عشر دقائق محمد نور

غير ما تتحرك.
ورجل الأمن اللي واقف جنب الحيطة وطّى عينه.
الجو نفسه اتغير.
أنا ما كنتش أعرف هو مين، لكن جسمي فهم قبل عقلي إنه مش حد ينفع حد يضايقه.
بصيت بعيد بسرعة.
اتكسفت.
اتكسفت من الجاكت المبلول.
ومن الجزمة القديمة.
ومن صوابعي الحمرا من البرد.
ومن إني كنت واقفة ببص على فستان كأني من حقي أحلم بيه.
آسفة همست، رغم إنه ما كانش قال أي حاجة.
مش عارفة ليه اعتذرت.
يمكن لأن الفقر بيعلّمك تعتذر حتى لمجرد إنك واقف على الرصيف.
هو ما ردش.
بس بص لي.
مش بسخرية.
ولا بضيق.
ولا بنظرة الشفقة الناعمة اللي أوقات بيستخدمها الناس المرتاحة لما يحبوا يحسوا إنهم كويسين.
بص لي كأني لسه قاطعت فكرة كان قافل عليها بقاله سنين.
اللي أنا ما كنتش أعرفه إن مراد الشافعي ما كانش مجرد صاحب مجموعة الشافعي للأزياء الراقية اللي البوتيك ده تابع ليها.
دي كانت حياته الظاهرة.
الحياة اللي الناس تعرفها.
الجزء اللي بيظهر في المجلات والجرائد.
الافتتاحات.
والحملات الإعلانية.
وعارضات الأزياء.
والتبرعات اللي بيعلن عنها قدام الناس.
والصور اللي بتتصور تحت أنوار شيك.
لكن بعد نص الليل، القاهرة كانت عارفة حقيقة تانية.
مراد الشافعي كان مسيطر على واحدة من أقوى العائلات الإجرامية في المدينة.
مش بالضجة.
ولا بالحركات المسرحية.
بمكالمات قصيرة.
ورجالة ساكتة.
وخدمات بتتحول لسلاسل.
رجالة أكبر منه بضعف سنه كانوا بيوطوا صوتهم أول ما يدخل أوضة.
ومسؤولين كبار كانوا بيردوا على مكالماته.
ورجال أعمال كانوا بيقعدوا معتدلين قدامه كأنهم طلبة قاعدين قدام مدير المدرسة.
والناس اللي كانت بټخونه نادرًا ما كانت بتكرر نفس الغلطة مرتين.
والراجل ده كان واقف بيراقبني من باب بوتيك، وأنا المطر مغرق هدومي.
أنا ما كانش ممكن أعرف أي حاجة من دي.
بالنسبة لي، كان مجرد راجل غريب شيك، لسه مكتشف إني كنت واقفة ببص على فستان مش قادرة أشتريه.
ضميت الشنطة لصدرى ومشيت.
ما جريتش.
رغم إني كنت عايزة أجري.
فضلت حاسة بنظرته على ضهري كام خطوة.
وبعدين رجعت أصوات المدينة حواليا.
عربيات.
مطر.
فرامل.
أصوات ناس.
لكن حاجة كانت لسه معلقة ورا الإزاز.
حاجة ما فهمتهاش.
حاجة لسه ما كانتش تخصني.
وصلت الشقة وأنا مبلولة لحد جلدي.
آدم كان قاعد على الكنبة وبطانية على رجليه، وكشكول مفتوح قدامه.
أول ما شافني عقد حواجبه.
مريم، إنتِ بتشرّي!
حاولت أضحك.
المطر قرر ييجي معايا لحد البيت.
لكن هو ما ضحكش.
بص على جاكتي.
وبعدين على وشي.
آدم كان شاطر زيادة عن اللزوم في قراءة سكوتي.
مشيتي تاني؟
حطيت الشنطة على الكرسي.
الأتوبيس كان زحمة.
ده مش اللي أنا سألته.
خلعت الجزمة جنب الباب.
أكلت؟
مريم.
آدم.
بصينا لبعض.
هو اللي استسلم الأول.
آه. أكلت الشوربة اللي سيبتيها.
كويس.
دخلت أغير هدومي قبل ما يفضل يسأل.
الليلة دي نمت قليل.
قرب نص الليل، آدم حس بۏجع في صدره.
ما كانش أسوأ ألم حصله، لكن كان كفاية يخلي الخۏف يخرجني من جلدي.
أخدته لطوارئ مستشفى قريب وأنا الجاكت بتاعي مقفول غلط وشعري لسه مبلول.
صالة الانتظار كانت ريحتها مطهر وقهوة محروقة.
كان فيه تلفزيون من غير صوت معلق في ركن.
طفل كان بيعيط في الناحية التانية.
وست نايمة ورأسها مسنودة على ماكينة مشروبات.
فضلت ماسكة إيد آدم وهو بيحاول ياخد نفسه بهدوء.
أنا كويس قال.
كان بيكدب أسوأ مني.
الدكتور كشف عليه.
وعدّل تعليمات العلاج.
وكرر إنه ممنوع يفوّت جرعة.
وقال كلمة متابعة كأن المتابعة ممكن تتشترى في علب صغيرة من غير ما تبص على السعر.
خرجنا قبل الفجر.
آدم حاول يعتذر عشان خوّفني.
كنت تقريبًا هانهار في نص الرصيف.
ما تعتذرش لي تاني عشان محتاجني.
وطّى عينه.
إنتِ كمان محتاجة تنامي.
ابتسمت له.
دايمًا.
كدبة تانية.
وفي الساعة تمانية الصبح كنت رجعت الفندق.
اتأخرت دقيقتين.
المدير رفع عينه من على المكتب كأني وصلت بعد ساعتين وأنا ماسكة كوباية في إيدي.
مريم، الالتزام بالمواعيد مهم.
آسفة.
عندنا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *