عشر دقائق محمد نور

بتقرر فوقها ميزانيات ممكن تغيّر حياتي، وبالنسبة لهم كانت مجرد أرقام على شاشة.
إيديا كانت خشنة من مواد التنظيف.
والهالات تحت عيني بقت حاجة ما بتروحش.
ومع كده، كل مرة آدم كان بيسألني إذا كنت كويسة، كنت بابتسم.
دايمًا.
كنت بقولها بسرعة لدرجة إنها تقريبًا كانت بتبان حقيقية.
هو كان بيعمل نفسه مصدقني.
وأنا كنت بعمل نفسي مش واخدة بالي إنه بيعمل نفسه مصدقني.
كنا بنحمي بعض بالطريقة دي.
في اليوم ده كنت لسه مخلصة وردية طويلة.
الفندق كان مليان بسبب مؤتمر، وكل الناس تقريبًا كانوا محتاجين حاجة في نفس الوقت.
نزيل كان بيزعق عشان أوضته ريحتها رطوبة.
ست ضيعت دبلة، وبعد كده لقيناها جوه شنطتها هي.
والمدير فكّرني إن التأخير بيدي صورة وحشة، مع إني كنت واقفة على رجلي تسع ساعات، وكل اللي دخل بطني كان قهوة ساقعة.
ولما خرجت أخيرًا، كانت الدنيا بتمطر.
مش مطرة رومانسية بتاعة الأفلام.
كانت مطرة تقيلة وباردة ومستمرة، من النوع اللي بيخليك تحس بفقرك أكتر.
قفلت الجاكت القديم لحد رقبتي، لكن المية كانت بتلاقي طريقها لجوا.
كانت بتنزل من رقبتي.
وتلزق شعري في وشي.
وتبلل أكمام البلوزة.
مشيت للبيت عشان أوفر أجرة الأتوبيس.
كان في شنطتي تلتمية جنيه.
تلتمية بس.
ومعظمهم أصلًا كانوا رايحين لروشتة آدم.
والباقي كان لازم يكفّي لبن وعيش، ولو ربنا كرّم، شوية فاكهة لو الراجل بتاع الفاكهة على الناصية كان مزاجه حلو.
أنوار المحلات كانت منورة على الناحيتين.
والمدينة كانت باينة مشوشة بسبب المطر، كأن حد مرّر صباع مبلول على الدنيا كلها.
وساعتها شفت الفستان.
كان معروض في واجهة بوتيك فخم، لوحده، على مانيكان رفيع، وتحت نور دافي.
أزرق غامق.
وعليه تطريز فضي.
القماش كان نازل بنعومة مستحيل تتوصف.
ما كانش مبالغ فيه.
ولا مبتذل.
كان جميل بطريقة هادية، كأنه مش محتاج يستأذن حد عشان يبقى موجود.
وقفت.
ما كانش المفروض أقف.
في حاجات الأفضل ما تبصلهاش كتير.
أكل ما تقدرش تشتريه.
بيوت عمرك ما هتعيش فيها.
وحيوات مش معمولة ليك.
لكن الفستان وقفني كأن حد ناداني باسمي.
ما كنتش بتخيل سجادة حمرا.
ولا شفت نفسي في حفلة فخمة ولا ماشية جنب راجل غني.
ما كانش ده الموضوع.
كل اللي فكرت فيه هو يا ترى إحساس إن يبقى عندي حاجة حلوة من غير إحساس بالذنب عامل إزاي؟
إنك تلبس حاجة لمجرد إنها عجباك.
مش عشان عليها تخفيض.
مش عشان متينة.
مش عشان تتغسل ألف مرة وتستحمل شتوية كمان.
حاجة حلوة وخلاص.
لثواني تخيلت حياة تانية.
حياة الدوا والأكل ما يتخانقوش فيها على نفس الفلوس.
حياة أقدر فيها أدخل محل من غير ما أول حاجة أعملها إني أدور على الأسعار.
حياة آدم يقدر يمرض فيها من غير ما أحس إن الأرض بتختفي من تحت رجلي.
حياة حد يبص لي ويشوف أكتر من ست مرهقة لابسة جاكت قديم.
وبعدين شفت السعر.
كان أكتر من تلات شهور من مرتبي.
تلات شهور لو ما كلناش.
تلات شهور لو ما دفعناش الكهربا.
تلات شهور لو آدم ما احتاجش حاجة.
ضحكت تقريبًا.
مش ضحكة فيها هزار.
دي الضحكة الصغيرة المُرّة اللي بتطلع لما الجسم ما يبقاش عارف يعيط ولا يستسلم.
حتى الأحلام ليها تمن.
والترف كان للناس اللي ما بتقضيش الليل وهي بتحسب فواتير الكهربا.
رجعت خطوة لورا.
وفجأة باب البوتيك اتفتح.
التغيير حصل في لحظة.
النور الدافي اللي جاي من جوه المحل وقع على الرصيف المبلول، وظهر معاه راجل طويل لابس معطف لونه فحمي.
في أوائل التلاتينات.
شعره أسود.
ملامحه هادية.
هادية زيادة عن اللزوم.
ما كانش مستعجل.
ما بصش في ساعته.
وما بانش عليه أي ضيق من المطر.
في ناس لما تدخل مكان بتاخد مساحة.
هو كان بيعمل حاجة أسوأ.
كان بيخلي المكان كله يتظبط على وجوده.
الموظفين جوه البوتيك كانوا وقفوا عن الحركة بطريقة شبه مش ملحوظة.
موظفة كانت ماسكة علاقة هدوم من

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *