الكاتبة نيرمين عادل همام الثاني والاخير

طلعناه، لمعت خشبه ونضفت قماشه، وحطيته في صدر الصالة، جنب الشباك الكبير.. في مكانه بتاع زمان. قعدت عليه، وحطيت إيدي على مسنده، حسيت كأن روح البيت اللي كانت مسلوبة رجعت تتنفس من تاني.

قومت، وبدأت أشيل لوحات داليا الغريبة الكئيبة من على الحيطان. واحدة ورا التانية. ما كانوش بيمثلوني ولا شبهي. كنت محتاجة أرد الروح للحيطان دي. طلعت صندوق الصور القديم.. علقت صورة فرحي أنا وحسن، وبعدها صورته وهو واقف فخور قدام أول محل أدوات كهربائية فتحناه بشقانا. وفي النص، برواز صغير لكريم وهو عنده سبع سنين، بيضحك وسنانه اللي قدام مخلوعة.

وقفت قدام صورته وابتسمت بحزن خفيف.. ياااه يا كريم، إمتى كبرت وبقيت الراجل الغريب اللي بيزعق لأمه ويقولها المية والكهربا بتوعي؟

تاني يوم الصبح، وقفت قدام باب أوضة النوم الكبيرة.

سنين كنت بهرب من الباب ده. كنت فاكرة إن دخولي الأوضة دي من غير ما أسمع صوت نفس حسن نايم جنبي هيكسرني، وإن حكايتي في الأوضة دي خلصت يوم ما اندفن. بس وأنا بفتح الباب، اكتشفت إن حزني نضج. الأوضة ما بقتش بتفكرني باللي راح.. بقت بتفكرني باللي إحنا الاتنين بنيناه.

دخلت. فتحت الدولاب ورصيت هدومي مكانها. حطيت صورة حسن على الكومود، وفتحت الشباك على آخره عشان شمس ربنا تملا المكان.

أما الأوضة الصغيرة اللي جنب الغسيل.. سيبتها فاضية زي ما هي، مفتوحة عشان تفضل تفكرني بدرس عمري: إني مش هصغر نفسي تاني، ولا هكتم أنفاسي عشان أدي مساحة لحد تاني يعيش.

بعد أسبوعين، جرس الباب رن.

كريم كان واقف بره، ماسك في إيده علبة حلويات من اللي بحبها. ملامحه كانت مطفية، ووشه باين عليه شقا الأيام اللي فاتت. دخل، حط العلبة على الترابيزة، وقعد قصادي.

قولتله وأنا بصب الشاي: “إيه أخبارك يا ابني؟”

اتنهد تنهيدة طالعة من أعماقه: “الإيجارات برا نار يا أمي.. نار بجد.”

ابتسمت بهدوء: “عارفة.”

كمل وهو بيبص لفنجان الشاي: “والكهربا، والمية، وغلو المعيشة. أنا بقيت بكتب كل مليم بيطلع من جيبي في نوتة، حتى الحاجات الهايفة اللي كنت بصرف عليها من غير ما أحس. اكتشفت إني كنت عايش في مية البطيخ، وإني كنت مبذر في حاجات مالهاش لازمة لمجرد الفشخرة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *