الكاتبة نيرمين عادل همام الثاني والاخير

تاني يوم الصبح، وأنا بسقي الزرع في الجنينة، سمعت خبطة تقيلة على باب البيت. خبطة حكومة.

كريم فتح الباب، وكان لابس شورت وتيشيرت. وقف قدامه راجل بشنطة جلد، ماسك دوسيه وورق.

كريم سأله باستغراب: “أيوة؟ حضرتك مين؟”

الراجل رد بصوت رسمي خشن: “محضر من محكمة شبرا. منزل السيدة زينب عبد الرحيم؟”

 

كريم اتجمد مكانه. “محكمة؟ أيوة ده بيتها، أنا ابنها.”

المحضر قال بجمود: “لو سمحت ناديها، لازم تمضي بالاستلام، وفي إنذار رسمي موجه لحضرتك شخصياً.”

 

قلبي دق بسرعة، بس رسمت الجمود على وشي. قومت من مكاني وروحت ناحية الباب. “أنا زينب يا أستاذ.”

المحضر طلع ورقة من الدوسيه وقال: “اتفضلي امضي هنا يا حاجة.” وبعدين لف لكريم واداله ورقة تانية: “وده إنذار رسمي على يد محضر، من السيدة زينب عبد الرحيم، بصفتها المالكة الوحيدة للعقار، بتطالبك فيه بدفع قيمة إيجارية شهرية مقابل الإقامة، أو الإخلاء فوراً لانتفاء صفتك وتواجدك كغاصب للعين.”

 

كريم قرأ الورقة، ووشه بهت كأن الدم اتسحب منه. داليا كانت واقفة وراه، عنيها وسعت من الصدمة.

كريم بص للمحضر بصوت بيترعش: “إيجار؟ إخلاء؟ إنت بتقول إيه؟ ده بيت أبويا!”

المحضر قفل الدوسيه وقال ببرود: “الورق اللي متقدم للمحكمة بيقول إن البيت مسجل بالكامل بيع وشراء باسم السيدة زينب، وفي توكيل رسمي عام محرر لمحاميها بإدارة الأملاك. يعني أي حد قاعد هنا من غير عقد إيجار أو موافقة صريحة منها، وجوده غير قانوني. سلام عليكم.”

 

المحضر مشي. والهدوء نزل على البيت كأنه مقبرة.

داليا بصت لكريم وهمست بصدمة: “إنت كنت عارف إن البيت مكتوب باسمها؟”

كريم هز راسه ببطء، وعينيه متثبتة على الورقة: “لا.. أبويا عمره ما قالي.”

 

بعد ساعة، الباب خبط على أوضتي. كريم دخل، وقفل الباب وراه. قعد على الكرسي اللي قدام سريري، كأنه عيل صغير تايه.

بص لي بعيون مكسورة وقال: “ماما… إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟ المحامي والإنذار؟”

قولتله: “لا. بس لما لقيتك بتطردني من حقوقي في بيتي، كان لازم أأمن نفسي، وأعرفك إنك ضيف عندي، مش العكس.”

قال بصوت مخنوق: “ليه عملتي كده؟ ده أنا ابنك!”

 

اتنهدت، ووجع الدنيا كله في صوتي: “عشان إنت نسيت إني أمك. نسيت إني بني آدمة كبرت ومحتاجة تطبطب عليها، مش تعاملها كأنها خدامة أو بنك مفتوح بتاخد منه من غير ما تحسسها حتى بكلمة شكر. إنت اعتبرت وجودي تحصيل حاصل.”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *