قدام صهد الفرن والشمس تحرق جلدي، مفيش حد هيتأمر عليا بكوباية شاي ومواعين وهو قاعد ياكل شيبسي ويضحك.
مر أول شهر في الشقة الجديدة، وكانت العيشة جنة وهدوء مكنتش أحلم بيهم. أحمد كان بينزل شغله ويرجع يلاقي بيته منظم، أكله سخن، وهدومه مكويه، مكنش بيسمع صوت نكد ولا خناقات، وكان حاسس بالفرق الشاسع بين الاستقرار اللي هو فيه وبين وجع الدماغ اللي كان عايش فيه في بيت العيلة.
بس الشيطان مابيموتش… وحماتي مكانتش من النوع اللي يسكت على هزيمته بسهولة.
بعد شهر ونص، كان يوم جمعة، كنت مجهزة الغدا وقاعدين أنا وأحمد بنتفرج على التلفزيون في هدوء، وفجأة جرس الباب رن رنات متتالية وسريعة، كأن فيه حريقة في العمارة. أحمد استغرب وقام يفتح، وأنا قومت وقفت وراه عند طرقة المطبخ.
أول ما الباب اتفتح، دخلت حماتي ووراها بناتها التلاتة، نهى وأخواتها، لابسين ومتشيكين، ودخلوا يزقوا في الباب كأنهم داخلين زريبة مش بيت ناس ليهم خصوصيتهم!
حماتي بصت للشقة بعين كلها حسد وغل، بصت للسيراميك اللي بيلمع، للنجف، وللفرش الجديد، وبصتلي وأنا واقفة بكامل أناقتي وبشرتي رجعت نضرة ورايقة بعد ما بعدت عن صهد الفرن والشقا.
ما شاء الله، ما شاء الله! حماتي قالتها بصوت عالي وهي بتلوح بإيديها، أهو الهوانم عايشين في النعيم وإحنا اللي سيبتونا في الخرابة ناكل في بعضنا! أدي الشقة اللي فلوس ابني طارت عليها عشان خاطر ست الحسن والجمال!
أحمد وشه اتخطف، اتوتر وبصلي برعب كأنه خايف أنفجر وألم هدومي وأمشي، بس أنا المرة دي كنت هادية جداً، ابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش ذرة ارتباك، وقفت مربعة إيديا وقولت أهلاً يا حماتي… اتفضلوا، بس يا ريت بالراحة على الباب والجرس، البيت هنا له أصوله مش زي تحت.
نهى أخته لوت بوزها وقعدت على الصالون الجديد ورجل على رجل أصول إيه يا مرات أخويا؟ دا بيت أخونا ومن حقنا ندخله في أي وقت، ولا إنتِ مفكرة نفسك هتمنعينا عنه؟ دا إحنا أهل البيت!
مشيت بهدوء، قعدت على الكرسي المقابل ليهم، وحطيت رجل على رجل بكل ثقة بيت أخوكم على عيني وراسي، بس ده بيتي أنا ومملكيتي أنا، والبيت اللي ملوش استئذان وميعاد محدد، ملوش كرامة، وحضراتكم جايين من غير اتصال ولا كلمة، بس يلا… كرم الضيافة واجب برضه.
حماتي رمت شنطتها على الترابيزة وقالت بغيظ قومي يا هانم هاتي لنا حاجة نشربها، ولا خلاص مبقتيش تعرفي المطبخ بعد ما اتفرعنتي؟ ونهى اختك عايزة فنجان قهوة مظبوط، وأنا رجلي وجعاني وعايزة كباية ينسون سخنة.
كانت فاكرة إنها بحركتها دي هترجع تفرض سيطرتها عليا في بيتي، وتكسر القواعد اللي حطيتها، وتبين لبناتها إنها لسه الآمرة والناهية، وبصت لأحمد كأنها بتتحداه يفتح بقه.
أحمد بص في الأرض واتوتر، كان باين إنه مكسوف من أسلوبها بس مش قادر يزعق لأمه في أول زيارة ليها.
أنا وقفت، مروحتش على المطبخ، روحت وقفت جمب أحمد، حطيت إيدي على كتفه وبصيت لحماتي وقولت بمنتهى الهدوء والبرود اللي حرق دمها أنا هنا ست البيت يا حماتي، مش شغالة ولا خدامة بطلب. لو داخلين بيتي ضيوف باحترامكم، أحمد بنفسه هو اللي هيقوم يدخل المطبخ يعمل لأمه وأخواته اللي يشربوه ترحيباً بيكم، لكن أنا… إيدي متتمدش في خدمة حد بيعاملني بأسلوب الأوامر والتعالي. إنتوا نسيتوا الاتفاق في المندرة قدام الحاج عبد الرازق ولا أفتكرلكم؟
حماتي وشها احمر، قامت وقفت وصرخت إنتِ بتخليه هو اللي يخدمنا؟! بتخلي الراجل يدخل المطبخ وإنتِ قاعدة هانم متفرجة؟! شوفت يا أحمد خيبتك؟! شوفت مراتك بتقل منك إزاي قدامنا؟ !
أحمد في اللحظة دي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *