عندى ثلاث محمد نور
هدى وريم اتعلموا مني الدرس بالظبط: إن الحنية والقرب بيتقاسوا بالفلوس.
مريم كانت الوحيدة اللي رفضت تدخل اللعبة دي.
وعشان كده أنا عاقبتها.
بدأت أقرأ في كتبها اللي في الشقة.
ما كنتش فاهم نصها.
بس عرفت إن عشان ترمم ورقة قديمة، لازم تدرس الألياف، والأحبار، والحرارة، والرطوبة.
عرفت إن التصليح الغلط ممكن يدمر الوثيقة للأبد وما تترقعش تاني.
في يوم، شفت باب أوضتها مفتوح.
كانت مريم بتتكلم فيديو كول مع بروفيسور إيطالي شعره أبيض، بيتكلموا إنجليزي.
لما خلصت، سألتها:
— مين ده يا بنتي؟
— ده البروفيسور ماركو بيليني، كان أستاذي لما طلعت منحة في روما.
حتة ثانية من حياتها ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.
— عمرك ما قلتيلِي إنك سافرتِ هناك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
— ساعتها ما كناش بنتكلم أصلاً يا بابا.
ما كانش عتاب.
كان مجرد حقيقة.
قعدت قصادها:
— أنتِ بتكرهيني يا مريم؟
سكتت كتير قبل ما ترد.
— لا.
— أومال حاسة بإيه ناحيتي؟
— صعبان عليا.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
— أنا صعبان عليكِ؟!
— صعبان عليا إنك تكون أسطى ونشاط ومبدع في شغلك، وما تقدرش تشوف الشغف عند حد تاني لمجرد إنه بيشتغل في خامة ثانية غير الخشب.
وطيت رأسي في الأرض.
ساعتها حكتلي حاجة عمرها ما قالتها.
لما كان عندها تسع سنين، أنا أديتها معجم عربي هدية.
في يوم وقع منها في المية والعد التغى. وهي مرعوبة من عقابي، قعدت تفكك الأوراق، واستخدمت عجينة رز كغراء، وضغطت الورق بين لوحين خشب من ورشتي.
— دي كانت أول محاولة ترميم ليا في حياتي —قالت لي—. كل حاجة بدأت من ورشتك أنت.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
— أنا درست المجال ده عشان كنت بشوفك القدوة يا بابا.
ما كنتش عارف أقول إيه.
— كنت بشوفك بتصلح باب مكسور، ترابيزة قدمت، حتة خشبة أي حد يرميها أنت ترجعها تحفة. كنت بظن إن إيديك تقدر ترجع الروح لأي حاجة.
سكتت شوية.
— عشان كده كنت فاكرة إنك أكتر واحد هيفهمني وهيفرح بيا.
الجملة دي كسرتني تمامًا.
أنا ما كنتش مجرد أَب ما فهمش شغف بنته…
أنا كنت الراجل اللي دمر حلم بنته في إن قدوتها يفهمها.
— سامحيني يا بنتي.
ولأول مرة ما قلتهاش عشان أريح ضميري، قلتها لأني فهمت بحق وحقيق أنا بعتذر عن إيه.