بعد ما خلصت
في صباح اليوم التالي، مريم صحيت وهي حاسة إنها ما نامتش أصلًا.
فضلت طول الليل تفكر في آدم، وفي نظراته وهو بيحاول يفتكرها، وفي الجملة اللي قالتها أمه قبل ما تخرج.
الستات اللي بتظهر فجأة حوالين راجل عنده فلوس، نادرًا ما بتكون صدفة.
كانت الجملة مستفزة، لكن اللي كان شاغل مريم أكتر هو إحساسها الغريب إن رجوع آدم لحياتها بالشكل ده مش مجرد صدفة فعلًا.
مش لأنها كانت بتدور عليه.
لكن لأنها من أول لحظة شافت اسمه على البطاقة، قلبها قال لها إن لازم هي بنفسها ترجّع المحفظة.
وفي نفس الوقت، كان آدم واقف في مكتبه قدام مكتبته، ماسك المحفظة اللي رجعتها له مريم.
فتحها مرة تانية.
فلوس.
بطاقات.
كروت.
لكن لما قلب الجيب الداخلي، وقعت منه ورقة صغيرة قديمة مطوية.
آدم فتحها.
كانت صورة.
صورة قديمة جدًا، أطرافها متآكلة، والألوان باهتة من السنين.
في الصورة ولد صغير عنده حوالي اتناشر سنة، واقف جنب بنت صغيرة بتضحك وهي ماسكة كشكول رسم.
آدم اتجمد.
فضل يبص للصورة ثواني طويلة.
وبعدين همس
مريم…
ما كانش فاكر الصورة دي كانت فين.
لكنه كان متأكد إنها من دار الرعاية.
كان هو ومريم واقفين جنب بعض في حفل صغير اتعمل للأطفال في الدار، بعد ما مريم كسبت مسابقة رسم بسيطة.
وكانت الصورة الوحيدة اللي احتفظ بيها من الفترة دي.
الغريب إن آدم كان فاكر إنه فقدها من سنين.
فتح درج مكتبه بسرعة، وطلع منه ملف قديم كان محتفظ بيه من غير ما يعرف حتى ليه.
الملف كان فيه أوراق التبنّي، وبعض المستندات القديمة الخاصة بالفترة اللي قضاها في دار الرعاية.
وبين الأوراق، لقى شهادة صغيرة عليها ختم قديم.
قرأ الاسم.
آدم منصور.
لكن تحت الاسم كان فيه رقم ملف.
نفس الرقم اللي كان موجود على الصورة من الخلف.
آدم قرب الصورة من عينه.
وكان فيه شيء مكتوب بقلم رصاص على ظهرها.
آدم ومريم… أخوات الدار.
آدم فضل ساكت.
هو كان عارف إنه ومريم كانوا قريبين.
لكن كلمة أخوات الدار كانت مجرد تعبير بيتقال للأطفال اللي عاشوا مع بعض.
ومع ذلك، كان فيه سؤال أكبر بدأ يظهر في دماغه.
ليه الصورة كانت جوه محفظته؟
هو ما حطهاش فيها.
أكيد ما حطهاش.
وفجأة افتكر.
قبل ما ينزل من المستشفى في الليلة اللي فاتت، كان قاعد في العربية، وفتح المحفظة عشان يطلع البطاقة.
يمكن الصورة كانت أصلًا في الجيب الداخلي من سنين، وهو ناسيها.
لكن ليه رجعت تظهر دلوقتي؟
في اللحظة دي دخلت نورا.
آدم؟
آدم قفل الملف بسرعة.
أيوه يا ماما.
إنت لسه في المكتب؟
كنت بدور على حاجة.
لاحظت الصورة في إيده.
وقفت مكانها.
ملامحها اتغيرت.
آدم رفع عينه لها.
إنتِ تعرفي الصورة دي؟
نورا ما ردتش فورًا.
وبعدين قالت
صورة قديمة.
من دار الرعاية.
أيوه.
