الكاتبة نيرمين عادل همام الثاني والاخير

بلع ريقه وسكت. مفيش كلام يتقال. الجروح اللي بتتحفر في الروح سنين، مش بتدبل وتختفي عشان حد عيط ربع ساعة واعترف بغلطه. بس على الأقل، كريم بطل يكابر، وبدأ يشيل شيلته.

يوم النقل، عربية نص نقل وقفت تحت البيت. عمال بينزلوا الكراتين، هدومه، شاشته، براويز داليا اللي كانت مشوهة الحيطان. وفي الآخر، كريم نزل ومعاه شنطة هدومه.

وقف على باب الشقة، وبص لي. ملامحه كانت أهدى كتير. قال: “أنا لقيت شقة إيجار على قدي جنب الشغل. مفيهاش جراج ولا تكييف بس أهو أتعلم أعيش على مقاسي.”

ابتسمت وقولتله: “هتتعود، وهتبقى راجل بجد.”

طلع ميدالية المفاتيح، وفك مفتاح الشقة، ومد إيده يحطه في إيدي.

قفلت إيدي على إيده وقولتله: “خليه معاك.”

بص لي بصدمة: “بعد كل اللي حصل؟”

قولتله: “عشان تفضل فاكر إن ده بيت أمك، تيجي تزورني في أي وقت والباب مفتوح لك.. بس في فرق كبير بين إنك تدخل بيت أمك كابن بار بيزورها، وبين إنك تدخله وتتصرف كأنه ورثك وإنت لسه عايشه.”

هز راسه بتفهم، باس على راسي وقال: “حقك عليا يا ست الكل.” واداني ضهره ونزل.

سمعت تكة باب الشقة وهو بيتقفل وراه. وقفت مكاني في نص الصالة، استنيت أحس بغصة في زوري أو دمعة تنزل على خدي، بس الغريب إني ما بكيتش. ما حسيتش إني خسرت ابني، بالعكس.. حسيت إني أخيرًا، وبعد توهان سنين، رجعت ألاقي نفسي.

دخلت أوضتي، مسكت تليفوني وطلبت نمرة “عم ممدوح”، صاحب  حسن الله يرحمه. راجل طيب وأصيل، كان بيعتبر حسن أخوه اللي ما جابتهوش أمه.

“عم ممدوح، إنت فاضي النهاردة؟”

رد بصوته الدافي: “لو مش فاضي أفضالك يا أم كريم، إنتِ تأمري.”

ضحكت وقولتله: “عايزاك تيجي تساعدني في حاجة تقيلة شوية.”

بعد الضهر، كان عم ممدوح بيركن عربيته النقل الصغيرة قدام البيت. نزلنا الجراج، وفضلنا نزيح في كراتين داليا وحاجاتهم القديمة المتربة، لحد ما لمحت طرفه. “الكرسي الأخضر بتاعي”.

كان متغطي بملاية دبلانة ومقروي عليه الفاتحة تحت كراكيب ملهاش لازمة. أول ما عيني جات عليه، قلبي دق.

قولتله بلهفة: “هو ده يا عم ممدوح.”

ابتسم وهو بيمسح التراب من عليه: “لسه فاكرة الكرسي ده يا حاجة زينب؟ ده من ريحة الغالي.”

رديت وعيني بتلمع: “أنسى إيه؟ ده الكرسي اللي كنت بريح عليه ضهري، واللي حسن كان بيقعد قصادي عليه كل ليلة نشرب الشاي ونحسبها سوا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *