عندى ثلاث محمد نور
أنا كنت باصص لها وفكري حاجة واحدة بس:
دي بنتي.
بعد المؤتمر، مريم جابت البروفيسور لحد عندي.
— ده بابا.
الراجل سلم عليا بحرارة، والمترجم ترجم كلامه:
— دلوقتي عرفت سر الإبداع في إيدين مريم. هي ديماً بتقول إنك الراجل اللي علمها إن تصليح الأشياء هو نوع من أنواع الحب.
دورت وشي الناحية الثانية عشان ما حدش يشوف دموعي.
بعدها بكام يوم، قررت أرجع طنطا.
ما كنتش عاوز أكون عبء على حياتها وشغلها.
في المحطة، مريم أدتني كارت بنك.
— ده فيه مبلغ يكفيك تجيب حد يساعدك أو تقعد في دار رعاية كويسة ترتاح فيها.
هزيت رأسي بالرفض:
— لأ يا بنتي.
— يا بابا…
— سيبيني أعمل حاجة واحدة صح في حياتي.
طلعت من جيبي حاجة ملفوفة.
طول الأسابيع اللي فاتت كنت اشتريت عدد بسيطة واشتغلت في السر.
كانت فاصلة كتب (علامة قراءة) مصنوعة من خشب الصندل، وفي أعلاها حفر لوردة بسيطة.
مسكتها مريم بين إيديها الاثنين.
— مش طالعة مظبوطة أوي —قلتلها.
— لا، جميلة جدًا.
— لا، بس اتعملت بقلب صافي.
عينيها اتملت دموع.
— “الشغل النظيف ما يعرش إيدك ولا يكسر عينك” —كررت الجملة—. أخدت 73 سنة عشان أفهم إن المبدأ ده ينطبق على الأبوة كمان.
مريم حضنتني.
حضن قصير… بس بعد عشر سنين جفاء، كان عندي بالدنيا وما فيها، أغلى من كل الملايين اللي وزعتها.
رجعت طنطا، بعت شوية عدد قديمة ما بقيتش أقدر أستخدمها، ودخلت دار مسنين محترمة بقراري.
ما أديتش ولا مليم لهدى ولا لريم عشان أحل مشاكلهم.
ولا كرهتهم.
بس فهمت إن سداد غلطاتهم مش هيخليهم بنات أفضل، ولا هيخليني أب أحسن.
مريم بقت ترن عليا كل يوم حد.
نتكلم بالراحة.
ساعات تبعتلي صور لوثائق خلصت ترميمها.
وأنا أبعتلها رسومات وتصاميم للشبابيك والأبواب بتوع زمان.
بعد شهور، جالي طرد فيه كتاب عن النجارة المصرية القديمة.
وجواه صورة للمخطوطة اللي رممتها هي وفريقها.
وعلى ظهر الصورة كانت كاتبة:
“لبابا… فيه حاجات عمرها ما بترجع زي الأول بالظبط. بس ده مش معناه إنها ما تقدرش تكمل وتعيش.”
حطيت الصورة دي جنب سريري.
طول عمري كنت فاكر إن مريم بتضيع وقتها في تصليح الورق القديم.
دلوقتي عرفت إني كنت غبي وغلطان.
هي بترمم الذاكرة.
بتنقذ الحاجات اللي الناس فاكرة إنها أملها ضاع.