مريم موجودة فيها.
سكتت.
آدم قام من مكانه.
إنتِ كنتِ تعرفيها؟
نورا تنهدت.
كنت أعرف إنها كانت موجودة في الدار.
بس أنا فاكر إنك أول مرة شوفتيها امبارح.
نورا بصت له.
أنا شفتها أول مرة بعد ما كبرت.
يعني إيه؟
يعني إن الموضوع أكبر من إنك تفتكر إن كل حاجة حصلت بالصدفة.
آدم حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.
ماما، أنا عايز الحقيقة.
نورا قعدت على الكرسي.
وبعد لحظة طويلة قالت
لما عيلتك أخدتك من دار الرعاية، كان فيه سبب إنهم اختاروك أنت تحديدًا.
آدم عقد حواجبه.
عشان كانوا عايزين يتبنوني؟
مش بالبساطة دي.
أمال إيه؟
نورا بصت للصورة.
والدك كان وقتها بيساعد المؤسسة دي بشكل كبير، وكان بيتابع ملفات الأطفال بنفسه. ولما شاف ملفك، عرف إن عندك موهبة في الدراسة، وإنك طفل هادي ومجتهد. هو اتعلق بيك من أول مرة شافك فيها.
وده مالوش علاقة بمريم.
لأ.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
لكن والدك سأل عن الأطفال اللي كانوا قريبين منك.
آدم اتقدم خطوة.
ومريم كانت واحدة منهم؟
نورا هزت رأسها.
أيوه.
طب ليه اختفت من حياتي؟
نورا بصت للأرض.
لأن عيلتك نقلتك لمكان تاني بسرعة.
ده أنا عارفه.
وفي نفس الفترة، حصلت مشكلة في ملفات الدار.
آدم اتوتر.
مشكلة إيه؟
مش خيانة، ولا سرقة، ولا حاجة من النوع ده اللي بتفكر فيها.
أمال؟
كان فيه خطأ إداري كبير في تسجيل بعض الأطفال.
آدم فضل ساكت.
نورا كملت
ملف مريم كان فيه نقص في بعض البيانات. ووالدتك وقتها كانت بتساعد في مراجعة الأوراق، لأن والدك كان عايز يتأكد إن كل الأطفال اللي في المؤسسة أوراقهم سليمة.
ومين كان مسؤول؟
إدارة قديمة.
ومريم؟
ملفها اتنقل لمؤسسة تانية لفترة قصيرة عشان يتم استكمال الإجراءات.
آدم فتح عينه.
يعني هي ما اختفتش؟
لا.
طب ليه أنا ما عرفتش؟
نورا قالت بهدوء
لأنك كنت طفل، وبعد انتقالك لبيت العيلة، اتمنع عنك التواصل مع الدار لفترة، مش عشان حد كان عايز يأذيك، لكن لأنهم كانوا خايفين إنك تتعلق بالماضي وماتقدرش تبدأ حياتك الجديدة.
آدم مسك رأسه.
وأنا كنت فاكر إنهم أخدوها مني.
نورا بصت له.
أنت كنت طفل يا آدم.
بس أنا كنت بسأل عنها.
عارفة.
مين قال لك؟
نورا سكتت.
وهنا آدم فهم إن فيه حاجة تانية.
ماما… إنتِ عارفة أكتر من كده.
ما ردتش.
الصورة دي ليه كانت عندي؟
لأنها كانت هدية منها.
آدم اتجمد.
إيه؟
يوم ما خرجت من الدار، مريم ادتك الصورة.
آدم قعد على الكرسي.
وفجأة بدأت الذكريات ترجع له.
ممر طويل.
ريحة دهان قديم.
أصوات أطفال.
مريم واقفة قدامه، ماسكة الصورة.
بتقول له
خدها، عشان لو نسيتني.
آدم حط إيده على وشه.
أنا فاكر…
نورا قالت
أنت فضلت محتفظ بيها.
وإنتِ عرفتي؟
لقيتها معاك بعد