عندى ثلاث محمد نور

مريم ما قالتش “ولا يهمك”.

قالت بس:

— بكرة عاوزة أخدك مشوار.

الصبح، أخدتني وعربيتها طلعت على طنطا.

روحت للمقابر، عند قبر أمهام، “أمل” الله يرحمها.

أنا كان بقالي سنين بتهرب من زيارة المكان ده.

مريم طلعت من العربية ورد أبيض، وفرش صغيرة وقماش. وقعدت تنظف الشاهد والرخام بنفس الدقة والحذر اللي شفتهم في المعمل.

— أمي كانت بتحب الورد ده —قالت وهي بتمسح—. كانت بتقول إنه بيبان بسيط، بس بيستحمل كل الظروف.

فضلت ساكت.

بعدها طلعت من شنطتها حاجة ملفوفة في قماش.

كان المعجم القديم!

هو نفسه.

الورق كان متصلح، ومتنظف، ومترتب على الفرازة.

في أول صفحة كانت كاتبة كلمة واحدة:

“الأصل”.

— لما بكون تعبانة أو يائسة —شرحتلي—، ببص فيه.

مشت إيدها على الغلاف:

— بفتكر ورشتك. ريحة النشارة. عدتك. والكلمة اللي كنت بتقولها ديماً.

افتكرتها قبل ما هي تقولها.

— “اللقمة الحلال والشغل النظيف ما يعرش إيدك ولا يكسر عينك.”

مريم ابتسمت:

— بالظبط.

ساعتها بكيت بكاء مرير.

ما همنيش أبكي قدامها ولا قدام قبر مراتي.

مريم عينها اتملت دموع هي كمان.

— أنا عمر ما قل افتخاري بيك يا بابا.

طلعت تليفونها وورتني صورة لمكتب خشب كلاسيك، معمول بأسلوب الأسطوات بتوع زمان، وفيه حفر وردة صغيرة في الزاوية.

عرفته في ساعتها!

ده أنا اللي عامله بإيدي من تلاتين سنة لدكتور في الجامعة.

— ده كان عميد الكلية عندي —قالت لي—. أول ما دخلت بيته وشفت المكتب، قلت له: “ده شغل بابا، ده أشطر أسطى نجارة في مصر”.

فضلت باصص للصورة.

في الوقت اللي كنت فاكر إن بنتي كسفانة مني، هي كانت شايلة اسمي بفخر واعتزاز.

الوحيد اللي اتكسف منها كان أنا.

بعد الزيارة دي، تعبت ورقدت.

سخونية، وضغط، وإرهاق.

مريم أخدت أجازة من شغلها.

كانت بتعملي الأكل بنفسها، وتظبطلي العلاج، وتمشيني بالراحة لما بدأت أسترد صحتي.

ما بقيناش فجأة العيلة المثالية اللي في المسلسلات.

كان فيه شرخ كبير ورواسب سنين.

بس الجدار بدأ يتفكك.

بعد شهر، البروفيسور بيليني جه مصر عشان مؤتمر دولي.

مريم عزمتني.

قعدت في آخر صف وهي بتلقي كلمتها قدام علماء ورمامين من كل دول العالم.

كانت بتتكلم بثقة وقوة عمرى ما شفتهم فيها.

لما خلصت، فضلت تجاوب على الأسئلة لمدة ساعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *