الكاتبة نيرمين عادل همام الثاني والاخير
قولتله: “المهم إنك اتعلمت الدرس.”
سكت شوية، فرك إيده في بعضها كأنه متردد، وبعدين قال بصوت واطي: “داليا سابتني.”
رفعت عيني وبصيتله من غير ما أعلق.
كمل: “كانت عايزاني أضغط عليكي.. قالتلي خليها تكتبلك البيت بيع وشراء وتتنازلك عنه، وورق المحامي ده يتقطع، عشان نرجع.”
سألته بجمود: “وإنت رديت عليها قولت إيه؟”
بص في عيني مباشرة وقال بشجاعة ما شوفتهاش فيه من سنين: “قولتلها إن البيت ده عمره ما كان بتاعي.. ولا هيكون، طول ما إنتِ عايشة فيه.”
ابتسمت. حسيت بفخر حقيقي. مش عشاني، لكن عشانه هو.. لأنه أخيرًا وقف قدام نفسه، واعترف بالحقيقة اللي كان بيهرب منها.
قبل ما يمشي، وقف عند طرقة المطبخ. عينيه راحت للغسالة الأوتوماتيك بتاعتي. الغسالة اللي دفعت فيها دم قلبي عشان أرحم عضمي اللي كبر، بدل ما أقف أكسر ضهري.
قرب منها، وحط إيده عليها، وبعدين بص لي وعينيه مليانة دموع مكتومة.
قال بصوت بيترعش: “ماما فاكرة يوم ما زعقتلك هنا؟”
قولتله: “فاكرة يا كريم.”
نزل راسه وبكى، المرة دي بكى بوجع راجل عرف إنه داس على أكتر قلب حبه في الدنيا: “أنا أسف. أنا مش بس اتطاولت عليكي.. أنا استكترت عليكي راحة ضهرك، وعايرتك بكهربا إنتِ اللي كنتِ بتدفعيها من جيبك. أنا كنت أعمى ومغرور، وما أستاهلش التراب اللي بتمشي عليه.”
المرة دي.. اعتذاره كان كامل. ما طلبش فلوس. ما طلبش يرجع البيت. ما طلبش أكلم داليا ولا أحلله مشاكله. كان بيعتذر عشان فعلاً حس بالذنب.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه، وقولتله من قلبي: “شكرًا إنك فوقت يا كريم. مسامحاك يا ابني.”
باس إيدي وراسي، ومشي وهو رافع راسه.. راجل مسؤول، مش عيل مستخبي في حضن أمه.
تاني يوم الصبح.. صحيت بدري، وقت ما الندى لسه على ورق الشجر.
الجنينة كانت هادية، والبيت كله ساكن. دخلت الحمام، غيرت هدومي، وأخدت الملايات وحطيتها في الغسالة. حطيت المسحوق، ودوست على الزرار.
وقفت أسمع صوت الموتور وهو بيلف. الصوت ده، اللي كان من فترة سبب في خناقة وكسرة نفس، بقى دلوقتي مزيكا بتطمني. الغسالة اللي اشتريتها بفلوسي عشان أطبطب بيها على نفسي، بقت شغالة في بيتي، وبكهربتي، وبميتي.
طلعت للصالة، وعملت كوباية شاي بنعناع، وقعدت على “الكرسي الأخضر” بتاعي قصاد الشباك.
