قصة حقيقية حدثت بالفعل بقلم منال عباس حصرى

حصرى لبيدج روايات منال عباس

رجع الأب ببناته لبيته القديم بعد ما باع نص مشاريعه وأملاكه عشان يقفل صفحة الشغل اللى سرقت عمره، وحول الفيلا لملجأ دافئ مليان حب واهتمام حقيقي يعوضهم بيه عن سنين الجفاف والضياع، بس الجرح كان عميق لدرجة إن البنات دخلوا فى حالة عزلة وصمت رهيب، الكبيرة بقت قاعدة قدام الشباك ساعات طويلة باصة للفراغ وبلا كلام، والصغرى بتصحى بالليل مفزوعة من كوابيس العصابة والشارع، والأب مسبهمش لحظة واحدة وكان قاعد جنبهم بيحاول يكلمهم ويسمعهم من غير ما يلومهم على أى كلمة قاسية قالوها زمان، لحد ما فى يوم دخل عليهم وهو ماسك كراسات قديمة وصور أيام طفولتهم اللى ضاعت منه وهو غارق فى الفلوس، وحطهم قدامهم وقالهم بصوت مليان دموع إن كل مليم دافع عنه كان عبارة عن مسمار فى نعش عيلته وإنه مستعد يضحي بكل أيامه الجاية عشان يرجع الضحكة لعيونهم، وطلب منهم فرصة أخيرة مش كأب سيد البيت لكن كصديق وأخ بيخاف عليهم بجد، وهنا الكبيرة بصت له ولأول مرة تزل دموعها وتلمس إيده الخشنة اللى تعبت فى الدنيا، وقالت له بصوت منخفض إن الوجع لسه جوه متمكن وإنهم مش عارفين ينسوا السنين اللى فاتت بالسهولة دي، والصغرى هزت راسها بموافقة صامتة وهى بتقرب منه بحذر كأنها بتدوب البرود اللى بينكم، والأب حس لأول مرة بإن جليد سنين البعد بيسيح ببطء، وإن طريق العلاج النفسي ولم شمل العيلة اللى اتقطعت أواصرها هيبدأ من اللحظة دي بس بإنهم يواجهوا ذكرياتهم السودة سوا من غير هروب ومن غير شاشات فلوس تفصل بينهم تانى.بقلم منال عباس

الأيام مرت ثقيلة وبطيئة وهم بيحاولوا يرمموا اللى انكسر جوه روحهم، الأب ساب كل سفرياته وقفل باب الشغل الضخم وتفرغ تماماً لبناته، بقى يقعد بالساعات يسمع لسكوتهم قبل كلامهم، ويحاول يعوضهم عن كل حضن ضاع وكل كلمة حنان اتحرموا منها، والكبيرة بدأت ترجع لجامعتها وعقلها يتزن وتستوعب إن الحياة مش مجرد تمرد واندفاع، والصغرى بدأت تبتسم من تاني وتلاقي الأمان اللى فقدته فى شوارع الضياع، والبيت اللى كان زي القبر بقى مليان ضحك وحياة وحب حقيقي ملوش تمن، لحد ما جه اليوم اللى وقفت فيه الكبيرة وهى ماسكة شهادة تخرجها وحطتها قدام أبوها وهى بتقوله بصوت مليان فخر إنها قدرت تلاقي نفسها بجد مش بس بشهادتها لكن بوجوده جنبها وسنده الحقيقي ليها، والأب حس ساعتها إن السنين الصعبة اللى فاتت انتهت وإن روحه ردت فيه من جديد بعد ما لقى بناته نضاف وأقوياء وقادرين يواجهوا الدنيا، والنهاية مكنتش مجرد رجوع لبيت، دي كانت درس قاسي ومرعب بيفكرنا كلنا إن الفلوس ممكن تشتري أي حاجة في الدنيا ما عدا الوقت وحنان الأهل وإن الأطفال مش مجرد عيال بنربيهم بالأكل واللبس والفلوس، لكن هما أرواح محتاجة حضن وعين شايفاهم وقلب بينبض عشانهم، وإن أثمن استثمار فى الدنيا هو ولادنا لأن اللى بنزرعه في قلوبهم صغار بنحصده فى عيونهم كبار…..
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *