قصة حقيقية حدثت بالفعل بقلم منال عباس حصرى

حصرى لبيدج روايات منال عباس

العاصفة اللى كانت جوه البيت اتحولت لواقع مرعب يوم ما اتقفلت تليفونات البنات التنين وظهرت الصدمة الكبرى لما شلة الأصحاب بلغت الجدة العجوز إن البنات سابوا البيت وسافروا مع ناس مجهولة لمدينة ساحلية بعيدة تحت اسم الحرية والاستقلال الوهمي. الخبر نزل على الجدة كالصاعقة وخلاها تقع مغشى عليها لحد ما نقلتها الجيران المستشفى وهى بين الحياه والموت، وفي نفس اللحظة كان الأاب قاعد فى مكتبه الفخم بره الحدود بيمضي عقود صفقة جديدة وهو حاسس بانتصار وهمي، لحد ما تليفونه رن برقم أمه القديم بس اللى رد عليه مش أمه، ده صوت جارهم اللى بلغه بالمصيبة الكبرى إن أمه فى العناية المركزة وبناته طاروا فى هواهم وضاعوا فى سكة بلا رجعة. الأب حس إن الدنيا بتلف بيه لأول مرة يدرك إن فلوسه كلها وعقود صفقاته متسواش قرش قدام انهيار عيلته اللى هدمها بإيديه لما اختار يشتري راحته ويهرب من مسئولية تربية بنات فى أمس الحاجة لحضنه وقلبه مش لفلوسه. ساب كل شغله ونسى الملايين وركب أول طائرة راجعة بلده وهو عقلة هيطير من الخوف والندم، تائه بين ذكريات ماضى بعيد لما اتجوز طفلة مكنش فاهم عواقب قراره، وبين حاضر أسود ملوش حدود. لما وصل المستشفى لقى أمه نايمة على السرير الأبيض بتصارع المرض والقههر، والناس بتهمس حواليه عن مصير بناته اللى وصلوا لآخر خط فى سكة الضياع، وقف قدام مراية الحمام فى المستشفى باصص لشكله وبصدمة لقى نفسه عجوز وشعره الأبيض غطى راسه من كتر الهم، وأدرك أخيراً إن الفلوس اللى كان بيتباهى بيها كانت مجرد كفن لروح بناته، وإن اللى جاي هيبقى أصعب بكتير لأنهم لسه ملقوش نفسهم ولا عارفين حجم الخطر اللى استدرجهم فى عز شبابهم المراهق، وقرر إنه لازم يدور عليهم حتى لو هيلف بلاد الدنيا كلها برجله عشان يصلح اللى كسره بس بعد ما فوات الأوان بقى يطرق بباب الندم اللى ملوش مفتاح.بقلم منال عباس

بدأ الأب رحلة بحث مجنونة ملهاش أول من آخر فى المدينة الساحلية الواسعة اللى هربت لها البنتين، كان بيجري فى الشوارع الضلمة والمناطق الشعبية والمهجورة وكأنه تايه فى صحراء جافة، صور بناته بقت فى إيده بيسأل عنها كل واحد يقابله، وكل كافيه مشبوه أو مكان سهر بيدخله كان قلبه بيتقبض أكتر وأكتر، لحد ما وصل أخيرًا لشقة صغيرة مهملة على أطراف المدينة رشدته عنها إحدى صديقات بناته السابقة بعد ضغط وتهديد، وفى اللحظة اللى كسر فيها الباب، لقى منظر ما كانش يتخيله فى أسوأ كوابيسه، بنته الكبيرة قاعدة على الأرض فى زاوية مظلمة بتعيط بحرقة وجسمها بيرجف وشعرها مبعثر، وشاب من اللى بيستغلوا البنات دايدولها وعود كدابة كان واقف بيبتسم ببرود، بينما البنوتة الصغرى كانت تايهة فى عالم تاني تمامًا من التشتت والذهول وكأن عقلها فصل عن الواقع من كتر الخضة والصدمة فى الناس اللى وثقت فيهم. الأب أول ما شافهم هجم على الشاب وضربه بكل غل وقهر الدنيا اللى جواه، وطلع كل شعور الذنب والتقصير فى ضربات وجع وغضب عارمة لحد ما الشاب هرب وجرى بخوف من هيئته المجنونة، وفى نفس اللحظة رمى الأب نفسه على ركبه قدام بناته اللى كانوا بيترعشوا، وفتح دراعاته وعيط بصوت مستحيل كان ممكن يخرج منه قبل كده، وقال لهم كلام أول مرة يسمعوه من يوم ما اتولدوا، كلام كله اعتراف بالذنب وتوسل يسامحوه على سنين الغياب والجفاء المادي اللى دمرهم، بس رد فعل البنتين مكنش سهل ولا زي ما كان متوقع، الكبيرة بصت له بعيون مليانة كره وقسوة وقالت له بصوت ناشف يجمد الدم فى العروق إن الجرح اللى جواه أكبر بكتير من إنه يتصلح بحضن متأخر أو بدموع ندم بعد فوات الأوان، وإنهم مبقوش محتاجين لا فلوسه ولا حتى حنانه اللى جه فى الوقت الضايع، ووقفت وسحبت أختها الصغيرة وراها وسابوه قاعد لوحده فى قلب الشقة الظلمة وهو حاسس إن روحه بتتسحب منه وحدة وحدة، وإن اللى كسره زمان مستحيل يرجع يتصلح بكلمتين طيبين، وإن رحلة الضياع لسه ليها بواقي مرة هتكوي قلبه زي النار. بقلم منال عباس

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *