روحت ازور قبر مراتى محمد نور

وقالت
أيوه.
القاضية سألتها تاني
وهل إنتِ عايزة الأستاذ جابر يبقى أبوكي بشكل رسمي وقانوني؟
ملك بصّت لي، وبعدها ردّت بثقة
هو أصلًا بابا. ناقص بس حضرتك تكتبي ده في الورق.
بعض الناس ضحكوا من كلامها.
أما أنا، فما قدرتش أنطق.
حسّيت إن حلقي اتقفل من كتر التأثر.
القاضية بصّت لنور وسألتها
وإنتِ يا نور، رأيك إيه؟
نور كانت لسه بتتكلم قليل مع الكبار من كتر اللي شافته في حياتها.
استخبّت نص خطوة ورا ملك.
افتكرت إنها مش هترد.
لكنها رفعت عينيها وقالت بصوت واطي
أنا عايزة أروح البيت مع بابا.
وقّعت الأوراق وإيديا بتترعش.
الليلة دي، ما عملتش حفلة ولا عزمت حد.
طلبت من العاملين في البيت يرتاحوا، وقررت إننا إحنا التلاتة نطبخ العشا بنفسنا.
أو على الأقل نحاول!
حړقت الفراخ.
وملك حطّت ملح زيادة في البطاطس.
ونور وقّعت نص برطمان الشوكولاتة على الترابيزة.
ومع ذلك، كانت أحلى وجبة أكلتها في حياتي.
قبل النوم، أخدت البنتين لأوضة ليلى.
دي كانت أول مرة يدخلوا فيها.
ملك عرفت رسوماتها على طول، ونور لمست واحدة من اللوحات بأطراف صوابعها.
وبعدين نور قالت
ماما ليلى هي اللي لقيتنا الأول.
ركعت بينهم وقلت
أيوه يا حبيبتي، هي اللي لقيتكم الأول.
ملك بصّت لي وسألتني السؤال اللي كنت خاېف منه من شهور
هي كانت عايزانا نبقى بناتها بجد؟
فتحت ملف التبنّي القديم وطلعت الجواب اللي ليلى ما كملتهوش.
حاولت أقرأه لهم، لكن صوتي خانني.
فملك أخدت الجواب من إيدي وبدأت تقراه بنفسها.
ولما خلصت، ساد الصمت في الأوضة.
نور حطّت صورة ليلى على المكتب وقالت
يعني إحنا بقينا أربعة.
بعد 12 سنة، افتكرت الجملة دي من جديد.
كانت ملك واقفة قدام مئات الأشخاص، بتستلم شهادة تخرّجها من كلية الحقوق.
اختارت تتخصص في حماية الأطفال والدفاع عن حقوقهم.
أما نور، اللي بقت طالبة موسيقى، فكانت بتصوّر الحفل وهي بټعيط من الفرحة ورا الكاميرا.
شعري كان ابيضّ، وخاتم ليلى كان لسه متعلق في سلسلة تحت قميصي.
بعد حفل التخرّج، أخدت بنتيّ ورحنا لدار الرحمة القديمة.
الدار ما بقتش موجودة.
مكانها اتبنى مركز جديد، فيه فصول دراسية وعيادات وغرف إقامة وصالة كبيرة مليانة نور.
وعند المدخل، كانت فيه لوحة مكتوب عليها
مركز ليلى العزّازي لحماية الطفولة.
ملك وقفت قدام اللوحة وبصّت لي.
وسألتني
المكان ده كلّفك كام؟
ابتسمت وقلت لها
أقل بكتير من تمن السنين اللي ضيّعتها قبل ما أفهم ليه المكان ده لازم يتبني.
المركز كان بيتموّل من جزء من ثروة ليلى اللي كانت مخصصة أصلًا لمساعدة الأطفال، ومن مساهمات أنا وبناتي ضفناها على مدار السنين.
جوه المركز، نور لقت بيانو.
قعدت قدامه وبدأت تعزف الأغنية اللي كانت ليلى بتحبها أكتر من أي أغنية تانية.
أما ملك، فجمعت مجموعة من الأطفال حواليها وبدأت تحكيلهم حكاية الأرنب الصغير اللي كان بيحمي أخته وقت العاصفة.
خرجت للجنينة وقعدت تحت شجرة بلوط قديمة نقلناها من أرض العيلة.
فتحت مذكرات ليلى، اللي فضلت محتفظ بيها سنين طويلة.
كنت كل مرة أقول لنفسي إني هكتب حاجة في الصفحة الأخيرة، لكني ما كنتش بعرف أبدأ.
النهارده، أخيرًا، قدرت أكتب.
يا ليلى،
كنت فاكر إنك لما متّي، سيبتيني لوحدي.
لكنّي كنت غلطان.
إنتِ سيبتِ بنتين مستنيين إني أتعلم أبصّ للحياة بعيد عن نفسي.
إنتِ لقيتيهم الأول.
وهما لقوني بعدك.
والتلاتة عملتوا حاجة عمري ما قدرت أشتريها بفلوسي كلها.
إديتوني بيت وعيلة.
وخليتوني أفهم يعني إيه أكون أب.
قفلت المذكرات.
ومن جوه المبنى، سمعت صوت بيانو نور.
وبعده سمعت ضحكة ملك.
قمت ومشيت ناحيتهم.
لأنني قضيت سنين طويلة فاكر إن يوم ما رحت فيه المقاپر، كنت رايح أزور الست اللي خسرتها.
لكنّي عرفت الحقيقة أخيرًا.
أنا ما كنتش رايح المقاپر عشان أزور مراتي وبس… أنا كنت رايح أقابل البنتين اللي سابتهم
لي، واللي كانوا مستنييني أرجع لهم من غير ما أعرف.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *