قصة حقيقية حدثت بالفعل بقلم منال عباس حصرى

حصرى لبيدج روايات منال عباس

سابهم يمشوا من قدامه وهو حاسس إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه وإن جدران الشقة بتضيق عليه كأنها قبر حى، لكن عزم الأب المكسور مكنش ممكن يقبل يستسلم بالسهولة دى بعد ما أدرك أخيراً حجم الخطيئة اللى ارتكبها فى حقهم، فقرر يمشي وراهم من بعيد لبعيد من غير ما يحسسوهم بوجوده لحد ما استقرت البنتين فى استراحة قديمة على شط البحر بيملوها شباب ضايع زيهم، ووقف مراقبهم طول الليل وهو واقف فى البرد والعتمة وعينه ما تنزلش من عليهم خاف عليهم من نسمة الهوا، ولما طلع النهار ودخلت البنت الكبيرة فى نوبة بكاء هيستيرية وهى بتقول لأختها إنهم وقعوا فى مصيدة حقيقية وإن الشاب اللى أوهمهم بالحب سرق منهم كل الفلوس والقيم اللى كانت معاهم وسابهم فى الشارع مفلسين ووحيدين، هنا اتحرك الأب وطلع من مخباه ودخل عليهم بخطوات بطيئة وصوت مرتعش مليان توسل، ومن غير ما يلومهم ولا يعاتبهم على كلامهم القاسي اللى جرح قلبه من شوية، فتح شنطة فلوس كانت مليانة عن آخرها وحطها قدامهم على الترابيزة وقالهم بصوت كله ندم وتمني إنه يرجع الزمن: خذوا اللى تعوزوه واعملوا اللى تحبوه بس ارجعوا معايا للبيت عشان أقدر أحميكم من العالم اللى أكل عقلكم، بس الكبيرة بصت للفلوس نظرة احتقار شديدة وقالت له بصوت مرعب إن الفلوس اللى عماك زمان هى بالظبط اللى حرقتنا دلوقتى وإننا مستحيل نرجع لبيت مفيش جواه غير ريحة القسوة والغياب حتى لو افترشنا الشارع ونمنا فى الطين، وسابت الفلوس مكانها وجرت وهى سוחبة أختها الصغرى اللى كانت بتبص لأبوها بنظرة مكسورة تجمع بين الحاجة ليه والهرب منه، والأب فضل قاعد قدام الشنطة المفتوحة لوحده وسط رياح البحر الساقعة، حاسس إن ممتلاكاته وملايينه تحولت لرماد وإنه بيموت بالبطيء وهو شايف بناته بيبعدوا عنه خطوة بخطوة فى طريق ضياع ملوش آخر ولا رجعة.بقلم منال عباس

الهروب التاني للبنات كان أقسى بكتير، دخلوا جوه العشواییات والحتت المقطوعة وهما تايهين تماماً وفاكرين إنهم بيكسبوا حريتهم وهم بيحفروا قبرهم بإيديهم، والأب مكنش قدامه أى حل غير إنه ينزل لمستواهم ويسيب عزه وشغله ويمشي وراهم خطوة بخطوة فى شقق منضفة وشارع ورا شارع لحد ما اتقفلت عليهم دايرة الخطر الحقيقي لما لقوا نفسهم فى نص عصابة نصب وتجارة ممنوعات استغلت براءتهم المنقوصة وتمردهم الأعمى عشان تورطهم فى ليلة سودة وشبكة جحيم مفيهاش طلوع، وفى اللحظة اللى كان فيها زعيم العصابة بيستعد عشان ينهي مستقبلهم ويسلمهم لطريق ملوش رجعة، كسر الأب الباب زى الأسد الجريح ودخل عليهم كأنه إعصار مدمر، مفرقش معاه أى خطر ولا كبر سنه، هجم على الكل بقوة غريزة الابوة المتأخرة والندم العارم اللى ولع فى روحه، وضرب وكسر ودافع عن بناته ببسالة لحد ما هربت العصابة من هول جونه وجبروت خوفه عليهم، وفى وسط دماء المعركة ودموع الرعب اللى غرقت عيون البنتين، جريت الكبيرة حضنت أبوها لأول مرة بقوة كأنها بترمي كل سنين القسوة والجفاف فى حضنه الدافي، والصغرى وقعت على الأرض منهارة وهى بتترعش وبتقول بصوت مكسور: احنا ضيعنا نفسنا يا بابا سامحنا، والأب ضمهم الاتنين لصدره بوجع الدنيا كلها وعيط بعبرة حارقة لأول مرة فى حياته وهو حاسس إن روحه ردت فيه تانى بعد ما كان فاقد الأمل، وإن تمن الفلوس اللى دفعها زمان غالي قوي، بس إنهم يرجعوا أحياء ولو مكسورين أثمن بكتير من كل ملايين الدنيا، وخد بيناته فى عربيه وهو بيبص للمستقبل بخوف بس بيقين جديد إن اللى جاي محتاج صبر وعلاج طويل لنفوس اتدمرت، وإن رحلة الإنقاذ الحقيقية لسه بتبدأ حالا مش بتنتهي.بقلم منال عباس

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *